بورصة الدار البيضاء تفتتح على انخفاض    وكالة الطاقة: صراع الشرق الأوسط قد يكبدنا 120 مليار متر مكعب من الغاز المسال حتى 2030    المملكة المتحدة تجدد تأكيد دعمها لمخطط الحكم الذاتي المغربي باعتباره "الأساس الأكثر مصداقية وقابلية للتطبيق وبراغماتية" لإحلال السلام في الصحراء    "طاس" تُلزم اتحاد طنجة بأداء أزيد من 500 مليون سنتيم لصالح الجعدي    القرض الفلاحي ووزارة الفلاحة يوقعان اتفاقية لدعم الشمول المالي بالوسط القروي    مكافأة أمريكية ضخمة للقبض على زعيم "كتائب سيد الشهداء"    مقتل 17 مدنياً في شمال شرق نيجيريا    ارتفاع أسعار النفط في الأسواق العالمية    مونديال 2026.. الخارجية الأميركية تنفي نيتة استبدال إيران بإيطاليا    ثلاث دول تتكاتف لتنظيم "كان 2027"    كيوسك الجمعة | المغرب يراهن على التكنولوجيا والبعد الإنساني لتحديث السجون        طقس ممطر في توقعات اليوم الجمعة بالمغرب    د. الشعلان تتحدّث عن (تقاسيم الفسطينيّ) في حوار استثنائيّ مع ريما العالي    الولايات المتحدة توافق على علاج جيني مبتكر للصمم الوراثي        ميناء ألميريا يعزز خطوطه مع المغرب استعدادا للموسم الصيفي    العثور على جثة رضيعة حديثة الولادة يستنفر السلطات بسيدي احساين بطنجة    تجارب تلهم المغرب بالذكاء الاصطناعي    إحباط تهريب الإكستازي بميناء طنجة    من الصين وأمريكا الجنوبية وأوروبا .. أكاديمية المملكة تنصّب سبعة أعضاء جدد    نشرة إنذارية.. رياح قوية وزخات رعدية مع تساقط البرد يومي الخميس والجمعة بعدد من مناطق المملكة    أزيد من 21 ألف مسافر عبر مطار الرشيدية في شهرين    حيرة الصدق فِي زَمَنِ النُّصُوصِ المُوَلَّدَةِ    ترامب يدعو إلى استبدال إيران بإيطاليا    الأداء السلبي ينهي تداولات بورصة الدار البيضاء    مزبار: انتشار خطاب "كلهم متشابهون" يُهدد الثقة في العمل السياسي برمته    كاتس: إسرائيل تنتظر الضوء الأخضر الأميركي لتنفيذ ضربات "تعيد إيران إلى العصر الحجري"    المسرح الملكي بالرباط يجسد رؤية الملك محمد السادس لمستقبل "مدينة الأنوار"    مقر منظمة السياحة يقترب من المغرب    تحديث إدارة الجمارك في صلب مرسوم جديد لتعزيز مواكبة التجارة الدولية    تعيينات جديدة في مناصب عليا تشمل قطاعات الصحة والطاقة وحقوق الإنسان    مضيان يعلن عزمه الطعن بالنقض بعد تأييد الحكم الاستئنافي بالحسيمة    ترامب يأمر البحرية الأميركية بتدمير أي قوارب تضع ألغاما في مضيق هرمز    نادي برشلونة يوضح إصابة لامين جمال    جمعية تُهاجم دعوات منع فيلم "المطرود من رحمة الله" وتدعو لحماية حرية الإبداع    الضرائب تحدد فاتح ماي آخر أجل للإقرارات السنوية وتدعو الملزمين إلى التسوية    سيدي يحيى الغرب..ثانوية ابن زيدون تحتفي بديوان "فلسطينيات"    المغرب والهندوراس يعمقان عزلة الجزائر والبوليساريو في أمريكا اللاتينية        غيابات وارتباطات اللاعبين تُسقط ودية المغرب والسلفادور قبل كأس العالم    المجلس الاقتصادي والاجتماعي يقترح إدماج شهادة المرأة في اللفيف وإصلاحا هيكليا لمهنة العدول ورقمنة التوثيق بالذكاء الاصطناعي    مقتل الصحافية اللبنانية آمال خليل بغارة إسرائيلية على جنوب البلاد قرب بلدة الطيري    الدار البيضاء تحتضن أول تجمع منظم لأسرة تحكيم السلة المغربية    براءة نيمار من الاحتيال في صفقة انتقاله إلى برشلونة                        34 ألف مستفيد من أداء مناسك الحج لموسم 1447ه    بين خفض التكاليف والرقمنة.. وزير الأوقاف يستعرض حصيلة ومستجدات موسم الحج    مخاوف من ظهور سلالة فرعية من متحور أوميكرون..    الأسبوع العالمي للتلقيح.. وزارة الصحة تجدد التأكيد على مجانية اللقاحات وضمان استدامتها    النمسا: العثور على سم فئران في عبوة طعام أطفال من شركة هيب    بدء توافد ضيوف الرحمن إلى السعودية لأداء فريضة الحج    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ابتدعت النساء المُسلِمات في المدن مناهج عديدة للانفلات من الحصار المجالي والاجتماعي
ابن رشد كان مناصرا للمرأة في السياق الإسلامي
نشر في المساء يوم 01 - 01 - 2011

كتاب «صدام الأصوليات» للمفكر البريطاني المعاصر ذي الأصل الباكستاني طارق علي، هو عبارة عن رحلة تاريخية تحليلية مادية تنقلنا إلى أعماق العلاقة بين الشرق والغرب،
وتتوقف عند أسباب نشأة الإمبراطوريات الحديثة واستراتيجياتها الإيديولوجية والاقتصادية. ينظر صاحبه في وجود الديانات السماوية ودورها في تعبئة الناس، وفي ظهور الطوائف والأصوليات والجهاد والحملات الصليبية، ينظر في الوهابية والأندلس والاستشراق والإمبراطوريات الغربية قبل أن يتطرق للإمبراطورية الأمريكية والثورة الشيوعية و«الحرب الباردة» والحداثة والكيان الصهيوني ونكبة الفلسطينيين و«العدوان الثلاثي» والثورة الإيرانية وحروب الخليج وأحداث 11 شتنبر 2001.
كلما تقدمت الفتوحات الإسلامية ازدادتِ القوانين الأبُوبية صرامة. لا بد من حماية الهوية الجديدة بقسوة من تلك التقاليد القديمة والمتراخية. حقوق النساء الاقتصادية أصبحت غير ذات معنى بعد أن حُرمن من فضاء عمومي يفاوضن فيه بشأن هذه الحقوق. مُنِعت النساء من حضور الرجال بينهنّ باستثناء الأزواج والمقرّبين من العائلة. وكان حَراماً على الرجال وُلوج الأوساط المخصصة للنساء، سواء كان ذلك في منزل بالمدينة أو داخل قصر. ولاحقاً، ستظهر في الأكواخ الحقيرة تقسيمات مؤقتة بالأثواب تحُول دون رؤية الزوار الذكور للنساء. ولأسباب مادية، استطاعتِ البادية الإسلامية في الغالب أن تتجنب التفرقة بين الجنسيْن. بالفعل، فظهور الأصولية الإسلامية في أواخر القرن الميلادي العشرين هو الذي سيفرض هاته التفرقة في عدة مناطق من العالم الإسلامي، والتي سيكون أفغانستان نموذجها الأشهر.
كيف تعاملتِ النساء مع هذه الإجراءات التقييدية؟ فيما يخص المجال الخاص، كان تمرّدهُنّ عليها تاماً. والدليل على ذلك موجود في روايات الأخبار العديدة، كما في الأعمال الأدبية المنبثقة من الثقافات المختلفة التي اعتنقت الإسلام. فقد ابتدعت النساء المُسلِمات في المدن مناهج عديدة للانفلات من الحصار الفضائي والاجتماعي المفروض عليهن. في السنيغال، لم يُحببْن قط لباس الحجاب، وفي البنغال غَطيْن رؤوسهن، ولكن دون بطونهن، وفي يافا كشفن عن الرأس والبطن معاً. النساء في كل مكان يعشن حياة سِرية، لا يكتشفها عادةً لا الأزواج ولا الأقرباء الذكور. وهذا لا يعني بأن الأخيرين أبرياء فيما يتعلق بارتكاب المحرَّمات.
لقد كان ابن رشد القرطبيّ، والذي سبق ذكره، أوّل فيلسوفٍ مُسلم يولي اهتماماً فكرياً جدياً للعيوب البنيوية المرتبطة بالمرأة في الإسلام. ورغم أنه كثيراً ما اتُهم بالزندقة، فهو لم يتراجع أبداً عن مواقفه في مسألة المرأة. تفكير ابن رشد المنفتح سبق زمنياً بناء أوروبا، ومن ثم، فهو لم يأت من (!) أوروبا، بل إنه سوف يذهب في وقت ما إلى (!) أوروبا التي خلقتها «النهضة» الأوروبية. وقد حاجج ابن رشد قائلا إن خمسة قرون من التفرقة بين الجنسين قد جعلت وضعية النساء حقيرة مثل وضعية النباتات.
ستحتاج مسألة النساء إلى ستة قرون أخرى لكي تثار من جديد. وتزعم الدفاعَ عن حقوق النساء هذه المرة شاب مصري يُدعى رفاعة الطهطاوي (1801-1873م). نشأ الطهطاوي وترعرع في مصر خلال حكم محمد علي، الضابط في الجيش العثماني الذي صار مستقلا إلى حد ما وأراد تحديث البلاد. وقد أرسل بعثة طلابية إلى فرنسا كان ضمن أعضائِها الطهطاوي، الذي سوف يتعلم اللغة الفرنسية ويدرس فلاسفة «عصر الأنوار» الفرنسيين ويشاهد بأمّ عينيه الحرية التي تتمتع بها النساء الفرنسيات. وعند عودته إلى مصر، نشرَ كتابيْن حول وضع المرأة في مصر. وعلى غرار ابن رشد من قبله، طالب الطهطاوي بمساواة المرأة مع الرجل على المستوى الاجتماعي والاقتصادي والسياسي. كما اعتبر الحريمَ سجناً يجب تدميره، ونادى بمنع زواج القاصرات وبضرورة تعليم النساء جميعاً. وبعد نصف قرن من ذلك، أخذ منه المشعلَ القاضي المصريّ قاسم أمين الذي سوف يمثل كتاباه «تحرير المرأة» (1899م) و«المرأة الجديدة» (1901م) النصوصَ المؤسِّسة للحركة النسائية العربية. القومية العربية كانت تبعُد مسافة عقود عن الانطلاق. لذا، كان من الممكن مُحاكاة التقدم الأوروبي دون تعريض المكانة المحلية للإسلام لأي شبهةٍ.
شهد القرنُ العشرون ميلادَ وتطور حركات تنادي بحقوق النساء في كل من العالم العربي وجنوب آسيا. وقد ترافقت مع الحملات النامية ضد الاستعمار، ولاحقاً مع الحركات الوطنية والاشتراكية المضادةّ للإمبريالية. كانت الحركات النسائية غير متكافئة. في المرحلة الأولى، نادين بالمساواة مع الرجال في الحقوق السياسية دون الطعن في التشريعات الدينية التي تنظم قانون الأسرة.
لاحقاً، في مرحلة ما بعد الاستعمار، مُنحت النساء المساواة الاجتماعية وحق التصويت، ولكن الشريعة لن تتعرض للطعن إلا في تركيا الكمالية وفي تونس. كانت النساءُ قد طالبْن بالحق في التعليم والشغل والتصويت. مُنِحن الحَقان الأول والثاني في مصر والعراق وسوريا، ولكن بما أن هذه الدول يحكمها نظام الحزب الواحد، فلم يكن لحق تصويت الرجال والنساء أيُّ معنى. ناضلت النساء إلى جانب الرجال من أجل الحرية، لكن لما تحققَ الاستقلال، تعرضت مَطالبهن بتعديل مُدوّنة الأسرة لتجاهل تامّ. والظاهر أن الحفاظ على الإجراءات الرجعية الخاصة بالبنية الأسرية سيصبح هو الركيزة الأساسية للهوية الإسلامية في فترة ما بعد الاستعمار. باكستان وبنغلادش ستنتخِبان امرأتين لمنصب الوزارة الأولى، ولكنهما ستظلان خاضعتين لقوانين تعتبرهما مواطنتيْن من درجة أدنى.
في أواخر القرن الميلادي العشرين، التي شهدت هزيمة النزوات العلمانية والحداثية والاشتراكية على مستوى عالمي، اكتسحتِ العالمَ موجة من الأصولية الدينية. بعضُ الحقوق التي اكتسبتها النساء أضحت مُهدَّدة في الولايات المتحدة الأمريكية وبولونيا وروسيا وألمانيا الشرقية سابقاً. كما بدا أن انتصار رجال الدين في إيران، وهزيمة اليسار في أفغانستان، واستمرار تواجد النظام الوهابي في المملكة العربية السعودية، وصعود المجموعات الأصولية المتشددة في مصر والجزائر، والدفاع ما بعد الحداثي عن مبدإ النِّسْبية، قد أقبروا مرة أخرى آمال النساء. وفي هذا العهد المعولم، ربما رأى المرء في الدفاع عن هويته آخر سبيل لديه إلى الاختلاف. لكن السؤال المطروح هو: لمَنْ هي هاته الهوية التي يتم الدفاع عنها؟ ولمصلحة مَن يتم ذلك؟
إن العديدَ من القيادات النِّسوية، اللواتي واجهن في الماضي الملالي والدكتاتوريين على حدٍّ سواء، انحنيْن في وجه العاصفة الأصولية. في بعض الأحيان، يقال لنا إن الزواج التقليدي المحافظ والحجاب أفضل من الزواج الغرْبي والزنا، كما لو أن الزواج في العالم الإسلامي لا يتم إلا بالطريقة التقليدية، وأن الزنا فعلٌ لا يُقدِم عليه أحدٌ من المسلمين. وإذا كان الحكم العثماني مقبولا أكثر نظراً للتقارب الديني والثقافي الموجود، فبماذا نفسر تحالفَ العرب مع الكفار ضد العثمانيين؟
ربما سيفاجئنا التاريخ مستقبَلا. قد تقومُ موجة جديدة من الصراعات داخل دكتاتوريتيْ رجال الدين في إيران والعربية السعودية. فالتجربة تظلّ خيرَ مُعلم.


د. إسماعيل العثماني


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.