مجلس النواب يصادق بالأغلبية على مشروع القانون المتعلق بالخبراء القضائيين    مطالب نقابية بتسوية الوضعيات الإدارية لمستخدمي المكتب الوطني للمطارات    "التلفزيون الإيراني": لم يغادر أي وفد حتى الآن إلى باكستان لحضور محادثات السلام مع أمريكا    جنود يابانيون يفارقون الحياة في تدريب عسكري    وزير الفلاحة يؤكد بمكناس أهمية الإنتاج الحيواني ضمن السياسة الزراعية للمغرب    حسن مرزوقي: جهة سوس ماسة تراهن من خلال مشاركتها في معرض مكناس على الشراكات والاستثمار وتعزيز الفلاحة المستدامة    السفير هلال يلتقي مدراء البنك الدولي    ملتقى الفلاحة بمكناس: مشاركة 70 بلدا و1500 عارض واستقبال مرتقب ل1.1 مليون زائر    وكالة الطاقة الدولية: حرب إيران تتسبب في أكبر أزمة طاقة على الإطلاق    أجواء غائمة في توقعات اليوم الثلاثاء بالمغرب    الزمان سينصف تطوان    توقيف شخص بطنجة في قضية تتعلق لترويج المخدرات والمؤثرات العقلية    مصرع شابين غرقًا في وادٍ بمدشر أزنات بضواحي إقليم شفشاون    93.3 في المائة من الأسر المغربية صرحت بارتفاع أسعار المواد الغذائية خلال 12 شهرا الأخيرة    توقيف مروج للمخدرات بضواحي طنجة وحجز أزيد من 11 ألف قرص مهلوس    ترامب: سيتم توقيع اتفاق مع إيران "الليلة"    السغروشني: البت في الساعة القانونية تنظمه مقتضيات قانونية وتنظيمية وليس قرارا قطاعيا صرفا    الأمير مولاي رشيد يترأس بمكناس افتتاح الدورة ال 18 للملتقى الدولي للفلاحة بالمغرب    التعاون التكنولوجي العسكري بين المغرب وأمريكا يدخل مرحلة أكثر تقدماً واستدامة    أخبار الساحة    أمسية شعرية بتارودانت احتفاء باليوم العالمي للشعر واليوم العالمي للمرأة    بوصوف والروخ في ضيافة المقاهي الثقافية    «الفلسفة الإفريقية: التحرر والممارسة» معربا: من أجل استعادة الهوية الفلسفية الإفريقية    إلى السيد وزير الشباب والثقافة والتواصل    34 ألف مستفيد من أداء مناسك الحج لموسم 1447ه    دعوات للتحرك المبكر لوضع حد لفوضى الصيف بشواطئ الحسيمة    إحداث أزيد من 1100 مقاولة جديدة بجهة طنجة خلال يناير    العقوبات البديلة.. 926 عقوبة بالغرامة اليومية بنسبة 43,6 في المائة من مجموعة الأحكام    بين خفض التكاليف والرقمنة.. وزير الأوقاف يستعرض حصيلة ومستجدات موسم الحج    أداء سلبي ينهي تداولات بورصة البيضاء    أكاديمية المملكة تنظم الدورة ال 51    خمس سنوات سجنا لوزير جزائري سابق    مسلمي إسبانيا : بين غلة "الكفار" وعقلية القطيع    نشرة إنذارية.. زخات رعدية وطقس حار اليوم الاثنين بعدد من مناطق المملكة    بلاغ جماعة العرائش حول حادث سقوط طفل يثير الجدل ويعيد النقاش حول المسؤولية القانونية في تدبير الفضاءات العمومية    حارس اولمبيك آسفي بوسف المطيع يفجرها: " لابد من مراجعة العلاقات مع الجيران"    الرئيس عون: لن يشارك أحد لبنان أو يحل مكانه في المفاوضات الثنائية مع إسرائيل    نقابة تنادي بوكالة وطنية للمحروقات    المستشارون يناقشون حصيلة الحكومة    مخاوف من ظهور سلالة فرعية من متحور أوميكرون..    الأسبوع العالمي للتلقيح.. وزارة الصحة تجدد التأكيد على مجانية اللقاحات وضمان استدامتها    تطوان وردة وطن    جمعية مختبر الريف للأبحاث الدرامية تتوج بعرض مسرحي متميزفي إقصائيات جهة الشرق لمسابقة محمد الجم لمسرح الشباب    دوري باراغواي يشهد "أعمال شغب"    أسباب اقتحام الجمهور الجزائري أرضية ملعب المسيرة الخضراء في آسفي    بايرن ميونخ يواصل الهيمنة في ألمانيا    موكب الزهور يرسم لوحة نابضة بالحياة في هولندا    إيران: واشنطن غير جدية بشأن المسار الدبلوماسي ولم نتخذ قرارا بشأن استئناف المفاوضات    فوضى قبل البداية وإقصاء في النهاية.. أحداث مباراة أولمبيك آسفي واتحاد العاصمة تعيد ملف الانضباط إلى واجهة الكونفدرالية    الزلزولي يتألق مع بيتيس ويشعل صراع الأندية الأوروبية على خدماته    مدرب مارسيليا يهاجم لاعبيه برسائل قوية ويلوح بالاعتماد على الشباب    شراكة ‬دفاعية ‬لعقد ‬كامل: ‬المغرب ‬والولايات ‬المتحدة ‬يعززان ‬تموقعهما ‬في ‬هندسة ‬الأمن ‬العالمي    النمسا: العثور على سم فئران في عبوة طعام أطفال من شركة هيب    بدء توافد ضيوف الرحمن إلى السعودية لأداء فريضة الحج    معراج الحلاج    السلطات الإسبانية تحذر مستهلكي سبتة من منتوج سلمون ملوث            







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أزمة مراهقة تدفع الأسرة فاتورتها كاملة

«نولد مرتين، مرة للحفاظ على النوع، وأخرى للوجود» مقولة لجون جاك روسو يمكن أن نقارب بها، إلى حد ما، مختلف التفاعلات النفسية والفيزيولوجية والاجتماعية المعقدة التي تصاحب مرحلة المراهقة التي تشكل مرحلة/فيصلا بين مرحلتين، يقع على عاتق الآباء مصاحبة أبنائهم قصد تدبيرها بأكبر قدر من الحكمة للخروج بأقل الخسائر من خضم معركة البحث عن تأكيد الذات، والبحث عن الاستقلالية وتركيز الأسس الأولى في بناء شخصية مستقلة متميزة بعيدا عن أي عراقيل أو مثبطات نفسية أو اجتماعية.
ومهما كانت أزمة المراهقة حادّة أم طفيفة، فإنها ترتبط بالتغييرات البيولوجية والفيزيولوجية ممّا يؤدي إلى فقدان الصّورة المألوفة للذات، فشكل الجسم الجديد عادة مايمثّل عائقا ومصدر قلق بالنسبة للمراهق، فيشعر بالغربة وعدم التماهي مع جسده، مما يؤدي إلى عدم التوازن وعدم التكيف- ولو لحين- مع المحيط العائلي والاجتماعي والمدرسي. يظهر ذلك في شكل أزمات عابرة طفيفة أو عنيفة حسب تركيبة الشخص وميولاته، ويتجسد ذلك عادة في شكل شعور بالقلق والحيرة وعدم الطمأنينة والخوف من المستقبل أو في سلوك عدواني مبالغ فيه.
وهنا تكمن المسؤولية الجسيمة التي تقع على عاتق الآباء قصد تدبير ركام التفاعلات النفسية والذهنية التي تزدحم في رأس المراهق، قصد التخفيف من فاتورة هذه المرحلة الدقيقة واستثمارها بشكل إيجابي عبر تحويل التوترات التي تعتمل في ذات المراهق إلى طاقة إيجابية تطور قدراته ومهاراته وتساعده على بناء تصور إيجابي لذاته ولمحيطه الاجتماعي والمؤسساتي.
حالة العربي هي نموذج حي لمجموعة من حالات الأسر التي أساءت تدبير أزمة المراهقة التي يمر بها أبناؤها، لتتحول سنوات المراهقة الانتقالية إلى هم مستديم أتى على البقية الباقية من استقرار الأسرة النفسي والمادي، كما أدى إلى الإجهاز نهائيا على المستقبل الدراسي والمهني لابنها الذي خرج من فترة المراهقة بخسائر سيدفع ثمنها إلى آخر أيامه. كان العربي طفلا هادئا جميلا تركزت حوله عاطفة الأم والأب مقارنة بإخوته، فقد تميزت طفولته بإشراقة خاصة وذكاء متقد جعله مركز تعلق أبويه، بل وباقي أفراد أسرته. تمر سنوات الطفولة سريعا، لتقف متعة رفقة العربي ومداعبته عند سنته السابعة عشر، لينتقل مباشرة إلى مرحلة تعدد الصداقات منفتحا على محيط الشارع الذي احتضنه سريعا وأعاد كتابة منظومة القيم في ذاته الجامحة التي تمردت على حضن أمه وصرامة أبيه، بل وطلقت دفء البيت الأسري لليال طويلة. مع بداية تفاعلات مرحلة المراهقة، بدأت تظهر أعراض الأزمة النفسية والاجتماعية على سلوك العربي الذي اتخذ منحى انعزاليا، بل وعدوانيا في أغلب الأحيان، لينتقل من الفتى الهادئ الحالم الذي لا يعشق الحياة إلا وسط دفء الأم والإخوة، إلى طفل خشن السلوك خشونة صوته التي جرت عليه سخرية إخوته وملاحظاتهم المجانية. كما صعب على الأم والأب تقبل انتقال النهاية السريعة لطفولة العربي الرائعة. استعصى على هذا الأخير تدبير ركام المشاعر والأفكار التي بدأت تزدحم في رأسه الصغير ضدا على النمو المتسارع لجسمه الذي بدأ ينفلت من تمثله البسيط لذاته. في المقابل، بدا السلوك الحاني والعطوف للأب يتحول إلى صرامة مبالغ فيها تترجم خوفا دفينا من أن تبتلع ظلمات الشارع طفله الهادئ رغم كل شيء. كلما كان الضغط الأسري يتزايد كان معدل نوبات العربي العصبية يرتفع. وكلما تقاطرت على العربي أحكام القيمة السلبية من أفراد أسرته، كلما اشتدت حدة انعزاله وابتعاده عن رفقتهم تجنبا للوقوع ضحية ملاحظاتهم الجارحة التي تنسف كل جهوده في بناء تصور إيجابي ومحفز لذاته. بالتدريج وجد العربي نفسه متعلقا بعالم الشارع الذي فتح أمامه باب الصداقات المتعددة، ففي الشارع أقرانه «المضطهدون» يقاسمونه حرقة الوصم والقمع والكلام الجارح ولاتفهم الآباء الذي يكبحون جماح أحلامهم التي تروم «تغيير معالم العالم وإرساء منظومة قيم جديدة». شيئا فشيئا بدأت الرفقة تنداح وجهة مداعبة السجائر، فاختبار المخدرات، ليتحول الأمر إلى إدمان حاد أتى على البقية الباقية من التوازن النفسي والسلوكي للعربي الذي أصبح يجد متعته الحقيقة في تكسير حواجز منظومة القيم الاجتماعية التي أصبحت تقف حائلا بينه وبين أبيه على وجه الخصوص، بعنف تعامل هذا الأخير مع حالة إدمان ابنه للسجائر أول الأمر، وبعنف أشد مع حقيقة إدمانه للحشيش، لينتقل في مرحلة لاحقة إلى الحلول الجذرية التي طوحت بالعربي خارج بيت الأسرة.
كانت لوعة الأم وحزنها يستعصيان على المداراة، فجزء جميل مشرق من عالمها ينفلت من بين أصابعها فيما تقف عاجزة غير قادرة على رد كلمة الزوج الذي دفن همومه الأسرية في انشغالاته المهنية.
تلقف الشارع، بقسوته وبوهيميته وانحرافاته، العربي الوديع الذي انتهى مساره الدراسي إلى الفشل، وأصبح همه اليومي تأمين مصاريف اقتناء المخدرات والسجائر. ففي الشارع لا شيء بالمجان، وكل شيء قابل للمقايضة... حتى الجسد!
تمر شهور بجوعها واغترابها وقسوتها على العربي الذي بدأت تسوء أحواله الصحية إلى حد كبير، قسوة الأب أكبر من ألمه وخوفه على ابنه الذي خيب آماله المتعاظمة في مستقبل أفضل، تتوارد الأخبار عن سلوكات العربي وأحواله السيئة وانغماسه في إدمانه وفي حياة الزوايا المعتمة... تعلم العربي المشي وحيدا في دروبه التي تنتهي به كل مرة إلى مآزق تمرن على تدبير مثالبها منفردا، وتعودت الأسرة على مكانه الفارغ. استمر الوضع لأكثر من سنتين، إلى حدود إحدى الليالي الباردة، فالعربي الذي أنهكه الجوع والعري والإدمان وحياة الشارع القاسية ;وجد نفسه في غرفة الإنعاش يصارع الموت على إثر أزمة قلبية حادة. نزل الخبر كالصاعقة على الأسرة، لتأتي على البقية الباقية من قدرة الأم على الصمت والصبر ومداراة ثورتها التي ظلت تعتمل في صدرها لسنتين بأيامهما ولياليهما، وليذوب جليد القسوة التي وقفت حائلا بين الأب وبين ابنه طوال هذه الفترة. ففي لحظة ألم وندم قاتلة، اكتشف الأب من جديد أن العربي رغم أخطائه وزلاته وانحرافاته سيبقى ابنه... لتدخل الأسرة معاناة من نوع جديد مع معاناة العربي من مرضه المزمن كل ما ترتب عن ذلك من تكاليف وأعباء مالية ومعنوية. تحسنت أحوال العربي تدريجيا، استخلص الدروس التي يتوجب عليه الخروج بها من أزمة مراهقته التي كلفته غاليا، وتعلم الأب كيف يدبر الأزمات النفسية والاجتماعية لأبنائه الذين يتوافدون على عالم المراهقة تباعا.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.