تقرير حقوقي: اعتقال زينب الخروبي يكشف التوتر بين نشاط الشابات في الفضاء الرقمي والقيود المفروضة على الحريات    إيداع الجداول التعديلية النهائية المتضمنة لقرارات اللجان الإدارية بمناسبة المراجعة السنوية للوائح الانتخابية العامة برسم 2026    أنفوغرافيك | موريتانيا تتصدر قائمة المستوردين..صادرات المغرب من الليمون 2024/2025    جبهة إنقاذ "سامير": المصفاة ركيزة أساسية لتعزيز الأمن الطاقي للمغرب    نسبة ملء السدود تتجاوز 70% .. ومخزون المياه يناهز 11.8 مليار متر مكعب    "بيت مال القدس" يعزز الرعاية الصحية    طهران مستعدة لتنازلات نووية بشروط    الوداد يحسم التأهل بثنائية أمام عزام    مهدي بن عطية: أقدم استقالتي ومصلحة أولمبيك مارسيليا فوق الجميع    كأس ال"كاف": الوداد الرياضي يتأهل إلى ربع النهائي متصردا المجموعة الثانية عقب فوزه على عزام التنزاني    عمالة المضيق-الفنيدق .. تأمين عودة المتضررين من الظروف المناخية الاستثنائية إلى إقليم العرائش    السفياني يقود تحركا استعجاليا لإنقاذ طرق شفشاون من آثار الانهيارات من بوابة الدعم المركزي    دبي تتوّج المغربية فوزية محمودي بلقب "صنّاع الأمل" وتكرّم مبادرات إنسانية    الدورة 12 من البطولة الاحترافية .. الرجاء يواصل نزيف النقاط وأولمبيك الدشيرة يفاجئ اتحاد طنجة    شركات كبرى لتجميد وتعليب الأسماك تدخل في مواجهة مع وزارة الصيد بسبب قرار تقييد تصدير السردين    أخبار الساحة    تسريبات صادمة من داخل الكاف تكشف أسرار نهائي كأس أمم إفريقيا        القصر الكبير .. بداية عودة المواطنين في ظروف آمنة بعد مرور الاضطرابات الجوية    توقعات أحوال الطقس ليوم غد الإثنين    جواز السفر المغربي يرتقي إلى المرتبة 62 عالميًا ويتيح دخول 72 دولة دون تأشيرة    مؤسسة الدوحة للأفلام تعلن عن قائمة خبراء قمرة 2026: فوزي بنسعيدي، غايل غارسيا برنال، أليس ديوب، دييغو لونا، غوستافو سانتاولالا    تقرير: 76% من المغاربة يرون أن التغير المناخي يجعل الحياة أسوأ.. و36% عدّلوا أنماط الزراعة والغذاء بسبب تقلبات الطقس    التعاضدية العامة لموظفي الإدارات العمومية تطلق مرحلة جديدة من الإصلاح    من سعيدة العلمي إلى زينب خروبي.. منظمة تستنكر التضييق على ناشطات بسبب الرأي وتطالب بسراحهن    تجديد المكتب النقابي الجهوي لأطر ومستخدمي مطار مراكش المنارة تحت لواء الاتحاد العام للشغالين بالمغرب    بعد رحلة دامت 34 ساعة.. طاقم "كرو-12" يصل إلى محطة الفضاء الدولية للقيام بعدة تجارب    أولمبيك آسفي يصنع التاريخ ويبلغ ربع نهائي كأس الكونفدرالية في أول مشاركة قارية    مختبر السرد والأشكال الثقافية ببني ملال يحتفي بالإصدار الجديد لعز الدين نزهي    غضب مغربي يدفع مارسيليا للتراجع    بينها المغرب.. الصين تلغي الرسوم الجمركية عن 53 بلدا إفريقيا    الغزاوي: ثلث مستفيدي "دعم سكن" من مغاربة العالم    الملك يهنئ رئيس صربيا بالعيد الوطني    إسبانيا.. المغرب ضيف شرف "القمة الرقمية 2026" بمدريد    فتح بحث قضائي في واقعة وفاة مريض داخل المستشفى الجامعي محمد السادس بأكادير    أوباما يرد على فيديو عنصري صوره في هيئة قرد وينتقد "السلوك الديكتاتوري" لإدارة الهجرة الأمريكية    نعيم الجنة …عذاب النار    مقتل 10 فلسطينيين بقصف إسرائيلي    بولس: مشاورات الصحراء مؤطرة أمميا    القصر الكبير تنهض من تحت الماء.. والفرح يخيم على العائدين من طنجة    الصين تنشر كوكبة من الأقمار الاصطناعية تحمل 10 نماذج للذكاء الاصطناعي    لقاء تواصلي للأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية مع مناضلي طنجة – أصيلة…..    رياح عاصفية قوية ترفع تحديات جديدة في منطقة ميسور    دراسة: تقييد استخدام الهواتف في المدارس لا يحسن الصحة النفسية للتلاميذ    زعامةُ الكَلمات    حجية السنة النبوية    انتفاضة قلم    إدريس الخوري: رحيلٌ في "عيد الحب" وسخرية القدر الوفية    الأسرة من التفكك إلى التماسك في رمضان    السينما المغربية تبحث عن شراكات جديدة في برلين    تحذيرات خبراء : "أطعمة تقتل الإنسان ببطء وتوجد في نظامنا الغذائي"    العرائش: عالم آثار ألماني يقود بعثة لإثبات فرضية "ميناء غارق" قبالة السواحل المغربية    هذا ما قالته مندوبية السجون حول محاصرة مياه الفيضانات لسجن طنجة 2    أبحاث أمريكية: النوم المتأخر يهدد صحة القلب    منظمة الصحة العالمية تدعو لتوسيع نطاق جراحات العيون للحد من حالات العمى الممكن تجنبها    قطاع البر والإحسان يتصدر منظومة الاقتصاد الإسلامي في ندوة البركة ال46    رمضان 2026: أين ستُسجل أطول وأقصر ساعات الصيام حول العالم؟    ظلمات ومثالب الحداثة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أشركي يقرأ ديباجة دستور 2011 .. صدمة نفسية و"رموز غائبة"
نشر في هسبريس يوم 19 - 02 - 2019

معنى أن يتضمن الدستور ديباجة؟ وما دلالة التغييرات الكمية والكيفية التي أدخلها المشرع الدستوري المغربي على ديباجة الدستور الحالي؟ وإلى أي حد ظلت في الدستور المغربي وفية لتقاليد الصياغة المتبعة في التجارب المقارنة؟ وماذا عن مضمونها المعياري والقانوني؟ وهل يكفي نص الدستور المغربي على أنها جزأ لا يتجزأ منه لحسم النقاش القديم الجديد حول طبيعتها القانونية؟ وكيف تعامل القاضي الدستوري المغربي معها، سواء في المرحلة السابقة عن دستور 2011 أو في المرحلة اللاحقة عليه؟.
إنها بعض من الأسئلة التي كانت موضوع نقاش بتاريخ 6 فبراير الجاري، خلال عشاء مناقشة نظمته الجمعية المغربية للقانون الدستوري بمناسبة الذكرى الخامسة والعشرين لتأسيسها، وتم خلاله تقديم "قراءات متقاطعة لديباجة دستور 2011"، ساهم فيها كل من عبد العزيز المغاري، رئيس الجمعية المغربية للقانون الدستوري، ومحمد أمين بنعبد الله وصبح الله الغازي، القاضيان الدستوريان السابقين، ونادية البرنوصي، عضو اللجنة الاستشارية لوضع دستور 2011، وحسن طارق، رئيس شعبة القانون العام بكلية الحقوق السويسي، فضلا عن محمد أشركي، الرئيس السابق للمجلس الدستوري، الذي قدم قراءة خاصة لديباجة الدستور المغربي، هي التي ارتأينا أن ننقل أغلب تفاصيلها في هذه المتابعة.
*****
كيف تطورت في الدساتير المغربية المتعاقبة؟ وما الذي يعنيه وجودها في الدستور المغربي؟ وما هي المضامين التي حملتها سواء في الدساتير السابقة أو الدستور الحالي؟ وأي أسلوب صيغت به؟ وما مصير النقاش حول طبيعتها القانونية؟ هي خمسة أسئلة مداخل حاول من خلالها الأستاذ محمد أشركي قراءة ديباجة الدستور المغربي لسنة 2011. وبالنسبة إليه فإن الحديث عن التطور الدستوري للديباجة، يطرح ملاحظتين، الأولى حددها في استقرار ديباجة دستور 1962 على حالها واستمرارها بدون تغيير إلى حدود سنة 2011، إذ باستثناء ما نص عليه دستور 1992 في ديباجته من إعلان "تشبث المملكة المغربية بحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالميا"، لم يحدث أي تغيير على الديباجة سواء في حجمها، حيث ظلت متضمنة لصفحة واحدة وتحتوي على ثمانية أسطر وسبعون كلمة، أو في مضمونها، التي ظلت تضم ثلاثة مبادئ وخمسة التزامات كلها تتعلق بالسياسة الخارجية للمغرب. بينما حدد الملاحظة الثانية في ضعف إحالة القضاء الدستوري عليها في ظل المرحلة السابقة على دستور 2011، فهو لم يذكرها إلا مرة واحدة وكان ذلك سنة 1963 بمناسبة نظر الغرفة الدستورية بالمجلس الأعلى في دستورية النظام الداخلي لمجلس النواب، حين اعتبرت أحد مقتضياته مخالفة للمبدأ المنصوص عليه في "فاتحة الدستور" وهو "أن المملكة المغربية دولة إسلامية"، بل وحتى في هذه الإحالة الوحيدة، يستطرد الأستاذ أشركي، فإن القضاء الدستوري لم يحل على الديباجة لوحدها بل ربط ذلك بمقتضيات الفصل السادس من دستور 1962، التي تقول إن "الإسلام دين الدولة".
استعراض المنحى التاريخي الذي سلكته الديباجة في ظل الدساتير المغربية، كان مقدمة انتقل من خلالها صاحب كتاب "الظهير الشريف في القانون العام المغربي"، والتي سبق أن نال عنه في بداية الثمانينيات من القرن الماضي جائزة المغرب للعلوم الإنسانية والاجتماعية، للإجابة على سؤال مهم طرحه يتعلق ب "لماذا الديباجة؟" وما هي أهميتها بالنسبة للدستور ككل. وبعد أن أحال على دراسة تناولت حوالي خمسين دستورا وتوصلت إلى أن سبعة وثلاثين من بينها لا تتوفر على ديباجة، وأغلبيتها في دول أوروبا الغربية، أكد على أن الاتجاه العام السائد في الكثير من الدول الأخرى التي لم تشملها هذه الدراسة هو الحرص على تضمين الديباجة في الدستور، معتبرا أن هذه الأخيرة تكتسي أهميتها انطلاقا من كونها تهدف إلى إقناع المخاطبين بالقانون وبأهدافه الحسنة، كما قال أفلاطون في "القوانين" عند حديثه عن التصدير والتمهيد للقانون عموما، وانطلاقا من كونها تعتبر "بطاقة تعريف للدولة والمجتمع"، أو "ملخصا للقرارات السياسية في الدولة"، كما كان يصفها الفقيه الدستوري الألماني كارل شميت.
وهذه الأهمية التي يكتسيها وجود الديباجة في الدستور، يقول الأستاذ أشركي، إذا كانت قد جعلت العديد من الدساتير المقارنة تهتم بها، وتخصص لها حيزا مهما وحجما كبيرا، مثلما فعل الدستور الإيراني عندما أفرد لها حوالي أربعة عشرة صفحة، هي نفسها التي جعلت المشرع الدستوري المغربي يوليها أهمية خاصة في ظل دستور 2011. فالديباجة في ظل هذا الدستور، والكلام دائما للأستاذ أشركي، أصبحت مكتوبة في صفحتين بدل صفحة واحدة في الدساتير السابقة، كما أن عدد كلماتها انتقل من سبعة وسبعين إلى ثلاثمائة وإثنين وأربعين كلمة وعدد أسطرها من خمسة إلى ثلاثة وأربعين سطرا. والسبب يعود، في تقديره، إلى كون الديباجة هي أول ما يقرأ في الدستور وأن واضعي الدستور المغربي حاولوا، على ما يبدو، استغلالها لإحداث صدمة نفسية لدى قارئه والمخاطبين بأحكامه مفادها أن الأمر يتعلق بدستور جديد، وهو الشيء الذي نجحوا فيه إلى حد بعيد، يقول المتحدث.
لكن إلى أي حد انعكس هذا التغيير الكمي الذي عرفته الديباجة في ظل دستور 2011 على مستوى المضامين التي حملتها؟ بصيغة أخرى هل جاءت مضامين ديباجة الدستور المغربي مسايرة لما هو مألوف في دساتير الآخرين؟ إن الإجابة على هذا السؤال الذي حدده الرئيس السابق للمجلس الدستوري باعتباره المدخل الثالث من بين المداخل الخمسة التي طرحها في بداية مداخلته لقراءة ديباجة الدستور، احتاجت منه القيام بجولة في عدد من دساتير التجارب المقارنة، تلك الجولة التي أرست بالأستاذ أشركي عند تحديد خمسة مكونات أساسية عادة ما تتضمنها ديباجة الدساتير. فهذه الأخيرة، يقول الأستاذ المحاضر، تتضمن، أولا، النص على بعض الحقوق والحريات أو على الأصح بعض المبادئ المتصلة بها. وتعمد، ثانيا، إلى امتداح تاريخ البلد البعيد أو القريب، على نحو ما يبدو واضحا مثلا في ديباجة الدستور المصري الحالي، وفي بعض الحالات الإشادة بأشخاص محددين لهم وقع خاص في المخيال الجماعي لشعب الدولة، مثلما ما هو الأمر بالنسبة للدستور التركي الذي يمجد مصطفى كمال أتاتورك والدستوري الصيني الذي يبجل زعيم الثورة الثقافية ماو تسي تونغ. وتقوم، ثالثا، باستعراض الاختيارات الوطنية والإيديولوجية والسياسية للدولة وللنظام السياسي الذي يتولى السلطة فيها. كما تتناول، رابعا، موضوع الدين في المجتمع، حيث تتحدث دساتير بعض الدول المسيحية عن الله، مثل دستور كندا وبنما وسويسرا، أكثر من ذلك فإن دساتير أخرى في العالم المسيحي نفسه تتحدث عن الثالوث المقدس والمثال على ذلك الدستور اليوناني، كما أن دساتير بعض الدول الإسلامية، مثل الدستور المصري، تتحدث عن الشريعة الإسلامية كمصدر للتشريع. ثم إنها تحدد، خامسا وأخيرا، الاختيارات الاقتصادية للدولة، حيث يتحدث دستور البوسنة والهرسك مثلا عن اقتصاد السوق ودستور لبنان عن الاقتصاد الحر.
وباستحضار هذه المكونات الخمسة يصل الأستاذ أشركي إلى خلاصة أساسية، وهي أن ديباجة الدستور المغربي وإن تناولت هي كذلك هذه الجوانب بكيفية أو بأخرى، فإن ما يلاحظ عنها، والكلام دائما للأستاذ المحاضر، هو أنها جاءت خالية من الحديث عن التاريخ رغم أن المغرب له تاريخ طويل وضارب في القدم، وتجاهلت في نفس الوقت الحديث عن بعض الأشخاص الرموز، حيث كان محمد الخامس مثلا ورواد الحركة الوطنية جديرون بأن يجدوا لهم حيزا مكانيا في صفحاتها، كما أن حمولتها الإيديولوجية تبدو ضعيفة، فضلا عن ذلك فإن مضمونها الاقتصادي لا يبدو واضحا.
والحديث عن مضامين الديباجة كان فرصة استغلها الأستاذ أشركي لكي يدلي برأيه حول مسألة وردت في الديباجة لكنها ظلت تغدي النقاش في الأوساط الأكاديمية والحقوقية منذ دخول دستور 2011 حيز النفاذ، ويتعلق الأمر بمكانة الاتفاقيات الدولية بالنسبة للقوانين الداخلية للمملكة. ذلك أن إقرار الديباجة بسمو الاتفاقيات الدولية كما صادق عليها المغرب فور نشرها على التشريعات الوطنية، وربط ذلك ب"أحكام الدستور" و"قوانين المملكة"، و"هويتها الوطنية الراسخة"، يثير الالتباس حول كيف يمكن أن تكون الاتفاقيات الدولية تسمو على التشريعات الوطنية وتكون في نفس الوقت مطابقة ل "قوانين المملكة"؟ وهو الالتباس الذي يدعونا الأستاذ أشركي إلى تجاوزه من خلال العودة إلى الخطاب الملكي ل 17 يونيو 2011، الذي قدم من خلاله مشروع الدستور. ففي هذا الخطاب، يقول المحاضر، وردت الإشارة إلى "دسترة سمو المواثيق الدولية، كما صادق عليها المغرب، على التشريعات الوطنية، ومساواة الرجل والمرأة في الحقوق المدنية، وذلك في نطاق احترام الدستور، وقوانين المملكة، المستمدة من الدين الإسلامي...". لذلك، يقول الأستاذ أشركي، فإن المقصود ب "قوانين المملكة" الواردة في الديباجة هي "القوانين المستمدة من الدين الإسلامي" وليس كل "قوانين المملكة"، وبالتالي فهي، أي "القوانين المستمدة من الدين الإسلامي"، التي يجب أخذها وحدها بعين الاعتبار عند الحديث عن التعارض المفترض بين الاتفاقيات الدولية والتشريعات الوطنية لأن الحديث عن "قوانين المملكة" هكذا بإطلاق سيبدو عبثا، يضيف الأستاذ المحاضر.
ومن الحديث عن مضامين الديباجة انتقل الأستاذ أشركي إلى الحديث عن الأسلوب الذي كتبت به، الذي خصص له المدخل الرابع من قراءته للديباجة كما حددها في بداية محاضرته، لكي يقول إن ديباجة الدساتير كثيرا ما يغلب عليها الطابع العاطفي أو الشاعري، على نحو ما تحدث عن ذلك الفقه الألماني، لذلك هناك من لم يتردد في الحديث عن "الدستور والشعر"، بخلاف فصول الدستور التي يطغى عليها الأسلوب القانوني المتسم بالصارمة والحياد والاعتماد على فعل المضارع والمبني للمجهول واستعمال صيغ آمرة وناهية، لكن الأمر يختلف عندما يتعلق بديباجة الدستور المغربي، التي حاولت أن تمزج بين الأسلوبين، حيث صيغت بأسلوب قانوني وتضمنت في نفس الوقت شيء من الخطاب العاطفي.
هذه الخلاصة التي سجلها الأستاذ محمد أشركي بخصوص أسلوب كتابة ديباجة الدستور، وعلى وجه التحديد حول مدى حمولته القانونية، هي التي سينطلق منها لاستعادة النقاش القديم الجديد المتعلق بالطبيعة القانونية للديباجة، في المدخل الخامس والأخير الذي حدده لقراءته لدستور 2011. فإذا كان الاعتقاد السائد منذ اعتماد هذا الدستور بأن السطر الأخير من ديباجته، الذي يقول بأنه "يشكل هذا التصدير جزء لا يتجزأ من هذا الدستور"، قد حسم هذا النقاش، فقد كان الأستاذ محمد أشركي حذرا اتجاه هذا الاستنتاج. ولتبرير موقفه بخصوص هذه النقطة استعان الأستاذ أشركي مرة أخرى بالتجارب المقارنة، لكي يؤكد أن الدساتير التي تعتبر الديباجة جزء لا يتجزأ منها تبدو قليلة جدا، وأغلبها يوجد في إفريقيا، وأن الدساتير الأخرى في أغلبها لا تحدد القيمة القانونية للديباجة.
وإذا كان ذلك يجعل الحسم في موضوع الطبيعة القانونية للديباجة يعود إلى اجتهاد القضاء الدستوري، فإن هذا الأخير، والكلام دائما للأستاذ أشركي، فإن هذا الاجتهاد هو نفسه ليس مستقرا على موقف محدد، وإنما يتنازعه اتجاهين. الاتجاه الأول، بحسب المحاضر، لا يصبغ أية قيمة قانونية على الديباجة وإنما يستعين بها لتفسير بنود الدستور، وفقا لما سارت عليه مثلا المحكمة الدستورية العليا الإسبانية حينما اعتبرت إن الديباجة لا تكتسي أية قيمة معيارية ولكنها تعد عنصرا هاما في بيان مدلول ومدى القواعد الدستورية، وأكد عليه أيضا أحد محرري دستور هذا البلد لسنة 1978 عندما أشار إلى أن "الديباجة عبارة عن سجل نوايا". أما الاتجاه الثاني، فيضفي عليها الصبغة القانونية، ويبرز أكثر في اجتهاد القضاء الدستوري الفرنسي. فرغم أن الدستور الفرنسي، يقول المتحدث، لم ينص على أن الديباجة جزء لا يتجزأ منه فقد استند عليها القاضي الدستوري لكي يقرر حقوقا محددة، خاصة منذ قراره الشهير لسنة 1971 المتعلق بحرية تأسيس الجمعيات، والذي اعتبره أحد الفقهاء الفرنسي بأنه بمثابة "قضية ماربوري ضد ماديسون" الفرنسية.
وإذا كان اجتهاد القضاء الدستوري المغربي لم يتجاهل كليا قضية الديباجة، حيث سبق له أن أحال إليها مرة واحدة في ظل الدساتير السابقة، لدى نظر الغرفة الدستوري بالمجلس الأعلى في مدى دستورية مقتضيات النظام الداخلي لمجلس النواب، وتسعة مرات في ظل الدستور الحالي، فالملاحظ عليه، يشير الأستاذ محمد أشركي، هو أنه لم يكتف بالإشارة إليها وحدها بل ربطها بمقتضيات وأحكام دستورية، مفضلا بذلك تجنب "الاجتهاد التأويلي" والاعتماد أكثر على ما أسماه المحاضر "الاجتهاد التكاملي"، الذي يتعامل مع مقتضيات الدستور باعتبارها مقتضيات متكاملة يفسر بعضها البعض.
هذا المنحى الذي سلكه القاضي الدستوري المغربي، يقول المحاضر، إذا كان قد برز بكيفية أوضح في ظل دستور 2011، بالنظر إلى تزايد عدد المناسبات التي أحال فيها على الديباجة مقارنة بالمرحلة السابقة، فإن ذلك يفسر بكون الدستور عندما أكد على أن الديباجة جزء لا يتجزأ منه اعتبر، في نفس الوقت، في الفصل السادس منه، "دستورية القواعد القانونية، وتراتبيتها، ووجوب نشرها مبادئ ملزمة". ومراقبة دستورية القوانين وفقا لمنهج التأويل، والكلام للمحاضر، تفترض شرطين أساسيين، الأول أن يكون المقتضى المراد تأويله غامضا، والثاني أن يكون المقتضى الوارد في النص الدستوري واضحا وغير غامض. وهذا ما لا ينطبق على الديباجة في الدستور المغربي.
إن ديباجة دستور 2011، يقول الأستاذ أشركي، تتضمن مقاصد، أو ما أسماه المجلس الدستوري بالغايات، وقيم، مثل التسامح والانفتاح والاعتدال والسلم والإخاء، ومبادئ دستورية عامة، مثل الحق والقانون والمشاركة والحكامة والحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية والسيادة الكاملة والهوية والمواطنة، كما تتضمن التزامات حقوقية وسياسية، والكثير من هذه الالتزامات السياسية تهم السياسة الخارجية للدولة، فضلا عن كونها تتضمن بعض القواعد القانونية مثل سمو الاتفاقيات الدولية. ومن هنا يطرح التساؤل، بحسب المحاضر، حول كيف يمكن للمقاصد والقيم والمبادئ المتضمنة في الديباجة أن تخلق حقوقا وأن تعتمد لإقرار مبدأ دستورية القوانين، وتكون بالتالي ذات قيمة قانونية. صحيح أن المجلس الدستوري الفرنسي، يستطرد المحاضر، قد اعتمد في قرار حديث على "الإخاء"، الذي هو قيمة وليس مبدأ، لكي يقرر بعض الحقوق، لكن مع ذلك فإن القيم غالبا ما يكون لها طابعا أخلاقيا، كما أن المبادئ هي الأخرى وإن كان لها مضمون قانوني فإنه عادة ما يكون نسبيا. ما يقال عن القيم والمبادئ يمكن أن يقال، بحسب المحاضر، عن الالتزامات الواردة في الديباجة، وخاصة الالتزامات السياسية منها، ذلك أن ارتباطها جميعها بالتزامات الدولة على المستوى الخارجي، أي إزاء الدول والمنظمات الدولية، يطرح التساؤل حول كيف يمكن الالتزام بها أمام القضاء؟


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.