اليسار الجديد المتجدد… من أجل رؤية استراتيجية يسارية لحزب المستقبل ولمغرب الغد        تعديل موعد المباراة.. لبؤات الأطلس في اختبار ودي أمام تنزانيا بالرباط    مشروبات الطاقة تحت المجهر: دعوات عاجلة لحماية القاصرين من "إدمان مقنّع"    الإدمان على المشروبات الطاقية يهدد صحة الشباب المراهق    "حمل وهمي" يضع ريم فكري في قلب العاصفة    المغاربة ثاني أكبر الجنسيات المشترية للعقارات في إسبانيا    المنتخب المغربي يرفع تحضيراته ل"كان" السيدات    أمن بني ملال يفكك شبكة نسائية متخصصة في النصب والاحتيال    الزومي تدعم تحقيقا قضائيا بشأن بيع مقر اجتماعي تابع لنقابة الاستقلال    فرنسا تسعى إلى تسهيل إعادة القطع الفنية المنهوبة خلال الاستعمار    المغرب يفتح تحقيقا وقائيا في واردات الأرز عقب طفرة في الاستيراد    من التقلبات إلى الاستقرار.. الطقس بالمغرب يدخل مرحلة ربيعية معتدلة    انهيار عمارة بفاس يجر 17 رجل سلطة للتحقيق    من مسافة بعيدة وبأسلوب "الرابونا".. هدف الجبلي يثير تفاعلا واسعا ويقترب من "بوشكاش"    مقتل فريمبونغ لاعب بيريكوم تشيلسي في هجوم مسلح على حافلة فريقه    العدول يدخلون في إضراب مفتوح ويحتجون أمام البرلمان رفضًا لمشروع قانون المهنة    القضاء الفرنسي يدين شركة "لافارج" بتهمة تمويل جهاديين في سوريا    استئنافية مراكش تبرئ الناشطة خديجة آيت المعلم من تهمة "التشهير"    مفتشو أكاديمية كلميم واد نون يطالبون وزير التعليم بالتدخل بعد تأخر تعويضات مالية    كلميم تطلق مشروع كلية للاقتصاد ب59.6 مليون درهم ضمن قطب جامعي جديد في منتجع "أباينو"    خبراء: الحصار البحري لإيران عملية عسكرية كبيرة لفترة زمنية غير محددة    بورصة الدار البيضاء تفتتح على تراجع    المنهج النقدي في التراث الإسلامي... ندوة دولية بفاس تعيد الاعتبار لثقافة الاختلاف وبناء الحضارة        إيران: أمن موانئ الخليج وبحر عُمان إما للجميع أو ليس لأحد    كيوسك الإثنين | امتحان رخصة السياقة تحت مراقبة الذكاء الاصطناعي        في ‬ظل ‬سياق ‬دولي ‬وإقليمي ‬واعد ‬ومشجع:‬    أخيرا ‬مشروع ‬قانون ‬تنظيم ‬مهنة ‬المحاماة ‬يدخل ‬مرحلة ‬التشريع ‬    مفاوضات إسلام اباد : سلام مُعلّق بين حربٍ عالقة ونياتٍ مريبة    كارتيرون يعبر عن خيبة أمله بعد الخسارة أمام المغرب الفاسي    انتخاب ‬محمد ‬ولد ‬الرشيد ‬رئيسا ‬لجمعية ‬مجالس ‬الشيوخ ‬في ‬إفريقيا ‬    النفط يتجاوز عتبة ال100 دولار للبرميل    تصعيد نقابي في تارودانت.. مقاطعة تكوينات "الريادة" تكشف توتراً داخل المنظومة التربوية    إيران تتحدى واشنطن.. أي تهديد لموانئنا سيجعل موانئ الخليج في مرمى الخطر    بريطانيا ترفض دعم الحصار الأميركي    لضمان سلامة الحجاج.. السعودية تُقر تدابير جديدة لتنظيم موسم حج 1447 ه    ترامب يهاجم البابا ويصفه ب"ليبرالي لا يؤمن بمكافحة الجريمة"    المعرض الدولي للكتاب وسؤال: لمن نكتب            زلزال سياسي في أوروبا.. هزيمة مذلة ومفاجئة لأوربان حليف ترمب ونتنياهو في المجر    معركة رادس... تصعب المهمة على الترجي وصان داونز يحسم اللقاء بهدف الفوز    الكرة الطائرة وإنجازات تاريخية جديدة لنادي العرائش    الاطلس للثقافة و الابداع تكرم الشاعر سعيد التاشفيني في حفل انطلاقتها الرسمية بالجديدة    "الماص" ينتصر على الوداد في فاس    التشكيلي محمد منصوري الإدريسي يشارك في الدورة 14 من "طريق الحرير: ملتقى الفنانين" بالصين    حين تكتب الصدفة ما تعجز عنه الذاكرة ..    وفاة أسطورة الغناء الهندي آشا بوسلي عن 92 عاما    رائد العلاج الجيني.. البروفيسور ميمون عزوز يتسلم أرفع جائزة بريطانية في تخصص الخلايا    المملكة المتحدة.. تكريم العالم المغربي ميمون عزوز نظير إسهاماته البارزة في مجال العلاج الجيني    مسؤولون محليون يتابعون تقدم مشروع مركز لإيواء الحيوانات الضالة في سوس بكلفة 26 مليون درهم    الكشف عن مخطوطة تاريخية نادرة تعود للقرن الرابع الهجري بالسعودية    المدرسة العتيقة تافراوت المولود تنظم ندوة علمية وطنية تحت عنوان " السيرة النبوية منهج متكامل لبناء الإنسان وتشييد العمران "    فتح فترة استثنائية جديدة لاستخلاص المبلغ الزائد من مصاريف الحج لموسم 1447 ه من 06 إلى 16 أبريل    فتح فترة استثنائية جديدة لاستخلاص المبلغ الزائد من مصاريف الحج لموسم 1447    فتح فترة استثنائية جديدة لاستخلاص المبلغ الزائد من مصاريف الحج    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الدولة المدنية .. سوء الفهم الكبير
نشر في المساء يوم 12 - 09 - 2011

جدلية الدولة المدنية ليست وليدة اللحظة، بل هي رهان الممارسة السياسية نحو التغيير منذ نشوء وعي العقل الجمعي، مما يفيد بأن دلالة اسم الدولة المدنية وحمولته مقرونة بالاجتهاد الفكري
السياسي المتجدد بتجدد الأحداث والوقائع داخل المجتمع، أما بروز الدولة المدنية كمصطلح متداول بين كل المكونات الاجتماعية، فهو مقرون بالبدعة المفبركة من قبل بعض المفكرين العلمانيين العرب، من خلال اختزال قراءتهم للتراث الإسلامي عموما بالدولة الدينية. فكانت الدولة المدنية من الأطروحات البديلة للدولة الدينية، وهذا لم يأت اعتباطا عندهم ولا اجتهادا لما وراء الواقع المعيش المحيط بهم، وإنما هو انعكاس لما عرفته الحضارة الغربية من انتقال كلي نحو الرقي الإنساني في كل مناحي الحياة، لأنها اعتمدت كليا على الاجتهاد السياسي البشري المحض، البعيد كليا عن كل ما هو غيبي أو كل ما يدخل في دائرة الدين، وهذا مسلم به عند كل مطلع على الأوضاع السياسية والاجتماعية التي كان يعيشها الغرب حينها، باعتبار أن الدين عندهم كان قوامه محاربة كل ما له صلة بالإبداع العلمي النهضوي، بل كان الأمر يتعداه إلى مفهوم الدولة الدينية التي يستمد منها الحاكم كل سلطته من الإله بواسطة الكنيسة، فجاءت الثورة العلمية ضد التسلط الكنيسي، ليولد من رحم التخلف يقظة علمية لا مجال لحصرها في نظر العقل المنبهر التبعي، النموذج الأمثل نحو الحضارة، دون مراعاة لأي خصوصية اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية. فهل كان مفهوم الدولة المدنية غائبا في الدولة الدينية الإسلامية حتى صارت الدعوات الجديدة نحو مفهوم المدنية حاضرة بقوة في عصرنا الحالي؟ أم إن الأمر له علاقة بسوء فهم دلالة وحمولة مصطلح الدولة المدنية في الدولة الدينية الإسلامية عند المفكرين السياسيين العرب؟
إن مكونات الدولة الدينية الإسلامية ليست هي نفس مكونات الدولة الدينية الغربية، بدليل أن الحاكم مثلا في الدولة الدينية الإسلامية يستمد سلطته من الشعب، وهو ما أقره النبي صلى الله عليه وسلم، ومن بعده الخلفاء الراشدون رضوان الله تعالى عليهم، عكس الدولة الدينية الغربية، التي كان الحاكم فيها يستمد سلطته مباشرة من الإله، حسب مقررات الكنيسة، حينها، وهذا المثال غيض من فيض مما لا يسع المجال لذكر نماذج عن أوجه الاختلاف بين الدولتين. والدولة الدينية الإسلامية في الأصل تحضن في طياتها كل مقومات الدولة المدنية، سواء في حمولتها الغربية أو الفكرية، تبقى فقط قراءة التراث الإسلامي قراءة تفصيلية متخصصة فيما هو اجتماعي وسياسي واقتصادي ... كيف ذلك؟
عندما نتحدث عن مكونات الدولة المدنية الغربية، فإننا نتحدث عن مجموعة من الممارسات الأخلاقية المجردة عن التوجيه الديني، وهي نتيجة للتجارب الإنسانية المتشعبة في الحدث الواحد، أي أن الغرب عرفوا قيمة الإنسان قبل العمران، مما عكس بناء سليما لدولهم، حتى إن النظرة السطحية لثقافتهم لتنم عن تشبعهم بمفهوم المدنية كمنهج مؤسساتي سليم. هذه الأخلاق العملية هي المرتكز الأساس في الدولة الدينية الإسلامية، بدليل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم «إنما بعثت لأتمم محاسن الأخلاق»، لذا كانت الأخلاق من المرتكزات الأساسية في مكونات الدين الإسلامي مع العبادات والمعاملات والعقيدة .
وإذا كانت الأخلاق من أسس المدنية، فإن من أمثلة هذه الأخلاق، التي تدفع بالغرب إلى الريادة الحضارية، ما يصطلح عليه بالرقابة الذاتية، هذه الرقابة التي تمنح لكل واحد في مجاله أن يراقب عمله ويتفانى فيه، دون مراعاة لأي منفعة ذاتية زائدة، لأن الأمر له ارتباط وثيق بالمواطنة السليمة، وهو ما لا مجال لرفضه، إذ الإسلام زاد على تلك الرقابة الارتباط العقدي «إن الله كان عليكم رقيبا»، ليكون المسلم مستفيدا في دنياه وآخرته. فالغش والنهب والتحايل والكذب .... مقرونة بالعقاب في الدنيا والآخرة، في مدنية الدولة الدينية الإسلامية، شرط لازم للحفاظ على البنية الحضارية الإنسانية.
إذا كان من الصواب أن يقترن اسم الدولة المدنية بالبنية الحضارية الغربية، فإن من الخطأ أن نتحدث عن الدولة المدنية كرؤية منفصلة عن الدولة الدينية الإسلامية، لأن مدنية أي دولة تكمن في أخلاق مجتمعها، وما كان الدين الإسلامي في كل مجالاته إلا أخلاقا ومقاربات تنظيمية للسلوك الإنساني مع كل شيء، والشواهد على ذلك كثيرة من المنصفين الغربيين، كقول أحدهم: «إن الدين الإسلامي به كنوز من الأخلاق تدعو إلى الأخوة ونبذ العنصرية».


د. عبدالله أبوعوض


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.