استئنافية الحسيمة تؤيد حبس نور الدين مضيان 6 أشهر نافذة في قضية رفيعة المنصوري    الضرائب تحدد فاتح ماي آخر أجل للإقرارات السنوية وتدعو الملزمين إلى التسوية    الملتقى الدولي للفلاحة بمكناس.. المغرب يعزز التعاون الفلاحي جنوب-جنوب ومتعدد الأطراف    لبنان: استهداف الإعلاميين "جريمة حرب"    مفاوضات لبنانية إسرائيلية بواشنطن وحزب الله يريد استمرار وقف إطلاق النار إذا التزمت به تل أبيب التزاما كاملا    نادي برشلونة يوضح إصابة لامين جمال    رسميا.. برشلونة يعلن انتهاء موسم لامين يامال    الBAG والديستي بتطوان يسقطان شبكة مخدرات وحجز 10 كغم من الكوكايين و86 مليون سنتيم    نشرة إنذارية من الخميس إلى الجمعة    جمعية تُهاجم دعوات منع فيلم "المطرود من رحمة الله" وتدعو لحماية حرية الإبداع    بسبب مشاركة إسرائيل.. سلوفينيا تستبدل "يوروفيجن" ببث عن فلسطين    المغرب والهندوراس يعمقان عزلة الجزائر والبوليساريو في أمريكا اللاتينية    موظفو الشرطة بحرف الملحة يضطرون لاستخدام اسلحتهم الوظيفية    العلمي يستقبل شيخة النويس بالرباط    سيدي يحيى الغرب..ثانوية ابن زيدون تحتفي بديوان "فلسطينيات"    غيابات وارتباطات اللاعبين تُسقط ودية المغرب والسلفادور قبل كأس العالم    تقرير: الاستثمار العمومي أبرز عناصر القوة في حصيلة حكومة أخنوش    "وورلد برس فوتو".. لحظة تشبث ابنتين بوالدهما المهاجر تتصدر صور العام        بعد صور "الحريديم" بباب دكالة.. المئات يتظاهرون بمراكش دعما لفلسطين ورفضا للتطبيع    الأمير هاري يقوم ب"زيارة مفاجئة" إلى أوكرانيا    ارتفاع أسعار النفط 1 بالمئة وتداولها قرب 103 دولار للبرميل    بارتفاع الحرارة وزخات رعدية .. اضطرابات جوية تبلغ الذروة في المغرب    "تمكين للتنمية" يُسدل الستار بمواكبة 33 مقاولا شابا في الفلاحة الذكية    صيادلة المغرب يحملون وزارة الصحة مسؤولية "تهديد الأمن الدوائي" للمواطنين    مونديال 2026.. مبعوث لترامب يدعو لاستبدال ايران بإيطاليا    البرازيلي استيفاو لاعب تشيلسي مهدد بالغياب عن كأس العالم 2026    الأسد الإفريقي 2026.. المغرب منصة لتدريب عسكري ذكي        إسبانيا تطلق خطة إسكان عام بقيمة 7 مليارات يورو لمواجهة أزمة السكن وارتفاع الإيجارات        تقنين القنب الهندي: إنتاج أزيد من 19 ألف قنطار، وتسليم نحو 4000 رخصة جديدة خلال موسم 2025    مربو التعليم الأولي يصعدون باعتصام أمام الوزارة للمطالبة بالإدماج والتقاعد    المجلس الاقتصادي والاجتماعي يقترح إدماج شهادة المرأة في اللفيف وإصلاحا هيكليا لمهنة العدول ورقمنة التوثيق بالذكاء الاصطناعي    الدار البيضاء تحتضن أول تجمع منظم لأسرة تحكيم السلة المغربية    براءة نيمار من الاحتيال في صفقة انتقاله إلى برشلونة            روابط مالية تغضب منافسين في "الفورمولا واحد"    تصادم قطارين يخلف جرحى بالدنمارك    السياحة: بالرباط، تعبئة مشتركة للوزارة والمهنيون لتثمينمهن الضيافة المغربية    انفراج أزمة قطاع الصحة بتاونات بعد اتفاق بين النقابة والسلطات الإقليمية    افتتاح المسرح الملكي بالرباط رسميا بعرض فني بعد سنوات من إنجاز الأشغال    المتيوي: المجلس الإقليمي لشفشاون سيواصل العمل بتنسيق مع مختلف الشركاء لتحقيق تنمية مندمجة وشاملة بالإقليم    رسالة إلى صديقي .. وداعاً يا صاحب الروح الطيبة        وداعا همس الورد.. وداعا ظل الفراشة .. عبد النبي دشين درويش الطريقة والطريق    المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي ينظم ندوة علمية دولية حول «الكتابة المسرحية والإخراج    أكاديمية المملكة تبحث عن نظرية معرفية بين "الإنسان والذكاء الاصطناعي"    عرض خاص لفيلم "أبي لم يمت" لعادل الفاضلي بقصر الفنون بطنجة احتفاءً بالسينما المغربية        34 ألف مستفيد من أداء مناسك الحج لموسم 1447ه    بين خفض التكاليف والرقمنة.. وزير الأوقاف يستعرض حصيلة ومستجدات موسم الحج    مخاوف من ظهور سلالة فرعية من متحور أوميكرون..    الأسبوع العالمي للتلقيح.. وزارة الصحة تجدد التأكيد على مجانية اللقاحات وضمان استدامتها    النمسا: العثور على سم فئران في عبوة طعام أطفال من شركة هيب    بدء توافد ضيوف الرحمن إلى السعودية لأداء فريضة الحج        







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الأمازيغية الريفية ووَأدُ الجاهلية
نشر في هسبريس يوم 30 - 12 - 2012

لم يَعد يخفى على أحدٍ بأنّ "الإركامية" أمازيغية رابعة، غير طبيعية، تمت صناعتها بطريقة هاوية، ولم تنبثق مِن أمازيغ المغرب، شمالِه ووسطِه وجنوبِه. والأخطر من ذلك أنّ صُناعها اعتمدوا في صناعتها على معدن جهتهم وأرادوا لأمازيغ الجهتيْن الأخريَين أن يعتمدوها لغة رسمية بدل الريفية والأطلسية. وهكذا تحولت مهمة الإركام، في غفلة من أهالي الريف والأطلس، من مؤسسة استشارية إلى هيئة تفرض الوصاية على كافة أمازيغ المغرب، تأمر وتنهى في لغتهم وثقافتهم، وتنطق باسمهم في الداخل والخارج. وقد استغل الإركاميون أخيراً لُبسة العبارة في الدستور (المادة الخامسة) ليقولوا للناس إن الأمازيغية المقصود ترسيمها هي السوسية المُأركَمة. ولا عجب إذا رأينا المستفيدين من الإركامية يُسْرعون ويُسَرّعون غيرَهم إلى إخراج القانون التنظيمي، قبل أن يستيقظ أمازيغ الأطلس والريف وعموم المغاربة من غفلتهم، متهِمين الدعاة إلى التريث بوضْع العصا في العجلة، والمُشكِكينَ (الوزير الداودي نموذجاً) بالخرَف إزاء الحرْف.
واليوم، عِوض أنْ يستدرك هؤلاء الصناعُ الأمرَ فيشرحوا للناطقين بالأمازيغية (والمغاربة عموماً) كيف توصلوا إلى اختراعهم، ومَن هُم المخترعون، وما هو مستواهم الأكاديمي، وما هي المنهجية التي تم انتهاجها في الاختراع، وما سبب اعتراضهم على المعيرة الجهوية إحقاقاً للعدالة اللغوية واحتراماً للتنوع الأمازيغي القائم لقرون وقرون، وما هو مصير الريفية والأطلسية بعد الإركامية-السوسية، نراهم يُهرولون لكي يفرضوا عليهم الأمر الواقع، متجاهلين نقدَ العارفين بالمجال اللغوي والاستنكارَ الشعبي لفِعلتهم ضد الأمازيغية، خاصة في الريف. كما نراهم صَخّابين للتسويق لمصنوعهم لدى مؤسسات الدولة وللضغط على ممثلي الأمة لكي يُسرعوا بإيجاد قانون تنظيمي للمولود الآبد.
ولا شك في أن الغموض السائد والأسئلة العالقة بشأن الأمازيغية مردُّهم إلى المغالطات التي ظل يَنشرها ويُروج لها الإركاميون ونظراؤهم منذ البداية، حيث استغلوا أبشعَ استغلالٍ فراغَ الساحة وتوفرَ المادة وانعدامَ الرقابة وتذمّرَ الأمازيغ من بعض تصرفات الدولة تاريخياً ومن تعريبها الانتهازي حديثاً على حساب الهوية المغربية المتعددة. وهكذا تعرّض كثير من الأمازيغ البسطاء معرفياً (وهُم الأغلبية الساحقة، ممن يَنشُطون في جمعيات وتكتلات "مُؤطَرة") في العُشرية الأخيرة تخصيصاً لِما يشبه عملية غسْل للدماغ ثم زرْع لأفكار وحُجج لا يَقبلها العقل ولا تستقيم عند الحِجاج الحقيقي، حتى باتَ هؤلاء إذا سمعوا أوْ قرؤوا رأياً مُخالفاً من إخوانهم المغاربة في موضوع الأمازيغية عَمي بصرُهم ودقوا طبول الحرب واندفعوا للذود عن "العقيدة" الإركامية. سلاحُهم في ذلك غالباً ما يكون حساسية مُفرطة وعصبية قبَلية وأحكاماً جاهزة ونُعوتاً حاقدة (عروبية/ قومجية/ استلاب/ بترودولار/ عنصرية/ قريش/ مؤامرة/ مناورة/ استعراب/ إسلاموية/ إلخ). وإذا حدث أنْ كان السلاح عِلمياً فإنّ حامِليه يُحاجّون في ما ليس لهم به عِلم؛ يُحاجّون في فقه اللغة ولا عِلم لهم باللسانيات العامة والفرعية والمقارنة، فيُرددون معلومات مغلوطة جملة وتفصيلاً.
ومِن جُملة تلك المغالطات أنّ الأمازيغية الريفية تتضمن حروفاً زائدة وجب حذفها (الثاء والذال نموذجاً والأستاذ محمد شفيق وصيّاً)، وأنها في مُجمَلها "نجسة" بكلمات دخيلة فتوجبَ شذبُها وتنقيحها (يا للعجب! وهل الإسبانية، مَثلا، أقل شأناُ من شقيقاتها بالعشرات من الأم اللاتينية، كالفرنسية والإيطالية وغيرهما، لمجرد احتوائها على أزيد من أربعة آلاف كلمة عربية "دخيلة"؟). ومِن تلك المغالطات أيضاً أنّ حضور/ رصيدَ الأطلسية محدودٌ أو مُخترَقٌ، وأنّ السوسية قد حمت نفسها من التلوث اللغوي أكثر وأفضل من غيرها، وأنها بذلك الأقرب إلى الأمازيغية القُحة والجديرة لتكون هي المَرجع وهي المرجعية، وأن الدارجة المغربية وليدة الأمازيغية، وأنّ فِعلة الإركام لا تختلف عمّا فعله سيبويه بالعربية، وأنّ الفوارق بين الألسن الأمازيغية الثلاثة في المغرب إنما هي نُطقية طفيفة ومسألة مُرادفات ليسَ إلا، وهلمَّ جَرّا.
كل هذا بالطبع كلامٌ غيرُ سليم من الناحية العِلمية والتاريخية، بل كذبٌ سافرٌ على المغاربة تعميماً والناطقين بالأمازيغية تخصيصاً. وفي هذا الباب، أخشى أن يكون أمازيغ الريف أكبر ضحايا تلك المغالطات، بدليل أنهم يَبدون مَزهُوّين بشكل الحرْف وطلعتِه، غيْر آبهين بَعدُ بخطر "التسويس" الإركامي المُحدِق باللسان الريفي، معتقدين أن الإركامية أمازيغية أصيلة في لوح محفوظ.
الفوارق الطفيفة توجد بالفعل ما بين المتكلمين بالريفية داخل رقعتهم الجغرافية (نَشْ/ نتْشْ؛ أزدْجيفْ/ أزليف؛ رَخّو/ رُوخ، وقِسْ على ذلك)، أو ما بين المتكلمين بالأطلسية داخل رقعتهم، أو ما بين السوسيين داخل رقعتهم. أمّا ما بيْن الألسن الأمازيغية الثلاثة فالفوارق عميقة جداً وبادية للعيَان، نطقاً ومُعجَماً وقواعدَ، ولا يمكن حذفُها بجرة قلمِ موظفٍ-باحثٍ، أو تجاهُلها بقرار سياسي، أو بمناورات تكتُمُ الحق. بل لا يجوز عِلمياً وإنسانياً ولا يحق قانونياً لأيّ كان حتى التفكير في ذلك. فخلافاً للسياسات العمومية والمشاريع الخاصة، التي تحتمل المبادرة والمجازفة والارتجال والخطأ، والتنزيل من فوق، تُعَد اللغة شيئاً سامياً يصعد مِن تحت؛ إنها هُوية بمعنى الكلمة، روح لا يمكن إزهاقها، كائنٌ حيٌ كالكائن الذي رضعها من أمه وينطق بها ويُورثها لخلَفه. لذلك، يُعتبر أيّ مسّ بها مَساً خطيراً بحقّ كل فردٍ فردٍ مِن جماعة الناطقين بها.
المتكلمون بالريفية هم ذوُوها، مُلاكها الحَصريون، ولا يجوز للإركام، أو للمتعاطفين أو المتواطئين معه، مَهما أصرّوا وتمادوا، أن يَمسخوها، وهي محفوظة في الأفئدة وعلى الألسنة. ومَن أراد معيرة الأمازيغية حقاً، عليه أن يُقر بتنوع الأمازيغية، أن يحترم كل الألسن الأمازيغية ويقترح في مرحلة أولى مَعيرتها "جهوياً"، لأنها المقاربة الوحيدة الممكنة والصالحة. الألسن الأمازيغية الثلاثة شقيقات حقاً، ولكن هذا لا ينفي بأن كل لسان مستقل بذاته عن اللسانين الآخريْن.
أمازيغية الريف لها متكلموها ومُعجَمُها وقواعدُها وتصريفُها ونطقُها وخاصياتُها الثقافية المحلية. والأهم من ذلك أنّ هؤلاء راضون وفخورون بريفيتهم، ولم يُكلفوا أحداً أبداً بتجميلها أو "تطهيرها". وعليه، لا يجوز لأي أمازيغي، سوسياً كان أو أطلسياً أو حتى ريفياً، بمفرده أو في جماعة، أو بتفويض مِن أحد، أو بتواطؤ من زمرة "لغويين" محسوبين على الريف، أن يتحدث في أمازيغية الريف باسم أمازيغ المنطقة، أو يتدخل باسمهم في خصوصيتها، أو يُدخل أيّ تغيير عليها من وراء ظهورهم، أو يتخذ أي قرار في مصيرها بعيداً عن مصيرهم.
وفي ظل المناورات الجارية لتسريع إجراءات ترسيم الإركامية، حتى تحُل مَحل الريفية (والأطلسية)، لا أتوقع أن يستمر أمازيغ الريف في السكوت إزاء محاولة الإركام السافرة لطمس إرث أجدادهم، ببتر لسانهم الريفي واستبداله بلسان سوسي، باسم الأمازيغية الشمولية وبوَحْي مِن أمثال شارلْ دُو فوكو وأندْريه باصي. هيهات أنْ ينال الإركاميُّون من الأمازيغية الريفية، حتى وإن استنزلوا بطرقهم المعروفة كل ألوان القوانين التنظيمية الممكنة؛ وذلك لسببٍ بسيطٍ: اللغة يَضعها ويُطورها الناطقون بها، ولم يسبق أنْ شهدت البشرية، في الظروف العادية، وأدَ لغةٍ لكي تنفردَ شقيقةٌ لها بالحياة وينعمَ الوائدون بالهيمنة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.