حريق مهول يأتي على محلات تجارية ل"قبة السوق" التاريخي بتازة    الممرضون يعلنون عودتهم إلى الاحتجاج وتنظيم وقفات جهوية ووطنية    الأمير مولاي رشيد يترأس حفل عشاء بمناسبة افتتاح المهرجان الدولي للفيلم بمراكش        برشلونة يهزم ديبورتيفو ألافيس وينفرد بصدارة الليغا    المديرية العامة للأمن الوطني تعلن ترقية مفوضية تيكيوين وتعزيز إمكانياتها    أخنوش: الطفرة الصناعية بجهة الرباط سلا القنيطرة تفتح آفاق واسعة للتشغيل بمختلف مدن الجهة    تكريم حار للنجمة الأمريكية جودي فوستر في المهرجان الدولي للفيلم بمراكش    توقيف الناشطة التونسية شيماء عيسى خلال احتجاج ضد قمع الحريات    مانشستر سيتي يفوز على ضيفه ليدز يونايتد (3-2)    وصول رئيس غينيا بيساو للكونغو    كراكاس تندد بتهديدات الرئيس الأمريكي    العقارب تسافر: من تونس إلى قصور الأندلس    السعدي يهاجم "البيجيدي": المغرب تجاوز عقداً من العدمية والصراعات العقيمة    افتتاح مهرجان ازمأرت 2025    الفنان مولاي عبد الله اليعقوبي... شاعر اللون يفتتح مهرجان خريبكة الدولي الوثائقي مع توقيع إصدارات    حجز دراجتين مائيتين يشتبه في استعمالهما للتهريب بشاطئ الغابة الدبلوماسية بطنجة    عموتة يرشح المغرب لنيل كأس العرب        بنك المغرب يرصد تحسنا في قروض الاستهلاك الموجهة للأسر    وزير الفلاحة الإسباني: الاعتراض على وسم المنتجات الفلاحية القادمة من الصحراء "حملة سياسية"    بنك المغرب: ارتفاع القروض البنكية الموجهة للقطاع غير المالي ب 3,6 في المائة في أكتوبر    امغار يدق ناقوس الخطر تأخر تفعيل المحميات البحرية بالحسيمة والساحل المتوسطي            كلميم-وادنون : إحداث 609 مقاولة مع متم شتنبر الماضي    أمطار وثلوج مرتقبة بمناطق مغربية    حكام المهرجان الدولي للفيلم بمراكش يناقشون جرأة البداية وتطور التكنولوجيا    تحذير من أمطار قوية وثلوج مرتقبة بعدد من مناطق المملكة    انقلاب شاحنة واحتراقها على الطريق الوطنية رقم 2 بين الحسيمة وشفشاون    بعد مقتل جندية.. أمريكا تعلق القرارات المتعلقة باللجوء        انتعاش مرتقب في حركة النقل الجوي بمطار طنجة خلال كأس أمم إفريقيا    الصين: قنصلية متنقلة لفائدة المغاربة المقيمين بشنغهاي    مجموعة "البيجيدي" النيابية: العقوبات الواردة في مشاريع قوانين الانتخابات تهدد حرية التعبير    رضا التكناوتي يستغرب إنذاره أمام الأهلي ويؤكد: جمهور الجيش الملكي سندي منذ اليوم الأول    زواج رئيس الوزراء يخطف الأنظار في أستراليا    للا مريم تترأس بالرباط حفل تدشين البازار التضامني الخيري للنادي الدبلوماسي    نشرة إنذارية: تساقطات ثلجية وأمطار قوية بعدد من أقاليم المملكة    المغرب يحتفي باليوم الوطني للأرشيف    الصين.. 604 ملايير دولار قيمة التجارة الخارجية من البضائع والخدمات في أكتوبر    مراكش : انخفاض الرقم الاستدلالي للأثمان عند الاستهلاك    مبادرة فتح قنصلية موريتانية في العيون تضع نواكشوط أمام اختبار جديد    لابورتا: ريال مدريد مذعور من برشلونة والحكام يفضلونهم دائما    سانتوس: "لعبنا ضد فريق كبير وقدمنا مستوى جيد رغم التعادل"    هونغ كونغ في حداد بعد أسوأ حريق في التاريخ الحديث للمدينة    أخنوش: بلادنا حققت تراكما نوعيا جعلها مثالا في مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب    المودن: السياسة مستقلة عن المعرفة الأكاديمية.. والترجمة إلى العربية "رائدة"    تحديد فترة التسجيل الإلكتروني لموسم حج 1448ه    منظمة الصحة العالمية تدعو لتوفير علاج العقم بتكلفة معقولة ضمن أنظمة الصحة الوطنية    منظمة الصحة العالمية تنشر للمرة الأولى توجيهات لمكافحة العقم    المغرب .. 400 وفاة و990 إصابة جديدة بالسيدا سنويا    الأوقاف تكشف عن آجال التسجيل الإلكتروني لموسم الحج 1448ه    موسم حج 1448ه.. تحديد فترة التسجيل الإلكتروني من 8 إلى 19 دجنبر 2025    موسم حج 1448ه... تحديد فترة التسجيل الإلكتروني من 8 إلى 19 دجنبر 2025    بعد ‬تفشيها ‬في ‬إثيوبيا.. ‬حمى ‬ماربورغ ‬تثير ‬مخاوف ‬المغاربة..‬    علماء يكتشفون طريقة وقائية لإبطاء فقدان البصر المرتبط بالعمر    إصدار جديد من سلسلة تراث فجيج    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الراحل محمد بنشريفة .. عميد الأدب الأندلسي رَبط المغرب بالمشرق
نشر في هسبريس يوم 15 - 08 - 2020

مِن جهود إبراز الأكاديميّ محمد بنشريفة أوجه التكامل بين المغرب والمشرق في تاريخ الحضارة العربية الإسلامية، وعنايته بالأدب الأندلسي، وصولا إلى تصويبه النّظر في حياة ابن رشد الحفيد ومنجزه، تفصّل دراسة خطّها عبد الحميد مدكور، الأمين العام لمجمّع اللغة العربية بالقاهرة الأمين العام لاتحاد المجامع اللغوية العلمية العربية، (تفصّل) في مسار عميد الأدب الأندلسي الفقيد محمد بنشريفة، وخلق الاعتراف وأخلاقيّات البحث العلميّ الحاضرِة في إرثه.
خدمة للثقافة العربية الإسلامية
ترى دراسة عبد الحميد مدكور أنّ محمدا بنشريفة "يمثل نموذجًا رفيعًا لعالِم وَهَب حياته خالصة للوفاء برسالة جليلة في خدمة الثقافة العربية الإسلامية في مجالاتها المختلفة: دَرْسًا وتأليفًا وتحقيقًا، وارتيادًا لآفاق غير مطروقة، بصبر جميل ونَفَس طويل، وجُهْد موصول وعطاء علمي ثَرٍّ متدفق، دون كلل ولا ملل".
وتذكر الدراسة أن بنشريفة قد تبوَّأ بين الدّارِسين مكانًا عَلِيًا "يستشعره كل من اتصل بتراثه وإنتاجه العلمي الرصين الذي يتَّسم بالعمق والأصالة والتنوُّع والجِدَّة، والحفْرِ المعرفي، والمنهجية الصارمة، والروح النقدية والالتزام بأخلاقيات البحث العلمي التي تستلزم الإحاطة والتوثيق، والموضوعية في التناول، والعدالة في الحكم، والبراءة من العصبية والتعصب، ومن الخضوع للهوى في العَرْض والمناقشة والتعليق والنقد."
ومن بين جوانب المنجز العلمي لبنشريفة، التي تسلّط الدّراسة الضّوء عليها: "توثيق الصلة بين الثقافة المشرقية والثقافة المغربية، بوصفهما جناحين للثقافة العربية الإسلامية في شمولها وعمومها"، وتأكيده أنّه "لا يحق لطرف من أطرافها أن يظن أنه هو، وحده، الذي أقام بنيانها، ورفع أعلامها، وأسهم في إعلاء شأنها، متجاهلًا ما قدمه الطرف الآخر لها؛ لأن ذلك نوع من العصبية أو الاستعلاء الذي لا يتفق مع الواقع التاريخي، ولا مع الإسهام العلميّ الذي يؤكّده هذا الواقع ويشهد له."
وتقول الدراسة إنّ المعارف كلها عندما وصلت إلى مغرب العالم الإسلامي "تلقفتْها عقول حيَّة لم تكتف بقراءة هذا الوافد إليها، بل إنها أضافت إليه جديدًا في اللغة والأدب، والفكر والفلسفة، والفن والشعر، والفقه والكلام"، مقدّمة مثالا بنشأة الفقه الظاهري في المشرق على يد داود الظاهري، ثم ما وجده في ابن حزم "أقوى معبِّر عنه وأكبر واضع لقواعده، ومحدِّد لأصوله في الفقه والعقيدة، وأكبر منافح عنه، حتى كاد يُنْسى واضعه الأصلي".
ومن بين الأمثلة التي يوردها المصدر ذاته "الشعر العربي ببحوره وأوزانه وقواعد عروضه التي حددها الخليل بن أحمد"، ثم قول "مقدم بن معافى المقبرى الضرير، الذي توفى قبل سنة 300ه، شعرًا على نظام جديد للقوافي والأوزان، ونسق جديد، فيظهر فنُّ الزجل والموشحة"، المختلِفان اختلافًا ظاهرًا عن نظام القصيدة العربية التقليدية.
كما تذكر الدراسة أنّ الفلسفة الإسلامية قد ظهرت في المشرق على يد الكندى والفارابى وابن سينا، "ثم نقدها الغزالي في كتابه: تهافت الفلاسفة، فتصدَّى له ابن باجة وابن رشد في مؤلفاتهما، ولا سيما كتاب: تهافت التهافت الذي كتبه ابن رشد"، دون أن يجد هذا الأخير "حرجًا، مع ذلك، في أن يختصر "المستصفى" للغزالي، وأن يضيف إليه إضافات علمية تكشف عن فكره وشخصيته العلمية المستقلة".
وتستحضر الدراسة بتفصيل توافد العلماء من المشرق على المغرب، ومن المغرب على المشرق "دون أن تصدُّهم حدود، ولا تقيدهم قيود، ودون أن يستشعروا غربة ولا وحشة؛ بل كأنهم انتقلوا من موطنٍ في بلد واحد إلى موطن آخر في البلد نفسه".
وتسجّل دراسة الأمين العامّ لمجمّع اللغة العربية بالقاهرة أنّ بنشريفة قد كان "ابنًا وفيًّا لهذه الثقافة التي أنتجتها قرون من التواصل العلمي، وكان حريصًا على تأكيد هذه الصلة الوثيقة بين جنباتها"، وتضيف: "لم يكن هذا، عنده، شعورًا رومانسيًّا حالمًا، بل تمثل في جهد دائب، بل جهاد علمي متواصل لتأكيد هذه الرابطة"، وهو ما "تجلَّى في عدد من أعماله".
وتقف هذه الدراسة عند جهود الفقيد بنشريفة في إبراز موضوع التواصل بين جناحي الثقافة العربية الإسلامية في مشرق العالم الإسلامي ومغربه، والجهد الكبير الذي بذله في البحث والاستقصاء، وتوثيق النصوص وتحريرها، وبيان المصادر الأخرى التي يمكن الرجوع إليها لاستيفاء بعض المعلومات عن أصحابها، وكشفه الغموض الذي كان يكتنف بعض الأعلام، وتقديمه معلومات وأشعارا لا تكاد توجد إلا "في هذه المصادر التي أجاد تقديمها".
كما تتطرّق الدراسة إلى جهود بنشريفة في البحث عن الشروح الأندلسية أو المغربية لبعض دواوين الشعر المشرقية كشعر أبي تمام وأبي الطيب المتنبي وأبي العلاء المعرِّي، وبرهنته في بعض ما كتب على "العناية والاهتمام اللّذَين حظي بهما شعر المتنبي في المغرب والأندلس".
وتبسط الدراسة جوانب سعي عميد الأدب الأندلسيّ إلى بيان التواصل الثقافي العلميّ بين المغرب والمشرق، قصدَ "تثبيت الروابط المتينة" بينهما، في سعي ينطلق مِن "سماحة فكرية، ونبذ للعصبية التي تتّجه وجهة الاستعلاء من طرفٍ على طرف أو من فريق على فريق"، علما أنّ التّنافس الإيجابي القائم على التكامل الذي يؤسّس الفكر ويرتقي بالعلم وتتحقّق به الرّوح الجامعة المستعلية على المناجزة والعصبية، هو الذي "شيدَت به الحضارة الإسلامية صرحها الشّامخ، واتخذت-به-مكانتها الرفيعة في تاريخ الحضارة الإنسانية".
عناية بالأندلس
تسجّل الدراسة أنّ مِن الموضوعات الأثيرة التي استحوذت على اهتمام محمد بنشريفة، وأخذت جانبًا كبيرًا من نشاطه وجهوده العلمية: "العناية بالأندلس"، التي كان "دائم التنقيب في تاريخها العلمي والفكري، حريصًا على كشف بعض ما كان مجهولًا منه، ملقيًا الضوء على بعض شخصياته ورموزه الفكرية، وعلى بعض الظواهر والإبداعات الثقافية التي ظهرت به".
وتزيد الدراسة: "كان، كالعهد به، مهتمًّا بإبراز العلاقات الوثيقة بين المغرب الإسلامي والأندلس". وظهرت في هذا المجال مقالات ودراسات عن شخصيات وأعلام وأُسَر ذات مكانة علمية عالية، "ولو أن الأعمال العلمية اقتصرت على هذا الجانب وحده، لكان هذا إسهامًا عظيمًا في المجال العلمي، ولجعَل له موقعًا لا يمكن إغفاله في الدراسات الأندلسية والعلاقات بين الأندلس والمغرب".
وتؤكّد الدراسة أنّ دراسات بنشريفة على أهميتها وتنوعها وقيمتها "لا تمثِّل إلا جانبًا واحدًا من جوانب إسهاماته العلمية الكثيرة المتنوعة التي قام بها؛ لأنه امتلك هذه النفس الكبيرة، وهذا العقل الغنِيّ المتوقد الذي نهض بهذه الأعباء الثّقال."
وتستحضر الدراسة حرص بنشريفة على تأكيد "التواصل الوثيق الذي لا يصح فصمه بين المغرب والأندلس، مثلما ظلّ حريصًا على الاتصال والتكامل بين المشرق والمغرب"، حيث كتب: "وجمعتُ بين العدوتين؛ لأني وجدتهما في هذا المجال لا ينفصلان".
كما تشيد الدراسة بالأخلاق العلمية للأكاديميّ بنشريفة الذي "لا يدفعه الاعتزاز بعمله، وله الحق كل الحق في الاعتزاز به، أن يغمط جهود السابقين"؛ بل يقول: "وإنّي لأعترف أن ما قمت به في مجال الأزجال المغربية ليس سوى إضافة صغيرة للأعمال الكبيرة التي قام بها المعنيون بهذا الموضوع، ومنهم الأستاذ المرحوم محمد الفاسي والأخ الزميل الأستاذ عباس الجراري وغيرهما، كما أنني أرجو أن يكون هذا العمل المتواضع، في عمومه، مساهمة في تجميع تراثنا الشعبي على اختلاف أنواعه، وبداية لضبطه وتوثيقه، ومقدمة لدراسته وتحليله، ومحاولة تأريخِه".
بنشريفة وابن رشد
تقف دراسة عبد الحميد مدكور عند الكتاب الذي خصصه الفقيد محمد بنشريفة لابن رشد بعنوان: "ابن رشد الحفيد: سيرة وثائقية"، وتقول: "لقد ضمّ بين دفّتيه نصوصًا متعددة، ومواد مختلفة تنفع في كتابة سيرة مفصلة وموثقة له، (...) وكعادة بنشريفة التي لا تكاد تفارقه؛ لأصالتها في نفسه وأخلاقه، وصَف عمله في أول الكتاب وفي آخره بأنه إسهام متواضع، مع شعوره بقيمة عمله الذي قدَّم فيه نصوصًا ومواد جديدة، وتفسيرات غير مسبوقة لهذه النصوص سيكون من شأنها أن تزيد الدارسين معرفة بابن رشد."
ومن بين ما تتطرّق إليه الدراسة تدقيق محمد بنشريفة وأمانته في تحديد علاقة ابن رشد بالقضاء، اللتين جعلتَاه "يصحح أخطاء بعض المؤرخين"، بالقول إنّ "الواقع أن منصب قاضي الجماعة أو قاضي القضاة أصبح في عهد الموحّدين يطلق على من يكون في مراكش، ولم يكن أبو الوليد ممن تولوا هذا المنصب".
ويزيد المصدر ذاته: "من المسائل المهمة التي عُنِي بنشريفة بإبرازِها مسألة تتعلق بالتكوين العلمي، أو فلنقل بالتكوين الاعتقادي في فكر ابن رشد، وهو يكشف فيها عن رافد غير معلوم أو غير مشهور من روافد فكره، وهو المتصل بفكر دولة الموحدين الذين ورثوا دولة المرابطين، الذين عمل جده ووالده في عهدهم، وكان هو، كما يقول بنشريفة، أحوج من غيره إلى الانخراط في نظامهم بعد وصوله إلى قرطبة، وتذكر بعض المصادر أنه (...) كتب رسالة في هذا الشأن لكن هذه الرسالة لم تصل إلينا، ويقال إنه تحدث فيها عن كيفية دخوله في الأمر العزيز، وتَعَلُّمِه فيه ما فُصِّل فيه من علم المهدى ابن تومرت ثم إنه قام بشرح العقيدة، الذي سُمِّي في الذيل والتكملة شرح الحمرانية، نسبة إلى حمران مولى عثمان بن عفان".
ويتحدّث عبد الحميد مدكور عن الرّبط الدّقيق الذي يكشف به الفقيد عن "بعض الروافد المنهجية التي تأثر بها ابن رشد وأصبحت من دعائم موقفه مما يسمى بالمتشابهات، ثم كانت أساسًا لانتقاد دعاة التأويل، سواء أكانوا من الخوارج أم من المعتزلة أم من الأشاعرة، وبصفة خاصة مِن الإمام أبي حامد الغزالي أم من الصوفي".
وتضيف الدراسة: "لعل أهم الهدايا العلمية التي قدمها الأستاذ بنشريفة للباحثين في الفلسفة وغيرها هو ما خصصه من صفحات تعدُّ بالعشرات عن أهم الأحداث التي وقعت لابن رشد، وهي الخاصة بالمحنة التي أصابته في أواخر عمره، بعد أن تولى القضاء في إشبيلية وقرطبة، وبعد أن شرح كتب أرسطو بأمر من الخليفة المنصور بتوسط ابن طفيل، وبعد أن كتب رسائله وكتبه في الطب، وفي الأدب والشعر والبلاغة، لكن الأمر انتهى به إلى أن يُتَّهَم في دينه، وأن يوصف بالمروق من الدين، ومخالفة عقائد المؤمنين، وأن يُحْكَم بنفيه إلى أليسانة وحرق مكتبته، وأن تعم المحنة أصحابه وتلاميذه (...) لكن الله لطف بهم جميعًا، وأرسل الخليفة المنصور يستدعي أبا الوليد من الأندلس إلى مراكش للإحسان إليه والعفو عنه."
ويتتبّع المصدر ذاته استعراض بنشريفة لأسباب المحنة في كتابات المؤرخين سببًا سببًا، ومناقشته لكل منها مُبْديًا رأيه فيه، ويذكر أنّ من تعليقاته عليها أن "الدارسين، ولا سيما المحدثين، قد بالغوا في الكلام على هذه المحنة ولم يتبينوا طبيعتها، وحسبوها من قبيل ما وقع لبعض رجال العلم والفكر في أوروبا خلال قرونها الوسطى مع أنها ليست كذلك."
ويخلص بنشريفة، وفق قراءة مدكور، إلى أن أسباب محنة ابن رشد متعددة، ف"بعضها اجتماعي ونفسيّ يرجع إلى التنافس بين الأفراد والأسر، وبعضها دينيّ يتعلق بالاختلاف المذهبي الفقهي والاعتقادي، وبعضها الأخير سياسي"، ويزيد: "قد كان نقده لبعض الأوضاع السياسية في عصره وما ورد من تعقيباته على نظام الحكم في الأندلس سببًا في ذلك."
وتستحضر الدراسة حديث بنشريفة عن كون ترجمة ابن رشد لكتاب جمهورية أفلاطون "كانت ذات صلة بهذا الأمر"، دون أن يفصّل في هذا؛ لأن الأصل العربي لهذا الكتاب قد ضاع، وإن كانت قد بقيت ترجمته العبرية التي تُرجِمَ عنها إلى الإنجليزية والإسبانية. ثم يضيف الدّارِس: "وقد صدق حدسه أن في الكتاب تعقيبات ومقارنات تنال من الحكم في عصره. وكان من حسن الحظ أن الدكتور أحمد شحلان ترجم هذا النص المكتوب بحروف عبرية، وأعاده إلى أصله العربي، ونشره."
ومن بين ما تتناوله الدراسة موافقة ابن رشد على حديث أفلاطون عن أنواع المدن، ومنها "المدينة الجماعية التي قال إنها يمكن أن تتحول إلى مدينة التسلط، وإن مثل ذلك قد وقع في زماننا: "فإنها كثيرًا ما تؤول إلى التسلط، مثال ذلك: الرئاسات التي قامت في أرضنا هذه، أعني قرطبة بعد الخمسمائة ... وهذا شيء بيِّن في أهل زماننا، هذا ليس بالقول فحسب، ولكن أيضًا بالحس والمشاهد"، وهي عبارات تدل بعضها عن أنه كان يعاصر أحوالًا من اضطراب الوقت، ومن الكرب، وأنه كان بمنزلة إنسان وقع بين وحوش ضارية. كما تدل هذه الشواهد على أن هذا الكتاب قد كتب في المرحلة التي سبقت محاكمته ومحنته أو نكبته".
ويزيد الدّارس: لقد كان "لسعة اطّلاع العالِم بنشريفة ودرايته بالتراث العربي، مطبوعًا ومخطوطًا، مع حضور الملكة النقدية لديه، أثر واضح في عدم الوقوع في أسْرِ الاستنتاجات المتعجلة، أو التي لا تقوم على ركائز علمية صحيحة، ولذلك كان له موقف من بعض الأخبار أو الأحكام التي أطلقها بعض المستشرقين في دراستهم لابن رشد."
ومن بين الأمثلة التي يوردها الدّارس على ذلك؛ استدراكات بنشريفة على ما ذكره بعض المفهرسين من المستعربين الذين نسبوا إلى ابن رشد مجموعة أشعار مرتبة حسب الحروف الهجائية، دون أن تكون هذه النسبة صحيحة، واستدراكاته على المستشرق الفرنسي إرنست رينان، الذي كان كتابه عن ابن رشد والرشدية فاتحة التأليف في العصر الحديث عن ابن رشد، في آراء من بينها قول رينان إنّ ابن رشد لم يترك أثرًا في مواطنيه، وإنه جُهل من قِبَل أبناء دينه تمامًا، فعلق على هذا الفقيد قائلا إنّه "حُكْم يحتاج إلى مراجعة"، بعدما تتبع سير تلاميذ ابن رشد الذين انتسبوا إليه، أو سمعوا منه أو نقلوا عنه أو ناصروه في محنته وعملوا على نشر فكره وكتبه، وقد بلغ عددهم خمسة وثلاثين تلميذًا استخلص سيرهم من المصادر التاريخية.
ومن بين تصويبات بنشريفة لبعض الاستنتاجات المتعجّلة، ما تورده الدّراسة حول "مخطوطات كتب ابن رشد التي بقيت بعده"، وبرهنتها على أن "ما قيل عن إحراق كتب ابن رشد ومؤلفاته لم يكن صحيحًا، أو أنه لا يؤخذ على عمومه"، مستدلّا على ذلك "بما هو موجود فعلًا من نسخ خطِّية لكتب ابن رشد في عدد من المكتبات في الشرق والغرب، وبعضها يرقى إلى عصر ابن رشد أو يقرب من عصره."
ويكتب مدكور أنّه مع محبة بنشريفة الشديدة لابن رشد "لم يخْلُ الأمر من بعض الانتقادات اليسيرة التي وجهها إليه، على نحو ما فعل معه في حديثه عن بغضه لبعض مكونات المجتمع المغاربي والأندلسي في عصره"، ثم يزيد: "وقد سلك إلى إنصافه كل سبيل، ودرس جوانب من ثقافته وتأثيره في العلوم العربية قد لا يتنبه لها الدارسون، كما ظهر ذلك في حديثه عن الجانب الأدبي من معارفه، واستظهاره لكثير من الأشعار التي تنتسب إلى شعر ما قبل الإسلام، وإلى الشعر في صدر الإسلام وفي الشعر العباسي، وما كان لذلك من أثر في الحركة النقدية والبلاغية."


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.