زيارة رئيس مجلس الشيوخ التشيلي إلى العيون تجسد دعماً برلمانياً متجدداً للوحدة الترابية للمغرب    مطالب لتدخل السلطات لمحاصرة وجود "كنائس عشوائية" في المغرب    دي ميستورا يصل إلى العيون في توقف اضطراري قبل زيارة تندوف    كواليس مؤتمر "البيجيدي" المرتقب.. بنكيران يتصدر السباق نحو ولاية ثانية والعثماني يواجه تحدي توضيح موقفه من "التطبيع"    وزيرة الانتقال الرقمي تكشف ملامح نسخة 2025 من "جيتيكس أفريقيا" بالمغرب    منتخب "الفوتسال" يرتقي في تصنيف "الفيفا"    صانع الألعاب الأسطوري دي بروين يطوي صفحة مانشستر سيتي بعد 10 أعوام    أكادير.. توقيف أربعيني هاجم مقهى بسلاح أبيض وأصاب مستخدما بجروح خطيرة    توقعات بتساقط أمطار وزخات رعدية    برلماني "البام" بلمير يكشف حيثيات بيع "فيلا كاليفورنيا" ودور لطيفة رأفت    الصين ترد بقوة على الرسوم الجمركية الأميركية الجديدة    مونديال 2030 : إسبانيا على صفيح ساخن والمغرب يستثمر في الصمت الذكي    الرباط: انطلاق اللحاق الوطني ال20 للسيارات الخاص بالسلك الدبلوماسي    برلين: بمبادرة من المغرب..الإعلان عن إحداث شبكة إفريقية للإدماج الاجتماعي والتضامن والإعاقة    العقوبات البديلة في القانون الجديد تشمل العمل للمنفعة العامة والمراقبة الإلكترونية والتدابير التأهيلية والغرامة اليومية    المغرب الرياضي الفاسي يعلن استقالة مديره الرياضي    مدن مغربية تستجيب للنفير الشعبي الجمعة والأحد نصرة لغزة ورفضا للتطبيع    الكيحل يشدد أمام منتدى مستقبل البحر الأبيض المتوسط على أهمية العمل المشترك بين المنظمات البرلمانية    تسجيل رقم قياسي في صيد الأخطبوط قيمته 644 مليون درهم    الصفريوي وبنجلون يتصدران أثرياء المغرب وأخنوش يتراجع إلى المرتبة الثالثة (فوربس)    تعليق الملاحة البحرية بميناء العرائش بسبب سوء الأحوال الجوية    أسواق المال العالمية تواصل خسائرها غداة إعلان ترامب الرسوم الجمركية    مقاطعة السواني تنظم مسابقة رمضانية في حفظ وتجويد القرآن الكريم    طنجة.. تحذيرات لمهنيي الصيد من خطر حاويتين منجرفتين بسواحل المدينة    أمين الراضي يقدم عرضه الكوميدي بالدار البيضاء    مقتل قيادي في "حماس" وولديْه    عواصف وأعاصير عنيفة تخلف سبعة قتلى في الولايات المتحدة    نبيل باها يتحسر على ضياع الفوز أمام زامبيا    الأسواق العالمية تتكبد خسائر كبيرة نتيجة إقرار ترامب رسومًا جمركية    30 قتيلاً في غزة إثر ضربة إسرائيلية    بعد إدانتها بالسجن.. ترامب يدعم زعيمة اليمين المتطرف الفرنسي مارين لوبان    أسعار صرف أهم العملات الأجنبية اليوم الجمعة    حين تُنهب المليارات باسم دعم اللحوم    النسخة 39 لجائزة الحسن الثاني الكبرى للتنس: تأهل الإيطالي بيلوشي والهولندي غريكسبور لدور الربع وإقصاء الإيطالي سونيغو    بورصة الدار البيضاء تستهل تداولاتها على وقع الارتفاع    السياسي الفرنسي روبرت مينار يصف النظام الجزائري بالفاسد واللصوصي    بنعلي تجري مباحثات مع وفد فرنسي رفيع المستوى من جهة نورماندي    بشرى حجيج رئيسة الكونفدرالية الإفريقية للكرة الطائرة تشرف على حفل افتتاح بطولة إفريقيا للأندية في أبوجا    النيابة العامة تقرر متابعة صاحب أغنية "نضرب الطاسة"    بوادر تحوّل في الموقف البريطاني تجاه الصحراء المغربية    الصين تطلق قمرا اصطناعيا جديدا    وزير خارجية فرنسا يجدد دعم بلاده لسيادة المغرب على الصحراء أمام البرلمان الفرنسي    تكريم المغرب في المؤتمر الأوروبي لطب الأشعة.. فخر لأفريقيا والعالم العربي    طنجة.. النيابة العامة تأمر بتقديم مغنٍ شعبي ظهر في فيديو يحرض القاصرين على شرب الخمر والرذيلة    إطلاق نسخة جديدة من Maroc.ma    الجسد في الثقافة الغربية -27- الدولة : إنسان اصطناعي في خدمة الإنسان الطبيعي    سفارة السلفادور بالمغرب تنظم أكبر معرض تشكيلي بإفريقيا في معهد ثيربانتيس بطنجة    دراسة: الفن الجماعي يعالج الاكتئاب والقلق لدى كبار السن        بين الحقيقة والواقع: ضبابية الفكر في مجتمعاتنا    دراسة: استخدام المضادات الحيوية في تربية المواشي قد يزيد بنسبة 3% خلال 20 عاما (دراسة)    خبراء الصحة ينفون وجود متحور جديد لفيروس "بوحمرون" في المغرب    بلجيكا تشدد إجراءات الوقاية بعد رصد سلالة حصبة مغربية ببروكسيل    العيد: بين الألم والأمل دعوة للسلام والتسامح    أجواء روحانية في صلاة العيد بالعيون    طواسينُ الخير    تعرف على كيفية أداء صلاة العيد ووقتها الشرعي حسب الهدي النبوي    الكسوف الجزئي يحجب أشعة الشمس بنسبة تقل عن 18% في المغرب    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



بِدْعَةُ "الجهات العليا"
نشر في هسبريس يوم 09 - 02 - 2012

منذ سنوات لا يكاد الخطاب السياسي والمعارض تحديدا يخلو من شجب التحكم في تدبير شؤون البلاد العامة من قِبل ما يصطلح عليه مغربيا بحكومة الظل أو الجهات العليا، والتي تستمد قوة قراراتها التعليمات من انتمائها لمحيط القصر. والأمثلة أكثر من أن تحصى، ومنها في عهد الحكومة الجديدة: تناقلت وسائل الإعلام أن جهات عليا أوعزت للوزير المنتدب الضريس لدى وزير الداخلية التوجه على جناح السرعة لمدينة تازة قصد ترتيب الأمور وإعداد التقارير قبيل وصول وزير الداخلية. ومن أطرفها ما صرح به مؤخرا الناخب الوطني لكرة القدم معتبرا أن بقاءه على رأس الطاقم التقني للمنتخب المغربي بيد جهات نافذة في البلد، وليس بيد جامعة كرة القدم. أما الثالثة فما تضمنه تصريح وزير العدل والحريات في لقاء جمعه بممثلي الصحافة الوطنية موضحا أن أسباب استثناء رشيد نيني من العفو الملكي الأخير تعود لكونه نيني أساء إلى مسؤولين وإلى مؤسسات الدولة. والسؤال ما موقع هؤلاء المسؤولين أمام أمن البلد واستقراره الذي بتهديده توبع الشيوخ الذين تم العفو عنهم. أليسوا هم الجهات العليا؟
كثيرة هي الخرجات الخطابية التي ندد فيها الأستاذ عبد الإله بن كيران خلال الحراك الشعبي بمن اعتبرهم رموز الفساد، ولم يتردد في أحيان كثيرة من تسميتهم داعيا الملك للتخلص منهم حتى لا يعرقلوا بتدخلاتهم عمل المؤسسات. وإذا كانت هذه الجهات العليا لا محل لها في الدستور الذي سخرت حكومة بن كيران نفسها لتنزيله ضمانا لتفعيل الحكامة والشفافية والمحاسبة قطعا لدابر الفساد والريع بنوعيه السياسي والاقتصادي وتحقيق معادلة ربط المسؤولية بالمحاسبة، فإن الواقع يؤكد أن هذه الجهات العليا ما زالت تتدخل بالتوجيه المباشر في تدبير مختلف الملفات والقضايا، وهو ما يرقى دليلا على محدودية الصلاحيات الممنوحة للحكومة. أما ما يتم تسويقه من قبيل رفع يد القصر يده على ملف الشؤون الخارجية وتعيين مسؤولين لتسيير مؤسسات حيوية باقتراح من رئيس الحكومة وإطلاق سراح بعض المعتقلين المحسوبين على تيار ما يعرف بالسلفية الجهادية أو اليسار فلا يعدو جرعة منشطات لا تقع الحكومة وتتعثر قبل الانطلاق أصلا، ليس حبا في سواد عيون إسلاميي الحكومة، بل لأن مصلحة النظام اقتضت التعامل معهم لحساسية المرحلة وبلوغ الاحتقان الاجتماعي درجة غير مسبوقة، ازدادت خطورة بالتحولات الإقليمية وتهاوي أنظمة الاستبداد في أكثر من بلد.
الحكومة اليوم في أسابيعها الأولى لمباشرة الشأن العام للبلاد، وستكشف الأيام مدى عجزها في معالجة الملفات وذات الطابع الاجتماعي خاصة حتى لا يصب ريعها الشعبي في رصيد الحكومة؛ وأول غيث هذا العجز تبني مقاربة أمنية صرفة لمعالجة المطالب الاجتماعية لساكنة مدينة تازة، بل تناغُم تصريحها مبنىً ومعنى ونبرة وأداء مع تصريحات الحكومات السابقة.
أما عن رفع القصر يده على ملف الشؤون الخارجية وتحديدا ملف الصحراء، فليس مؤشرا على تفعيل الدستور وتمكين الحكومة الجديدة من صلاحياتها التنفيذية بقدر ما هو تخلص من ملف شائك روكمت فيه إخفاقات كبيرة ارتقت بها جبهة البوليساريو إلى مخاطب مباشر من قبل المنتظم الدولي وحوصر بها المغرب إفريقيا. وتجدر الإشارة إلى المعيار الانتقائي الذي تحدد به أجندة وزارة الخارجية والتعاون، ففي الوقت الذي وقع فيه الاختيار على الوزير المنتدب في الخارجية العمراني لتمثيل المغرب في مجلس الأمن لعرض المبادرة العربية، طار وزير الخارجية والتعاون الدكتور سعد الدين العثماني إلى إثيوبيا لحضور أشغال الاتحاد الإفريقي. قد يقول قائل: إن الأولوية للحضور الإفريقي استرجاعا لهيبة ضيعها سوء تدبير ملف الوحدة الترابية منذ ثمانينيات القرن الماضي، غير أن الإشعاع المغربي عالميا من مجلس الأمن حيث توافد إلى مجلس الأمن وزراء خارجية الدول الكبرى بما فيها الولايات المتحدة كان سيعطي إشعاعا نوعيا في شخص الدكتور سعد الدين العثماني عوض الصورة الكارثية التي قدمها السيد العمراني وهو لا يكاد يُبين في قراءة نص قرار مكتوب. إنه التعامل الانتقائي الذكي للحيلولة دون تسويق صورة مشرقة عن رموز حزب اضطر النظام للتعامل معه.
وفيما يخص اقتراح رئيس الحكومة أسماء من يُقترحون لتسيير مؤسسات حيوية أو استراتيجية، فليس أمرا ذا قيمة كبيرة من جهتين: إن القانون المنظم للانتقاء يتحكم بالضمن إن لم نقل يكاد يكون على المقاس أحيانا كثيرة في الترشيحات من جهة، ثم إن العبرة ليست في الترشيح وإسناد المَهَمّة بل في الولاء، فهؤلاء الذين يتم تعيينهم في هذه المهام وفق هذه المسطرة المقبولة شكلا مدير الأمن العام الوطني نموذجا لمن يدينون بالولاء الوظيفي المهني؟ للوزير المنتدب بصفته المعني بالقطاع وتراتبيا بالمستشار الذي زكى الوزير المنتدب للاستوزار والمحيط الملكي عموما/الجهات العليا تحديدا أم لرئيس الحكومة الذي هو في حكم العابر بعد انتهاء ولايته. أضف إلى ذلك أن القصر احتفظ لنفسه بقطاعات غاية في الحيوية والحساسية 37مؤسسة من خلال استعمال ظهير التعيين في المجلس الوزاري؛ ومن أهم هذه المؤسسات الاستراتيجية: صندوق الإيداع والتدبير، وصندوق الحسن الثاني للتنمية الاقتصادية والاجتماعية والوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والخرائطية، والوكالة الوطنية لتقنين المواصلات، ووكالة المغرب العربي للأنباء، والوكالة الوطنية للموانئ، ووكالة تهيئة ضفتي أبي رقراق. ولا يخفى الخيط الرفيع الرابط بين هذه المؤسسات.
وعن إطلاق سراح بعض رموز ما يعرف بالسلفية الجهادية، والتي قدمت هدية للحكومة تعبئة لرصيدها الشعبي خوفا من فقدان شعبيتها قبل أن تؤدي المَهمة التي من أجلها جيء بها، لماذا اكتفى السيد وزير العدل والحريات بالتعبير عن ابتهاجه بمعانقة الشيوخ الثلاثة وغيرهم من المناضلين حريتهم ولم يعِدْ بما ردده كثيرا ولوح به الأستاذ بن كيران قبل أن يتحول رموز الفساد إلى حلفاء وشركاء غاية في الأدب واللطف على حد تعبيره في الاستجواب الأخير مع جريدة "الشرق الأوسط" أن ملف محاكمة المتابعين في أحداث 16ماي2003 الأليمة شابته خروقات جسيمة بل إن النظام على أعلى مستوى أشار إلى تلك الخروقات، فما المانع من إعادة فتح هذا الملف لإنصاف المظلومين ورد الاعتبار لهم ومتابعة مفتعلي ملف كلف المغرب كثيرا من استقراره؟ أم أن الأمر خارج عن صلاحياته؟
عجز سيتوالى انكشافه مع الأيام، وسيُنْذِر إسلاميو الحكومة للرحمن صوما في تدبير ملفات كانت بالأمس القريب تُعتبر واجهة فساد يستهدف ثوابت المجتمع وهويته والتي صنفها التصريح الحكومي أولية كبرى. ستقف الحكومة مكتوفة الأيدي وستبدع تبريرا غير مسبوق في التطبيع مع الهذر للمال العام واستهداف قيم الشعب مع مسابقات استوديو "دوزيم" لاكتشاف المواهب الغنائية، وستغض الطرف عن مهرجان "موازين" الذي سارع القائمون عليه للإعلان عن ضيفة شرف سهرته الختامية؛ إعلان ربما في شكل اختبار لصدق وجدية نوايا الحكومة وقائدها حزب المصباح الذي طالما أزبد وأرعد رفضا لتظاهرات ظاهرها فني وباطنها تمكين لثقافة التغريب ونشر الإباحية والخلاعة.
إن النظام السياسي وفي غياب إرادة الإصلاح اضطُرّ التفافا على مطالب الشعب الحقيقية للتعامل مع إسلاميين يقدمون أنفسهم معتدلين لا يمانعون في المشاركة التي دفعوا من أجلها كثيرا من رصيدهم الشعبي من جهة، ومن تماسك جبهتهم على مستوى الصفوف الأمامية للحزب من جهة ثانية تدل عليه التصريحات الإعلامية هنا وهناك. إن ما حدث في المغرب من خلال إسناد زمام السلطة لحزب إسلامي يصنف زواج متعة يقبل الفسخ من طرف النظام لأنه صاحب العِصمة بمجرد تنافي الأسباب بإشارة بسيطة لأحد مكونات الإئتلاف الحكومي الهش، والذي ما كان ليتم إلا بمباركته، وما كان حزب المصباح صاحب المرتبة الأولى انتخابيا لينجح في تشكيل الحكومة أصلا.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.