"الجامعة" تنفي استقالة وليد الركراكي    وزارة الداخلية: إجلاء ونقل أكثر من 154 ألف شخص من المناطق المهددة بالفيضانات    المغرب يتعادل مع ليبيا ويخسر فرصة لقب دوري شمال إفريقيا تحت 16 سنة    "فدرالية اليسار" تطالب الحكومة بحماية الحقوق التاريخية والاجتماعية لساكنة قصر "إيش" بإقليم فجيج    من الجمعة إلى الأحد.. أمطار رعدية مع احتمالية تساقط البرد ورياح عاصفية    شفشاون أكثر المدن استقبالا للأمطار في 24 ساعة    اتحاد طنجة لكرة السلة يتعاقد مع مدرب بلجيكي    نشرة جوية إنذارية برتقالية في المغرب    مشروع قانون المحاماة يرفع حدة المواجهة بين هيئات الدفاع ووزارة العدل    مع اقتراب اختتام الشطر الأول.. الإثارة تتصاعد في مقدمة الترتيب    إحباط محاولة تهريب 5 أطنان و600 كلغ من مخدر الشيرا بالكركرات    البنك الإفريقي يدعم تعميم الأداء الإلكتروني بالمغرب ب510 آلاف دولار        عودة الهدوء إلى منطقة "إيش" بفكيك    الجولة ال11.. الرجاء يطارد الصدارة والنادي المكناسي يراهن على الأرض والجمهور    الأرصاد: الشتاء الحالي ثالث موسم مطير منذ عقود واستقرار جوي الثلاثاء    كُلُّنا ذاك الإنسان في مهبِّ الطوفان !    بدء مفاوضات إيرانية أمريكية في سلطنة عمان    بتوقيع مذكرتي تفاهم..الاتحاد العام لمقاولات المغرب يعزز التعاون الدولي مع الصين    قتلى وجرحى في تفجير مسجد بباكستان    اتفاق منحة بين مجموعة البنك الإفريقي للتنمية وبنك المغرب لتطوير المدفوعات الإلكترونية وتعزيز الشمول المالي    مستشارو "فيدرالية اليسار" ينتقدون اختلالات جماعة أكادير    الفيضانات موعظة من السماء أم اختبار من الله؟    قضية نغوموها تكلف ليفربول ملايين الجنيهات لصالح تشيلسي    أسطول الصمود العالمي يعلن إطلاق "أكبر تحرك" لكسر حصار غزة    جمعية "عدالة": منطق التخويف يحل محل تشجيع التبليغ عن الفساد في المغرب    الانخفاض يفتتح تداولات بورصة الدار البيضاء    المغرب واجتماع المعادن الاستراتيجية والنادرة    النفط يواصل التراجع مع انحسار المخاوف بشأن الإمدادات        الجليد يوقف حركة الطيران بمطار برلين    الوداد يشدّ الرحال إلى كينيا استعدادًا لمواجهة نيروبي يونايتد        تقرير رسمي: عدد مستخدمي الإنترنت في الصين يبلغ 1.125 مليار شخص    أسعار الذهب والفضة يتجهان لتراجع أسبوعي وسط قوة الدولار    كأس إسبانيا.. أتلتيكو مدريد يفوز على بيتيس بخماسية ويتأهل لنصف النهاية    النقابة الوطنية للصحة تعلن تضامنها المطلق مع ضحايا الفيضانات وتؤكد جاهزيتها لخدمة المواطنين المتضررين    باريس تحقق مع جاك لانغ بشأن إبستين    العثور على جثة شرطي متقاعد داخل شقته بطنجة    "عمرة وهمية" تستنفر شرطة مراكش    قصر إيش... شاهد حي على مغربية الأرض وعمق التاريخ في الجنوب الشرقي للمملكة    مخزون الوقود يسد حاجيات المغرب    رواية محمد سعيد الأندلسي: "لعنة الدم الموروث" ثلاثية كاملة تغطي الماضي والحاضر والمستقبل    مراجعة ArabTopCasino ما الذي يقدمه الموقع وكيف هو منظّم ولمن هو موجّه    مركز التنّور يصدر كتاب (Critical Inflections) لسناء الشّعلان    رمضان على القناة الثانية.. برمجة استثنائية تحتفي بالإنتاج الوطني    رحيل مفاجئ للشاف "كيمو"    لأول مرة.. رئة صناعية تبقي مريضا على قيد الحياة 48 ساعة    الموت يغيّب الشاف كمال اللعبي «كيمو»        "ريمالد" ترصد تحولات حق الإضراب    دراسة: الأطعمة فائقة المعالجة ترفع خطر وفاة مرضى السرطان    شهادات ليلة البرق..ورسائل الرعد للغافلين    دراسة علمية تكشف علاقة وضعية النوم بتدهور بصر مرضى الجلوكوما    علماء يحددون جينات تحمي المسنين من الخرف    من يزرع الفكر المتشدد في أحيائنا؟    طارت الكُرة وجاءت الفكرة !    محاضرة علمية بطنجة تُبرز مركزية الإرث النبوي في النموذج المغربي    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



من الأسئلة المؤرقة .. البرلمان الجهوي في ضوء مقترح الحكم الذاتي بالصحراء

يعتبر إشراك المواطنين في تدبير الشؤون العامة، من خلال مؤسسات تمثيلية؛ مظهرا من مظاهر الممارسة الديموقراطية الحديثة.
وقد شكل ظهور المؤسسات التشريعية مدخلا مهما للحد من مظاهر الاستبداد والحكم المطلق الذي شهدته العديد من الدول في الماضي، ولتدشين مبدأ الفصل بين السلطات؛ وبخاصة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن البرلمان هو هيئة منتخبة تمارس مهام التشريع ومراقبة العمل الحكومي وتسطير السياسات العامة للدولة.
وقد شهدت هذه المؤسسة تطورا ملحوظا تراوح في أهميته وفعاليته تاريخيا بين المد تارة والجزر تارة أخرى.
(*) د.إدريس لكريني
ارتبط ظهوره البرلمان بتطور الممارسة الديموقراطية الغربية، حيث كان بمثابة آلية لمراقبة مالية الدولة ومواجهة شطط الحكام خلال فترة القرون الوسطى؛ ووسيلة لتقييد سلطات الملكيات المطلقة وبخاصة في بريطانيا؛ قبل أن ينتشر في مختلف دول العالم.
وهو يتشكل من عدد محدد من الأعضاء المنتخبين أو المعينين؛ وقد يتم الجمع بينهما؛ كما تتكون من غرفة واحدة أو من غرفتين أو من برلمانات جهوية متعددة.
ففي الدول الفيدرالية أي المركبة، يعتبر نظام الغرفتين أو المتعدد أمرا عاديا؛ تفرضه طبيعة هذا الشكل من الدول، كما هو الشأن بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية وكندا والهند والاتحاد السوفييتي سابقا..
وتحت تأثير التطورات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.. ظهرت البرلمانات الجهوية في مختلف الدول؛ كسبيل لإشراك السكان في تدبير شؤونهم المحلية بشكل موسع وأكثر فعالية؛ وهو يسمح بالأخذ بعين الاعتبار لمجموعة من المعطيات والخصوصيات المحلية بما يتيح تطوير الأداء التشريعي محليا بشكل يتكامل مع المؤسسات التشريعية الوطنية ويعزز عملها..
وبخاصة وأن نظام الجهوية بآلياته وصلاحياته وإمكانياته التي تتباين بحسب طبيعة وخصوصيات الدول؛ أضحى من أبرز السمات التي تميز الأنظمة السياسية والإدارية الديموقراطية المعاصرة.
فهو أسلوب يقوم على منح صلاحيات واختصاصات محددة لأقليات اجتماعية أو عرقية أو ثقافية أو سياسية.. داخل وحدات ترابية محددة تسمى بالجهات.. تسمح باختيار من يمثلهم سياسيا واقتصاديا واجتماعيا داخل أجهزة الجهة ومؤسساتها التنفيذية والقضائية والتشريعية بشكل حر وديمقراطي.. اتبعته مختلف الدول كسبيل للمحافظة على سيادتها ووحدتها من جهة وفتح آفاق واعدة على مستوى التنمية المحلية.
وتحفل الممارسة الدولية بهذه النماذج التشريعية، ففي الولايات المتحدة الأمريكية وبرغم أهمية التشريع الفدرالي وسريانه على جميع الولايات؛ فإن البرلمانات الجهوية تستأثر بهامش مهم على مستوى التشريع داخل الولايات.
وتكتسي التجربة الإيطالية أهمية كبرى في هذا الشأن؛ حيث تتمتع فيها الجهات باختصاصات واسعة؛ تطال الجوانب التنفيذية والتشريعية، غير أن الدستور الإيطالي حدد مجال ممارسة الجهات لصلاحياتها التشريعية ضمن اختصاصات أوردها على سبيل الحصر؛ مما يجعل البرلمان المركزي هو صاحب الاختصاص العام والأساسي في المجال التشريعي.
اختار المغرب منذ حصوله على الاستقلال اعتماد نظام برلماني كأحد الخيارات السياسية والدستورية؛ الأمر الذي تجسد في دستور 1962 الذي أسس لنظام الغرفتين في التجربة البرلمانية الأولى (مجلس للنواب: منتخب بالاقتراع العام المباشر، ومجلس للمستشارين: منتخب بالاقتراع غير المباشر)، قبل أن يتم اعتماد نظام الغرفة الواحدة بموجب دستور سنة 1970 والتي تكون فيها المجلس من 240 عضواً، ينتخب تسعون منهم بواسطة الاقتراع العام المباشر، فيما ينتخب الباقون بالاقتراع غير المباشر (مدة العضوية ست سنوات).
وبموجب مقتضيات دستور 1972 تم الإبقاء على نظام الغرفة الواحدة، التي أضحت مشكلة من ثلثين من الأعضاء ينتخبون بالاقتراع العام المباشر، والثلث الباقي ينتخب بالاقتراع غير المباشر(حددت مدة العضوية فيه بأربع سنوات)، قبل أن تتم العودة من جديد إلى نظام الغرفتين بمقتضي دستور سنة 1996، حيث أصبح مجلس النواب ينتخب بالاقتراع العام المباشر، ومجلس المستشارين ينتخب بالاقتراع غير المباشر؛ ويتشكل هذا الأخير من 270 عضوا منتخبا بالاقتراع غير المباشر، يتم انتخاب 120 عضوا منهم - أي ثلاثة أخماس- على مستوى كل جهة من جهات البلاد من طرف هيئة ناخبة تتكون من ممثلي الجماعات المحلية.
وانسجاما مع مقتضيات الفقرة الثالثة من مشروع الحكم الذاتي في الصحراء الذي تقدم به المغرب كحل لتسوية النزاع؛ التي تؤكد على أن المبادرة في مجملها تندرج في «إطار بناء مجتمع ديموقراطي حداثي، ترتكز على مقومات القانون والحريات الفردية والجماعية والتنمية الاقتصادية والاجتماعية..»؛ جاء المقترح المغربي غنيا بمجموعة من المقتضيات الأخرى التي تسمح بتمثيل ديموقراطي للسكان؛ وهو ما تم التأكيد عليه في الفقرة 12 من المشروع التي خولت للسكان إمكانية تدبير شؤونهم بأنفسهم داخل الحدود الترابية للجهة بواسطة هيئات تنفيذية وتشريعية وقضائية، تمارس عدة اختصاصات وفق المبادئ والقواعد الديموقراطية في عدة مجالات وميادين تتعلق بالتشريع والإدارة المحلية والشرطة المحلية ومحاكم الجهة، أو التنمية الاقتصادية والتخطيط الجهوي وتشجيع الاستثمارات والتجارة والصناعة والسياحة والفلاحة؛ والمالية المحلية أو بالتجهيزات والبنيات الأساسية التحتية كالطرق والمنشآت المائية والكهربائية والنقل والأشغال العمومية، أو تعلق الأمر بمجال السكن والتربية والصحة والتشغيل والرياضة والضمان الاجتماعي والرعاية الاجتماعية والتنمية الثقافية؛ بما في ذلك النهوض بالتراث الثقافي الصحراوي الحساني.. والبيئة.
ويبدو من خلال هذه الصلاحيات المتاحة لسكان المنطقة؛ أنها تطال قطاعات حيوية كفيلة ببلورة تنمية محلية حقيقية تنبثق من إرادة السكان أنفسهم وتركز على الإنسان باعتباره وسيلة وهدفا لها..
ولتعزيز هذه الصلاحيات ومنحها معنى ودلالة واضحتين؛ حرص المشروع في فقرته الخامسة على التأكيد بأن المبادرة ستضمن للسكان مختلف الإمكانيات المالية الضرورية «المستخلصة من الضرائب والرسوم والمساهمات المحلية، والعائدات الناتجة عن استغلال الموارد الطبيعية المرصودة للجهة، وجزء من العائدات المحصلة من طرف الدولة المتأتية من الموارد الطبيعية التي تزخر بها الجهة، وعائدات ممتلكات الجهة»؛ اللازمة لتنمية الجهة في كافة المجالات.
وضمن هذا الإطار؛ يحظى البرلمان الجهوي الذي أكد عليه المشروع؛ بمجموعة من الصلاحيات والسلط الهامة؛ التي تتيح ممارسة مهامه المتصلة بسن التشريع وإعمال المراقبة ضمن إطار الجهة، في انسجام وتكامل مع الدستور والتشريعات وباقي المؤسسات الدستورية الوطنية الأخرى.
وكما هو متعارف عليه في العديد من التجارب الدولية المقارنة، فمن المنتظر أن تفتح هذه المؤسسة الجهوية آفاقا واعدة أمام التشريع الوطني تسمح بإغنائه وتخفيف العبء عنه في مختلف المجالات والقطاعات.. ضمن إطار سياسة القرب..
وحرصا على تمثيل مختلف الأطياف والفعاليات المحلية في هذا الجهاز الحيوي؛ ومن منطلق الوعي بخصوصية المكونات الاجتماعية بالمنطقة؛ أكدت الفقرة 19 من المشروع على أن برلمان الحكم الذاتي للصحراء؛ يتكون من أعضاء منتخبين من طرف مختلف القبائل الصحراوية، وكذا من أعضاء منتخبين بالاقتراع العام المباشر من طرف مجموع سكان الجهة ضمن ممارسة ديموقراطية؛ ووعيا منه أيضا بأهمية تأهيل المرأة باعتبار مدخل ملائم لمعالجة مختلف الإشكالات والمعضلات السياسية والاجتماعية والاقتصادية.. الكبرى؛ حرص المشروع على أن تتضمن تشكيلة المجلس نسبة ملائمة للنساء.
وقد أشارت الفقرة 22 من المشروع على أنه «يجوز للبرلمان الجهوي أن يحدث محاكم تتولى البت في المنازعات الناشئة عن تطبيق الضوابط التي تضعها الهيئات المختصة لجهة الحكم الذاتي للصحراء؛ وتصدر هذه المحاكم أحكامها بكامل الاستقلالية وباسم الملك». ويبدو من خلال هذه الفقرة أن المشروع فتح للساكنة إمكانيات هائلة وآفاقا واسعة على طريق تدبير مختلف شؤونها وتقرير اختياراتها؛ وبخاصة إذا ما استحضرنا أهمية دور القضاء وإسهاماته في بناء الثقة بالمؤسسات الوطنية منها والمحلية..
وبالنظر إلى الصلاحيات الهامة المتاحة لهذا المجلس وطبيعة تشكيلته المنتظرة التي ستسمح بتمثيل ديموقراطي وموسع للساكنة المحلية؛ واقتران ذلك بالإمكانيات المالية الضرورية؛ فإنه يعد إنجازا على طريق ممارسة منفتحة لحق تقرير المصير؛ ولعل هذا ما تفسره ردود الفعل الدولية الواسعة التي رحبت بهذا المشروع.
وحتى تظل آصرة التواصل مستمرة في إطار الوحدة بين ساكنة المنطقة والوطن الأم؛ ضمن إطار المشاركة السياسية والإسهام في صناعة القرارات الوطنية، جاء في الفقرة الثامنة عشر من المشروع؛ على أنه: «تمثل ساكنة جهة الحكم الذاتي للصحراء في البرلمان وبباقي المؤسسات الوطنية، وتشارك في كافة الانتخابات الوطنية».
ومن جهة أخرى؛ وتفاديا لأي إقصاء لجميع مكونات سكان المنطقة؛ وأخذا بعين الاعتبار إمكانية التحاق عدد من الصحراويين إلى أرض الوطن في أفق تطبيق المشروع؛ تحدثت الفقرة الرابعة من هذا الأخير؛ على أن المملكة المغربية تكفل «من خلال هذه المبادرة، لكافة الصحراويين سواء الموجودين في الداخل أو الخارج، مكانتهم اللائقة ودورهم الكامل في مختلف هيئات الجهة ومؤسساتها، بعيدا عن أي تمييز أو إقصاء».
وتقديرا لحق السكان في التعبير عن رأيهم إزاء هذه المبادرة؛ أكدت الفقرة 27 من المشروع على أن نظام الحكم الذاتي للجهة يكون «موضوع تفاوض، ويطرح على السكان المعنيين بموجب استفتاء حر؛ ضمن استشارة ديموقراطية...»؛ كما أكدت الفقرة الثامنة منها على أن نظام الحكم الذاتي، الذي سيتمخض عن المفاوضات، «يخضع لاستشارة استفتائية للسكان المعنيين، طبقا لمبدأ تقرير المصير ولأحكام ميثاق الأمم المتحدة».
ولذلك لوحظ أن المشروع لم يشر بتفصيل مدقق إلى الاختصاصات التي ستخول للسكان في هذا السياق، وذلك لإتاحة الفرصة في هذا الصدد لما قد يتم بلورته من معطيات ومقترحات تفصيلية بناءة ستعززه؛ من خلال المفاوضات المباشرة بين الطرفين.
(*) أستاذ الحياة السياسية في كلية الحقوق بمراكش


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.