يُعتبر التفكير في الإسلام اليوم ضرورة من الضروريات التي تكتسي طابعا استعجاليا اليوم بالنسبة للمسلمين أنفسهم، وبالنسبة لغير المسلمين أيضا. ومع ذلك، فإنّ إعمال هذا التفكير هو ورش كبير وصعب يبقى، رغم كلّ الإيجابيات الكبيرة التي تحقّقتْ، مفتوحا على مصراعيه لإنجازه. إنّ التفكير بالنسبة لي معناه فهم دلالات الدّرس الذي تحمله هذه الديانة، ومعناه أيضا الوعْي بأسسه، بعيدا عن كلَ ما يكتسي طابع القداسة. إنَ الفهم، المقصود هنا، يقوم على إلقاء الضوء على مختلف التشريعات التي جاء بها النّص القرآني. ومن ثمّ، فإنّ النصوص التي تتكوّن منها هذه السلسلة من الحلقات تساهم بكل تواضع ضمن هذا الطموح. وهي تسعى إلى تسليط الضوء على الجذور العميقة والاجتماعية، والتاريخية العميقة إذن، لمثل هذه التشريعات. وهي تنطلق من قناعة مفادها أنّ سرّ تلك التشريعات يكمن في تاريخ البشر، الأمر الذي لا يمسّ في شيء محتواها القدسي. إنّ المسلمين اليوم مهتمون أكثر، في سياق مغامرة الحداثة، بمعرفة بأسس ديانتهم الخاصّة من خلال إنجاز قراءة عقلانية. وقد آثرتُ أنْ أتناول بالتحليل مظاهر محددة من الممارسات الدينية، ولم أقُم بشيء آخر سوى إنجاز قراءة أخرى للحجم الهائل من المعطيات التي أوردها المفسّرون العرب والمسلمون قديما. وأعتقد أن رفع المظهر الأسطوري والخرافي، بمعنى التمييز ما بين الحدث الأسطوري والحدث التاريخي، تمرّ من هنا. وقد فضّلتُ أن أتناول بالتحليل مظاهر حاضرة بقوّة في الحياة اليومية للإنسان المسلم، والتي تبدأ من شعائر الصلاة إلى السلطة، وإلى مختلف الوقائع الاجتماعية. إنها عناصر تنطوي على أهمية قصوى تهمّ وتشغل بال المؤمن وغير المؤمن. ماذا يعني لفظ «العرش»؟ ماذا تخفي هذه الكلمة، ومعها مؤسسة العرش، بخصوص محتوى العلاقة ما بيْن المَلِك ورعاياه، عندما نحرص على ملاحظتها في تشكّلها؟ في هذا الأفق تكشف لنا العودة إلى المصادر، وخصوصا بفضْل الجذْر اللغوي والاشتقاقات، أفضل من أيّة مقاربة أخرى، عن الأسس الحقيقية لتخليد ذكْراه. يخلّد الاحتفال بعيد العرش حكم الملك وحكم عهد الأسرة المَلَكية. إلاّ أنّ محتواه، ودلالته العميقة، تحجبها، في غالب الأحيان، الإدراك العادي للمفردات المستعملة، وبخاصّة الإدراك العادي للعرش نفسه الذي يُنْظَر إليه بصفته مكانا لجلوس الملك. العرش رمز للقوّة التي لا تقبل النقاش، والتي تعززها الانخراط المقتنع للساكنة. هو الصفة المركزية للجلالة التي لا يجادل فيها أحد. يخبرنا النّصّ القرآني بأنّ:» الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثمّ استوى على العرش». فلا شيء يعبّر تعبيرا أفضل عن السلطة التي تميّز السّيّد عن باقي الرؤساء والطامعين من كلّ الأصناف، من الجلوس على العرش. لا ينبغي أن ننسى بأنّ توظيف هذه الصورة المَلَكيّة للحديث عن الله، في بداية الإسلام، يجد تفسيره أوّلا في الرغبة في استهجان وإبعاد الآلهة العربية القديمة التي رفضتْها بشدّة الجماعات التي آلتْ إلى التوحيد. فالله إذن هو العزيز القويّ، وهو مالك كلّ السُّلط بخلاف الآلهة الأخرى التي لم يعد بإمكانها ادّعاءها. فالعرش هو رمز السلطة وعلامتها حيث تكون لها السيادة. وحتّى يوم القيامة، الذي يكون فيه الله هو المَلِك الأوحد، يتمّ التعبير عنه بالاعتماد على هذه الصورة، صورة السّيّد محمولا على عرشه الذي تحملُه الملائكة من كلّ جانب. إنّ الاعتماد على هذا اللفظ للحديث عن الألوهية يجد مبرّره في البُعد البعد الديداكتيكي في إبراز السّيادة الإلهية، والكشف عن تشخيص ملموس لها. فالعرش بالفعل هو التّحكّم. ذلك أنّ الجلوسَ عليه باعتباره سيّدا معناه أنّ سلطته توجد في أوْجها، وأنها بلا مُنازع فوق كلّ السُّلط وكلّ شيء. ولا شيء آخر يمكنه التعبير بصورة أفضل عن سلطة المَلِك من هذه الإحالة. وقد كان مبعوثو الملك سليمان قد انبهروا بعظمة بلاط ملكة سبأ وقوّتها، وعبّروا عن ذلك بعبارة:» لها عرش عظيم» (1) . تنحدر ملكة سبأ، حسب رواة الأخبار، من سلالة تتكوّن من أربعين ملكا، سلالة طويلة تدعم وتقوي شرعيتها الملكية. كما نقرأ في كتب التفسير وصفا لعرشها الذي «يبلغ ثمانين ذراعاً في ثمانين، وسمكه ثمانين، وقيل ثلاثين مكان ثمانين، وكان من ذهب وفضة مكللا بأنواع الجواهر، وكانت قوائمه من ياقوت أحمر وأخضر ودُرٍّ وزمرّد...» العرش، حسب الإمام الرازي، «يعبر به عن الملك، يقال الملك قعد على سرير المملكة بالبلدة الفلانية وإن لم يدخلها « (2) . العرش إذن ليس مجرّد شيء، بل هو أساسا رمز المُلْك. وبالتالي فليس الهدف من وراء حجْمه وفخامته سوى التعبير بشكل ملموس للشعب عن درجة السيادة والقوّة. في هذا السياق ينبغي فهم الوصف الذي أُعطِي لعرش ملكة سبأ. وتبرز ذلك بشكل قويّ الإحالة على فخامة العرش الإلهي: «وسع كرسّيه السماوات والأرض» (3) . صورة الكرسيّ المَلَكيّ لا تُعتبر هنا سوى استعارة للتعبير عن السُّلطان والمُلك. فالعرب يسمون أصل كل شيء باسم كرسي ؛ ثم إنّ الكلمة قد تشير حتى إلى شخص الملك ذاته، مادام الأمر يتعلق بمقعده: « العرب يسمون أصل كل شيء «الكرسي»، وتارة يُسمى الملك بالكرسيّ (4) . في الحقيقة، يفترض إدراك مفهوم العرش تجاوز تمثّله المادّي المحْض. العرشُ الإلهيّ يرتسم في البعد اللاّنهائي، وهو في اللغة العربية المرادف المثالي للعرش الدّنيوي. فالبشر لا يعرفونه إلاّ من خلال الاسم. أما العرش المَلَكيّ، فإنه يجد كلّ هيبته وفخامته، في هذا المنظور نفسه دائما، داخل هذا المفهوم بعيدا عن أيّ بُعد مادّي. لأنّ من شأن هذه المادّية أنْ تختزله إلى مجرّد شيء ملموس، أيْ إلى مجرّد «سرير»، وهو التعبير الأكثر استعمالا للحديث عن العرْش. ومن ثمّ، فإنّ العَرْشَ المَلَكيّ، الذي يُعتبر أساسا وبصورة مثالية شيْئا لامادّيا، يعاني بسبب تحوّله ذاته. ولهذا السبب بالضّبط ينبغي الوقوف عند هذه الصعوبة المُلازمة للتشييء الذي يطمس معنى كلمة «عرْش»، وبالتالي تنقص كثيرا من دلالة الاحتفال به حين نجهل أسسه. ويوضّح تشكّل العرش المَلَكيّ هذه الوضعية. العرش عنصر يرتكز على الارتفاع وليس على اليابسة؛ إنه بلا جدل، وبحكم أصله ذاته، فوق البشر. العرش يشملهم برعايته، ويحميهم من الحرارة المفرطة للصحاري الموحشة بشبه الجزيرة العربية. العرش يضمن الإبقاء على قيْد الحياة حيث الشمس القاسية بالنسبة للفرد المعزول المحتاج إلى الرعاية. إنها سمات تُسند إلى الشخص الملكي، والتي تأتي إليْه قادمة من بعيد. ويؤكد الاشتقاق اللغوي هذا التصوّر، فالعرش هو السرير، والعريش «ظلة من شجر أو نحوه» (5)؛ كما يتحدثون عن العروش، أو بيوت مكّة، مادام الجذر اللغوي يحيل على مدينة مكّة ذاتها (6 ) . كما يدل العرش على الرأس. فبما أن كلمة «عرش» تسمح بالإشارة إلى الخيمة أو البيت البدوي، وحتى إلى القصر، فإنه من الوارد جدا أنّ الكلمة انطبقت، في البدء، على الأشدّاء الذين كانوا يهيْمنون على الواحات، ويمنحون المعوزين الفقراء الطعام والشراب. هكذا يدخلون، باعتبارهم مموّني الظل، أي العلف والرّعاية، إلى الرئاسة. إنّ أصل سلطتهم، هذه الوظيفة التوزيعية، أسندت إليهم صفة «عرش» التي انتهت إلى الدلالة على السلطة لا غير، وبخاصة السلطة العليا، سلطة الملوك، وبعدها سلطة الله. وهكذا، فإن العرش، بجميع هذه الدلالات، يجب أن يحتفظ بمظهره الجوي وعظمته اللذيْن يسكنان التمثلات الشعبية منذ البدء. وليس من باب الصدفة أننا نقول :»نزل الملك عن عرشه» للتعبير في الوقت ذاته عن المكان السامي الذي يجلس فيه. فلا يتعلّق الأمر بكرسيّ عادي، وإنما بعرش يغدو، عند تفكيك بِنْيته الجينيالوجية، علاقة اجتماعية قويّة تعزّزها العلاقة المتبادَلة بين الملك ورعاياه. العرش هو البيت، وبالتالي يعبّر عن وحدة الجماعة وملاذها. وهو بذلك يعمل على تكثيف خصوصيتها وطبيعتها وخصائصها الثقافية، بل وحتى منطقتها الترابية. غير أنّ البيت ليس فقط رمْزا لوجود حدّ ثقافيّ وفضائيّ، بقدر ما هو تعبير عن طبيعة العلاقة بالمَلَكيّة وبالمَلِك. البيت هو مكان العائلة، وبالتالي فهو فضاء تسود فيه علاقات القرابة كما يسود فيه قرْب كبير يكرّسه الوَلاء. وما يزال هذا المعنى موجودا في بعض العبارات من مثل: «الدّار العالية بالله». فالعرشُ ينطوي، في جذوره، هذا المعنى الذي توارى في التمثّلات الشعبية أمام البريق المتزايِد للبيوت الَملَكيّة، وتوسّع الجماعات. ذلك لأنّ العرش كان بكلّ بساطة هو ذلك البيت الكبير الذي يفتح أبوابه في وجه التابعين له، أيْ منذ البدء في وجه الفقراء والمعوزين، والذي يوزّع دون احتساب أيام المجاعة القاسية، ولا يترك الفقير محتاجا. فهذا السقف، وهذه الرعاية، وهذا المَيْل الطبيعي نحو التوزيع، هو الذي كانت تشير إليْه في البدء كلمة «العرش»، حتى خلال تكوُّن المَلَكية. ومن ثمّ، فإنّ المُلاحِظَ الذي يختزل العرش في مجرّد كرسيّ، مهما كانتْ فخامته وأبّهته، لا ينتبه إلى معناه الحقيقيّ الذي هو أساسه الحقيقيّ. 1 سورة المرسلات، الآية 23 2 الرازي، المجلد الثالث عشر، الجزء الأول، ص. 148 3 سورة البقرة، الآية 255 4 الرازي، المجلد الرابع، الجزء الأول، ص. 11 5 جمهرة اللغة، الجزء الثاني، ص. 728 6 كراع، ص. 105