كيف هي المؤشرات الصحية لبلادنا؟ العديد من المؤشرات المُتعلقة بالوضع الصحي ببلادنا لا تدعو فقط إلى القلق، بل كذلك إلى الخوف من المستقبل، و مع كامل الأسف فهذه المؤشرات تضع المغرب في المرتبة الأخيرة في الترتيب بين دول شمال إفريقيا والشرق الأوسط، والجميع يتابع كيف أن قطاع الصحة ببلادنا تعتريه العديد من الاختلالات التي تُعبر عنها بكل وضوح الاحتجاجات المستمرة والمتصاعدة للمواطنين الذين يطالبون بحقهم في الولوج إلى العلاج، و من جهة أخرى نلاحظ الاحتجاجات المتكررة للعاملين في قطاع الصحة العمومية الذين يعيشون وضعا صعبا بسبب الإهمال الذي طال جل المؤسسات الصحية العمومية، مما دفع العديد منهم إما إلى تقديم استقالته والتوجه للعمل في القطاع الخاص، و إما اللجوء إلى ممارسات غير أخلاقية و غير قانونية لحل مشاكله المادية، والضحية بطبيعة الحال هو المريض المتوجه إلى المستشفى العمومي الذي يتعرض للابتزاز والمساومة، و كثيرا ما يفرض عليه التوجه لإحدى المصحات الخاصة بدل انتظار الموعد الذي قد يصل وفي العديد من الحالات قد لا يصل. هذا الوضع جعل العديد من مواطنينا ، كانوا فقراء أو من الطبقة المتوسطة، لا يعيشون فقط لمدة أقل، بل يُوجدون في حالة صحية سيئة في مراحل مبكرة من عمرهم، و هكذا أصبح العيش في صحة جيدة يعتبر بالنسبة لهم حلما بعيد المنال. ألم يكفل نظام المساعدة الطبية الحق في العلاج للمعوزين؟ أولا يجب الإشارة إلى معطى أساسي لا يجب إغفاله يتمثل في التمييز بين المواطنين، بل وترسيم هذا الوضع من خلال تصنيف حوالي 8 ملايين ونصف مغربي ومغربية ضمن خانة المعوزين، الذين يُفرض عليهم تلقي بعض العلاجات في حال توفرها في المستشفى العمومي، وبالتالي هناك تمييز فرض على هذه الفئة من المواطنين عن أولئك الذين يتوفرون على شكل من أشكال التأمين عن المرض أو الذين لهم إمكانيات تسمح لهم بممارسة حقهم في اختيار طبيبهم المعالج، وهناك فئة أخرى قليلا ما يتم الحديث عنها تتمثل في أصحاب المهن الحرة والمستقلين وخاصة ذوي الدخل المحدود كالتجار الصغار و الحرفيين وغيرهم ممن هم محرومون من حقهم في التغطية الصحية والحماية الاجتماعية. كما أن تفعيل نظام المساعدة الطبية "راميد" حرم الفئة المعوزة من شعبنا من حقهم في اختيار طبيبهم المعالج، مع العلم أن هذا المبدأ الكوني له أهمية كبرى لأن الثقة بين المريض و طبيبه المعالج تلعب دورا هاما في إنجاح عملية العلاج. نقطة أخرى تتطلب منا الوقوف عندها حين الحديث عن نظام المساعدة الطبية "راميد"، وتتعلق بوضعية المؤسسات الاستشفائية والمراكز الصحية التي ليست لها القدرة بتاتا للتكفل بأكثر من 8 ملايين مواطن مغربي وتقديم الخدمات الصحية لهم، وهو ما يؤدي إلى الاكتظاظ بالمستشفيات العمومية التي تتحول إلى مؤسسات للمعوزين فقط، في حين أن من لهم الإمكانيات المادية أو يتوفرون على خدمات للتأمين تسمح لهم بالتوجه إلى القطاع العام. هل قدمتم أية مقترحات بديلة؟ سؤالكم يدفعني للتذكير ومن خلال منبركم الإعلامي ، أنه وبالرغم من أننا طالبنا منذ خروج هذا القانون إلى حيز الوجود، بتعديل مدونة التغطية الصحية ومراجعة المراسيم التطبيقية لهذه المدونة، و خاصة البنود التي تتناقض مع مبادئ المساواة والتعاضد والتضامن الوطني، أو التي تُحرم المريض من ممارسة حقه في اختيار طبيبه المعالج، مثل ما ينص عليه نظام المساعدة الطبية للمعوزين، الذي لا يتحمل إلا التعويض عن مصاريف الخدمات الطبية المقدمة للمستفيدين في المستشفيات العمومية والمؤسسات العمومية التابعة للدولة، كما طالبنا بالكف عن اعتبار مؤسسات القطاع العام خاصة بالفقراء و المعوزين، و في المقابل عبرنا عن استعدادنا لتقديم خدماتنا الطبية للفئة المعوزة من شعبنا بنفس تكلفة تلك الخدمات في المستشفيات العمومية والمؤسسات العمومية التابعة للدولة، و مع الأسف فإنه لم يتم التفاعل إيجابيا من طرف المسؤولين عن تسيير الشأن العام ببلادنا. العديد من المواطنين يحتجون على كون بطاقة "راميد" لاتمنحهم الاستفادة من الخدمات الطبية خلافا للتصريحات الرسمية؟ وضعية تجد أجوبتها إذا ما علمنا على أنه و خلافا للقانون 65.00 الذي ينص في الكتاب الثالث الخاص بنظام المساعدة الطبية، وتحديدا المادة 121 التي تصنف وترتب الخدمات الصحية والطبية التي يجب توفيرها وضمانها للمستفيد من نظام "راميد"، والمادة 12 التي تستثني عمليات الجراحة التقويمية والتجميلية باستثناء أعمال جراحة وتقويم وتعويض الفك والوجه اللازمة طبيا، نجد على أنه في المرسوم التطبيقي تم التنصيص على أن صندوق المساعدة الطبية يتحمل فقط مصاريف العلاجات المتوفرة في المستشفى العمومي، وهذا هو ما يقع اليوم، إذ أن المرضى حين يتوجهون إلى المستشفيات يجدون أمامهم جوابا يتم ترديده بشكل متكرر يتمثل في عدم توفر العديد من الخدمات الصحية وعجز المستشفيات عن تلبية طلبات واحتياجات هؤلاء المرضى! جواب يتكرر في مستشفيات المدن الكبرى فبالأحرى بمدن داخلية مستشفياتها هي بدون قاعات للعمليات وتفتقد لوسائل التدخل رغم وجود أطباء وجراحين متخصصين. ما السر في عدم توفر بعض الخدمات الصحية المطلوبة؟ على المواطن المغربي أن يعلم بحقيقة وطبيعة الميزانية المخصصة لكل مواطن/مستفيد من نظام المساعدة الطبية التي لا يمكنها بأي شكل من الأشكال أن تنصفه من الناحية الصحية، خاصة بالنسبة لمن يعانون من أمراض مزمنة لها تكلفة مالية باهظة ووقع اجتماعي ثقيل، مما جعل من نظام "راميد" أكذوبة على مستوى التفعيل، تم إفراغه من محتواه النبيل، ومن خلاله يتم استنزاف المستشفى العمومي عن سبق إصرار وترصد، هذا المستشفى الذي يقدم خدمات بدون مقابل ، وبالتالي الحكم عليه بالموت، إذ كيف ستتم تغطية العجز وما هو مآله؟ وما هو ذنب المواطنين المعوزين أمام هذا الأمر؟ هل من توصية في هذا الباب؟ لا بد من الإشارة إلى أن التقدم العلمي والتكنولوجي وظهور أمراض جديدة ومستعصية يؤدى في كل دول العالم إلى الارتفاع في الطلب على العلاج و إلى ارتفاع مستمر لتكلفة العلاج، وإذا أردنا التغلب على هذا الإشكال لا حل لنا إلا باعتماد سياسة تجعل من الصحة خدمة عمومية، و هذا يتطلب منا أولا النُهوض بالمستشفى العمومي عن طريق تقديم تحفيزات للعاملين بالقطاع العام و حثهم على الرفع من مردودية المستشفى ليصبح مؤسسة منتجة و الكف عن اعتبار مؤسسات القطاع العام خاصة بالفقراء والمعوزين، ثم لا بد من الإسراع بتعميم التغطية الصحية الأساسية من أجل تسهيل وتعميم الولوج إلى العلاج للمواطنين بدون تمييز، و تنظيم الولوج إلى العلاج بإدخال ثقافة طبيب العائلة إلى نظامنا الصحي، من أجل تحسين جودة الخدمات الصحية والعمل على خفض تكلفة العلاج، حتى نتمكن من تجنب الخسارة لأنظمة التأمين عن المرض، وتبذير أموال الصناديق المكلفة بالتغطية الصحية، وهذا ما سينتج عنه بدون شك، المساهمة في ترشيد ما تتوفر عليه بلادنا من إمكانيات، وعدم الزيادة في نفقات المؤسسات الإنتاجية الوطنية.