أخنوش: اتخذنا قرارات شجاعة ونقدم حصيلتنا "برأس مرفوع" رغم المراهنة على فشلنا    حموشي يعزز التعاون الأمني مع السويد ويوقع مذكرة لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة    أرباب النقل الدولي بالمغرب يخوضون إضرابا مفتوحا، بسبب القيود والعراقيل الأوروبية    تنظيم مجلس فيدرالي موسع بطنجة    البرتغال ضيف شرف الملتقى الدولي للفلاحة بمكناس    الأمم المتحدة: نحو 7900 شخص لقوا حتفهم أو اختفوا على طرق الهجرة في العام 2025    ترامب: لا أريد تمديد وقف إطلاق النار    البصمة المغربية في لا ليغا – من نيبت إلى النصيري    مناهضة العنف ضد الأطفال ضمن أولويات وزيرة التضامن    وفاة الفنانة الكويتية حياة الفهد بعد مسيرة حافلة من العطاء    اختتام استثنائي لفعاليات الدورة التاسعة (9) لملتقى "مشاتل الأبجدية"    الدورة الثالثة لمهرجان سينما المرأة والطفل تكرم عهد بنسودة    المشروع التأليفي لعبد الجليل الأزدي: تنوّع الحقول ووحدة الرؤية    بوريطة يشارك في اجتماع الدورة غير العادية لمجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري لبحث الهجمات الإيرانية ضد الدول العربية    السكر العلني والخيانة الزوجية يقودان رجلًا وسيدة إلى سجن الحسيمة    الموسم الفلاحي.. توقع بلوغ محصول الحبوب نحو 90 مليون قنطار    مشرع بلقصيري: العثور على جثة شاب مقتولاً في ظروف غامضة بدوار أمغيطن    لبؤات الأطلس يتقدمن في تصنيف فيفا    تقرير: أزيد من 17 ألف جمعية مغربية تستفيد من دعم عمومي فاق 5.6 ملايير درهم    الفنانة فاطمة دويميك تؤطر ورشة "المسرح والتعبير الجسدي" بمشرع بلقصيري    حرب غرب آسيا "الأخيرة".. من هنا يبدأ التحول؟    وقفة احتجاجية أمام محكمة الاستئناف بتازة دعما للرابور "الحاصل"    خالي عثمان (2/2)    بورصة الدار البيضاء تستهل تداولاتها بأداء إيجابي    وزيرة الانتقال الرقمي: اعتماد الساعة الإضافية مؤطر بمرسوم ملكي ونصوص قانونية واضحة    الدورة ال16 من سباق النصر النسوي..    المحمدية في حاجة إلى "رؤية تنموية".. إغلاق المصانع وتفشي البطالة يعمّقان أزمة مدينة كانت في قلب الصناعة المغربية        حرب الريف.. مئة عام والجرح لم يندمل والذاكرة لم تُهزم    إسماعيل باعوف مرشح لجائزة "الدرع الذهبي" في دوري الدرجة الثانية الهولندي    شوكي: نتحمّل مسؤولية الحصيلة كاملة.. والإصلاح مسار سيادي متواصل    الأمم المتحدة.. هلال يعزز الشراكة الاستراتيجية بين لجنة تعزيز السلام والبنك الدولي    رئيس نيكاراغوا: ترامب مصاب ب"اختلال عقلي"    مانشستر يونايتد يخطط لضم تشواميني لتعويض كاسيميرو    المغرب الفاسي يعزز حضوره الإفريقي عبر شراكات كروية في ساحل العاج    طقس الثلاثاء.. تشكل سحب منخفضة وضباب محلي    كيوسك الثلاثاء | الحملات الطبية لوكالة بيت مال القدس تكسر العزلة عن القرى النائية    جنود يابانيون يفارقون الحياة في تدريب عسكري    "التلفزيون الإيراني": لم يغادر أي وفد حتى الآن إلى باكستان لحضور محادثات السلام مع أمريكا    وكالة الطاقة الدولية: حرب إيران تتسبب في أكبر أزمة طاقة على الإطلاق    حسن مرزوقي: جهة سوس ماسة تراهن من خلال مشاركتها في معرض مكناس على الشراكات والاستثمار وتعزيز الفلاحة المستدامة    سوس ماسة: 12 مليار درهم رقم معاملات للسلاسل التصديرية و2.5 مليار للفلاحة التضامنية    ملتقى الفلاحة بمكناس: مشاركة 70 بلدا و1500 عارض واستقبال مرتقب ل1.1 مليون زائر    توقيف شخص بطنجة في قضية تتعلق لترويج المخدرات والمؤثرات العقلية    إياب نصف نهائي كأس الكونفدرالية .. اتحاد العاصمة يسرق التأهل من قلب المسيرة وحلم آسفي يتبخر في ليلة مشحونة    أخبار الساحة    34 ألف مستفيد من أداء مناسك الحج لموسم 1447ه    بين خفض التكاليف والرقمنة.. وزير الأوقاف يستعرض حصيلة ومستجدات موسم الحج    أكاديمية المملكة تنظم الدورة ال 51    مخاوف من ظهور سلالة فرعية من متحور أوميكرون..    الأسبوع العالمي للتلقيح.. وزارة الصحة تجدد التأكيد على مجانية اللقاحات وضمان استدامتها    موكب الزهور يرسم لوحة نابضة بالحياة في هولندا    النمسا: العثور على سم فئران في عبوة طعام أطفال من شركة هيب    بدء توافد ضيوف الرحمن إلى السعودية لأداء فريضة الحج    معراج الحلاج    السلطات الإسبانية تحذر مستهلكي سبتة من منتوج سلمون ملوث            







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



هل تعد السياحة نقمة على السكان المحليين؟
نشر في الأيام 24 يوم 03 - 06 - 2024

على لافتة خشبية بدائية الصنع نُقشت عبارة بأحرف سوداء تقول: "في كل مكان يقع نظرك عليه، يكون من حولك الأجانب". وقالت الشرطة الإسبانية إنه كان هناك 10 آلاف متظاهر نزلوا في شوارع بالما في جزيرة مايوركا مع نهاية الأسبوع الأخير من شهر مايو أيار، مع بداية موسم العطلات الصيفية. ويمتلك هؤلاء مشاعر سلبية تجاه السياحة التي يرون أنها تجعل الحياة في بالما، عاصمة الجزيرة الأسبانية، غير قابلة للعيش بالنسبة لقاطنيها. ولكن لماذا تضيق ذرعا الآن تلك المجتمعات بالزائرين الأجانب وهي التي دأبت على مدار عقود من الزمن على استضافتهم بأعداد كبيرة وكان ذلك هو السمة السائدة بها؟ تبدو الإجابة على هذا السؤال معقدة. لكن من المؤكد أن هناك لوما ما يقع في ذلك على تأثيرات جائحة كورونا. غير أن ذلك لا يعفي حقيقة أن عددًا أكبر من الأشخاص على مستوى العالم بات بمقدوره تحمل نفقات السفر. وهنا تُطرح أسئلةٌ كبيرة بخصوص مستقبل السياحة القادم. فمن المتوقع أن يشهد عام 2024 الجاري رواجا سياحيا قياسيًا متجاوزًا الرقم القياسي السابق الذي حققه العام 2019. ويبدو أن صناعة السفر والسياحة عادت بزخم كبير بعد الوباء، مع زوال أي شكوك باقية حول سلامة السفر الآن. وفي أرخبيل البليار الإسباني في المتوسط- والذي يشمل عدة جزر بينها مايوركا - ساهمت حالة التعطش للسفر غير المشروط بعد انحسار الوباء في ارتفاع أسعار الإيجارات العقارية وهو ما كان من شأنه تكدير وإزعاج صفو المواطنين المحليين الذي يقولون إنهم أصبح يصعب عليهم العيش في أماكنهم. ونقلت هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) قصة طاهٍ من جزيرة إيبيزا والذي اضطر مرغما للعيش في سيارته طوال السنوات الثلاث الماضية بسبب معدلات إيجار المساكن والتي يقال أيضًا إن الممرضات والأطباء وضباط الشرطة يكافحون بدورهم من أجل تحمل كلفتها. ومن هنا ليس من الصعب الوقوف على ذلك السبب الذي يجعل السكان المحليين يشعرون كما وأنهم مجرد عناصر إضافية في مسلسل عن حياتهم اليومية. وعلى الرغم من أعباء الركود، فإن المزيد من الشرائح والفئات المجتمعية في الغرب أصبحت بإنتظام قادرة على الإنفاق السياحي ولديها إمكانية تحمل أسعار السفر بل إن بعضها باتت تعتبر ذلك ضمن ميزانيتها الرئيسية وحقاً افتراضيا من حقوق الإنسان . Getty Imagesهذه اللافتة التي حملها المتظاهرون ضد السياحة المفرطة في بالما دي ماريوركا مكتوب عليها "اينما تدير نظرك، يكون هناك أجانب"
* ما هي التغيرات الإيجابية التي طرأت على كوكب الأرض بسبب الوباء؟
على بعد حوالي 1500 ميل من مايوركا، في جزر الكناري، لا يختلف الحال كثيرا. تعد جزر الكناري وجهة جذب للبريطانيين وأصبحت السياحة فيها من أضلع الاقتصاد الحيوية هناك ومكوناته. واليوم يساهم القطاع السياحي وخدماته بنحو 35% من الناتج المحلي الإجمالي ويؤمن 40% من الوظائف . لكن معضلة تكاليف الأقامة باتت ترهق هنا أيضًا السكان المحليين. بدأ كريس إلكينغتون، وهو مدير تحرير صحيفة أسبوعية محلية ناطقة بالإنجليزية اسمها، The Canarian Weekly، حياته في كبرى جزر الكناري، تينيريفي، في عام 1991 كأحد مندوبي السفروالسياحة الجهويين الشباب، تحت ال30 عاما. وقد شهد نمو ذلك القطاع مع مرور السنين. لكن النمو المفرط غير المنضبط يأتي بنتائج سلبية: أسعار الإيجارات شبه خياليه ما ترك من يعيشون في الأماكن السياحية يعانون. وأوضح إلكينغتون أنه وبسبب الطلب الحاصل في أماكن العطلات فإن الزيادة المطردة في قيمة الإيجارات العقارية كان لها عقباتها. فقد انسحب العديدُ من العاملين في المجالات ذات الصلة بالخدمات والضيافة بسبب صعوبة التأجيرفي مناطق الجذب السياحي حيث يعملون، لاسيما أن جزر الكناري كمنطقة تُصنف أنها ذات أجور متدنية مقارنة بسائر أنحاء أسبانيا. ويقول: "أصبح الكثير من ملاك العقارات الآن أكثر فهما ويتجنبون الإيجار طويل الأجل ويفضلون عليه الإيجارات على المدى القصير للوافدين الراغبين في تمضية العطلة عبر منصات الإنترنت المخصصة لذلك". "لقد انخفض العدد الفعلي للعقارات المتاحة بشكل كبير وارتفعت الأسعار أيضا بشكل كبير. ولسوء الحظ، أصبح العثور على مكان للإقامة مكلفًا للغاية". لكن أسعار سوق الإيجارات العقارية في جزر الكناري، لا تعد هي الإشكالية الوحيدة في هذا السياق. فهناك أيضا تأثير السياحة على النظام البيئي والذي ينظر له البعض على أنه غير محتمل على نحو متزايد. ويشير إلكينغتون هنا إلى الاحتياج الفائق من قبل الأماكن السياحية، التي تضم عددا كبير من المرافق الفندقية وحمامات السباحة بمبانيها، إلى كميات من المياه تفوق بستة أضعاف ما يتم استهلاكه في المناطق العمرانية، على حد ما ذكره. ويقول: "إنهم يتوسعون في تشييد الفنادق وتشريع الأبواب أمام السياح". "لكن لسوء الحظ فإن الموارد المتاحة لا يمكنها فعليًا تلبية التوقعات." وفي مظاهرة جرت في نهاية أبريل/نيسان وشارك بها 20 ألف شخص، قال متحدث باسم مجموعة تسمي نفسها "لقد ضجت جزر الكناري" إن الوضع وصل إلى عتبة حرجة: "لقد بلغنا النقطة التي يختل عندها التوازن بين تنظيم الموارد والاستمتاع، خاصة خلال العام الماضي". في مدينة البندقية (فينيسيا)، في شمال شرق إيطاليا، وهي الوجهة المدرجة على قائمة اليونسكو للتراث العالمي، اعتادت المعلمة مارتا سوتوريفا استقلال قاربٍ صغير واعتراض سفن الرحلات البحرية الضخمة المحملة بآلاف المسافرين التي اعتادت بانتظام مواصلة الإبحار عبر القنوات المائية التي تشتهر بها المدينة العائمة. ولم تذهب جهود مارتا وغيرها هباء، إذ صارت تلك السفن تحط رحالها عند الميناء الصناعي بالمدينة ولا تتجاوزه. لكن عدد السكان انحسر وصار إجمالي من يقيمون اليوم فعليا في البندقية أقل من 50 ألف شخص مقارنة بأكثر من 150 ألف شخص في سبعينيات القرن الماضي. وعلى الرغم من الحظر على السفن السياحية ومنع وصولها لمركز المدينة، فإن السيدة سوتوريفا لا تشعر بالسعادة الكاملة. وتقول: "أعرف الكثير من الأشخاص الذين حتى لو كان لديهم المال الكافي، ولديهم دخل منتظم، لازال لا يمكنهم العثور على منزل". "لقد وصلنا لتلك المرحلة التي نجد فيها أن عدد الوحدات السكنية المتوفرة للزائرين يفوق بكثير ما هو عليه للسكان المحليين." ومن الأضرار الكبيرة التي تترتب على الحركة السياحة هو أن المنطقة تحرم من تطوير مجتمع حضاري بشكل منظم له هوية ومدارس ومرافق محلية ومتاجر عادية، وبدلاً من ذلك تستحيل إلى متنزه أثري كبير. ويرفع كثير من المحتجين هنا مصطلح "Disneyfied" أو "أرض من ديزني" وهو الوصف الذي يشير إلى تحول الموقع لمجرد أحد اماكن الترفيه والإجازات. لكن ما هي طبيعة الإجراءات التي يتم اتخاذها لمواجهة الاكتظاظ في الوجهات السياحية التي تحظى بشعبية؟ أحد الأساليب المتبعة هو محاولة تنظيم تدفق الزوار في أوقات الذروة. ويكون ذلك عبر تحصيل رسوم دخول للزوار المتوقع وصولهم على مدار ساعات اليوم وأيضا عبر إتاحة إرشادات توجيهية عن الأوقات الأكثر ازدحامًا التي يتعين تجنبها. فرضت السلطات في البندقية مؤخرا رسومًا تجريبية لزيارتها بقيمة 5 يورو على مدار ساعات النهار التي بالمعتاد تشهد إقبالا كثيفا من الأجانب، كما زادت رسوم دخول السياح معالم تاريخية شهيرة أخرى. فقد صار الشعار الجديد الذي ترفعه الأوساط السياحة هو "كثافة منخفضة وجودة أعلى" وهذا يعني التركيز على جذب وانتقاء السائح الذي يملك قدرة على الإنفاق خلال مدة إقامته وقدرة على التصرف في المواقع القديمة التاريخية الهشة. أما الحل الآخر فيتمثل في إغراء الناس بالسفر في المواسم غير المزدحمة وتجنب مواسم الذروة . إعادة تنسيق العطلات المدرسية من شأنه أيضًا أن يحول دون تكدس العوائل بأطفالها في نفس المساحة المكانية والزمنية، في أيام الإجازة المدرسية التي تستمر لستة أسابيع. ويتحدث الكثيرون في أوساط السياحة أيضًا عن مصطلح "التفريق" . وهذا يعني تحفيز السائحين لارتياد واستكشاف وجهات بديلة - مماثلة لكنها أقل ازدحاما ومراعاه استهداف أسواق تتبادل المواسم السياحية. أصبح الحد من مواقف السيارات كذلك أسلوبًا مفضلاً في مواجهة رحلات السياحة اليومية. لكن ذلك بالطبع لا يمنع الحافلات السياحية من إنزال المجموعات السياحية الكبيرة التي تقلها. فمن الصعوبة بمكان رؤية سائحًا من كوريا الجنوبية على سبيل المثال، لن يرغب في زيارة برج إيفل في باريس والبندقية، في أول رحلة حصل عليها بشق الأنفس إلى أوروبا لمدة أسبوعين. ومن هنا أتت ضرورة التحول إلى نموذج الترفيه عالي الأمان المحكم أو إلى خلق بيئة أشبه بذلك عوضا عن النموذج الذي يفتقر للسيطرة ولا يمكن التنبؤ به. Getty Imagesيتعين على السياح الذين يزورون البندقية في فترات نهارية دفع 5 يورو (4.25 جنيه إسترليني) للدخول إلى وسط المدينة الإيطالية الشهيرة ولا ينتاب الإرهاق فقط من يقيمون في الأماكن التي رسّخت مكانة لها على خريطة السياحة العالمية منذ سنوات. هالستات في النمسا هي قرية صغيرة على ضفاف بحيرة في جبال الألب إلا أنها تتمتع بإطلالة بانورامية رائعة وتبدو مثل عالم صغير ساحر يضاهي ما نقرأ عنه في كتب القصص الخيالية. وتقول الأسطورة الحضرية الشائعة إن المدينة هي التي استوحيت منها أوصاف قرية Arendelle، التي تدور فيها أحداث فيلم الرسوم المتحركة الشهير "فروزن" Frozen.ا التقيت بأم من كوريا الجنوبية اصطحبت معها لزيارة القرية ابنتيها الصغيرتين وللسبب المذكور تحديدا جاءت البنتان كلتاهما مرتديات أزياء الأميرات في الفيلم. يبلغ عدد سكان قرية هالستات حاليا 800 نسمة وهو رقم لا يقارن على الاطلاق بأعداد السياح الذين يتوافدون على القرية بشكل يومي يصل أحيانا إلى 10 آلاف زائر. وبمجرد نزول هؤلاء من الحافلات السياحية الكبيرة ينتشرون في الأرض ويشرعون في التجول حتى في مساحات مخصصة للسكان، بحثًا عن أفضل المناظر لالتقاط الصور. وسئم بعض السكان المحليين من ذلك الغزو السياحي، وفي العام الماضي أغلقت مظاهرة معارضة للسياح النفق الواصل إلى داخل المدينة. كان بين المتظاهرين الدكتور فريدريش إيدام، وهو مهندس معماري مقيم منذ فترة طويلة في القرية النمساوية حيث يقع بيته على تلة تطل على البحيرة. أخبرني أنه لا يريد السياح الذين يأتون فقط في رحلة ليوم واحد. وهو يرى أنهم ينفقون القليل من المال ويجعلون الحياة لا تطاق إذ يقول الدكتور إيدام: "لم تعد هناك مساحة عامة لي ولجيراني". "في باحة الكنيسة، يلتقط السياح الصور لهم ويقفون على القبور. مشكلة هالستات هي أنها تصلح جدا للصور القابلة للنشر على موقع إنستغرام. فإذا ما أتيت في سيارتك وبقيت لمدة ساعة فقط، أؤكد لك أنك على لست على الرحب والسعة لدينا". يبدي عمدة المدينة، ألكسندر شويتز، تفهما لذلك الضيق لكن ما من شيء يمكن فعله حيال الأمر : "يعلم الجميع أن هناك تخمة لكننا لا يمكننا قطع أو غلق الطرق وأن نقول للناس لا يمكنكم المرور من الطريق العام لأن استعماله حقا للجميع. كما إن الطريق المؤدي إلى هالستات ليس حكرا عليها ولا يتوقف عندها بل يمتد إلى مدن أخرى ويسلكه الناس للعبور". في العام الماضي، قام المجلس المحلي باتخاذ تدبير مؤقت لمنع الازدحام في ما يعرف ب "موقع السيلفي" ( الصور الملتقطة ذاتيا)، وهو موقع فريد وشهير في القرية فقام بوضع سياج يحول دون التوجه إليه. لكن تم إزالته لاحقا عندما اشتكى عدد كبير جدًا من السكان من أنه يحجب رؤيتهم لبحيرتهم الجميلة.
* كيف هزت فيضانات دبي "المروعة" صورة المدينة المثالية؟
ساهم أيضا في تنامي الطلب السياحي العالمي دخول أسواق جديدة على الخط لم يكن لديها من قبل القدرة المادية على القيام بذلك، لكن أصبح لدى مواطنين بها حاليا ما يكفي من الإمكانيات والرغبة في استكشاف العالم . ظهر السائح الوافد من الصين لأول مرة بمطلع الألفية الثانية وانضم إلى سجلات المسافرين الدوليين. وهناك قوة أخرى صاعدة من المتوقع أن تتصدر مع التطور الكبير في أعداد السياح الوافدين منها. وتُعد الهند حاليًا واحدة من أسرع الاقتصادات نموًا في العالم، كما أنها من بين الدول الأكثر اكتظاظا بالسكان على الإطلاق. بدأت الطبقات الوسطى الميسورة الآخذة في النمو في ذلك البلد الذي يبلغ عدد سكانه 1.4 مليار نسمة تنفق الأموال الآن للذهاب في رحلات الأحلام والتوجه إلى وجهات سفر بعيدة. في العام الماضي، سافر 27 مليون سائح هندي إلى خارج البلاد، ومن المتوقع أن يرتفع هذا العدد إلى 70 مليونًا بحلول عام 2030. وقد تقدمت شركات الطيران الهندية بطلبات لشراء ما يقرب من ألف طائرة جديدة تحسبًا لزيادة كبيرة في الطلب. وبحسب ديبتي بهاتناغار، التي دشنت لمعارض السفر التجارية في الهند عام 2000، فإن وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دورًا رئيسيًا في زيادة الطلب على السفر بين الهنود. وتقول: "إنهم يريدون الذهاب إلى أماكن بعينها لالتقاط صور السيلفي، أو يعتقدون أن مكانا ما هو الأكثر ملائمة للتصوير، وأن عليهم زيارته". لا تزال الغالبية العظمى من سكان دولة الهند لا تتحمل تكاليف السفر الخارجي لكن في بلد بهذ التعداد السكاني الضخم ، فإن مجرد استقطاب واستهداف الحفنة القليلة فيه التي تملك المال وأصحاب الثروات ودخولهم إلى سوق السفر العالمي يعني ضخ طاقة كبيرة قادرة على تعزيز أرقام المنظومة بشكل هائل وفوري. وهناك في الهند حوالي 500 ملياردير ومليون مليونير. العديد منهم يمتلك ذوقا باهظ الثمن. Getty Imagesخرج المتظاهرون في مايوركا بلافتة كبيرة كتب عليها "أوقفوا الجشع بخصوص غرف ومساكن الإيجار". من اللافت للنظر أنه في وقت تقفز فيه معظم الأسعار للأعلى وصارت الحياة أكثر تكلفة من أي وقت مضى، إلا أن الطيران لمسافات قصيرة لا يزال رخيصًا للغاية، وأحيانًا أقل تكلفة من جلسة مشروبات في الحانة. في جميع أنحاء العالم، الطلبيات من أجل شراء طائرات تجارية جديدة على أوجها. وتشير التقديرات إلى أن الطيران يتسبب فيما يقدر ب 3% إلى 4% من انبعاثات الغازات الدفيئة في جميع أنحاء العالم. ومن المتوقع أن ترتفع تلك النسبة بتحول القطاعات الصناعية الأخرى إلى التقنيات الصديقة والمواكبة للبيئة بشكل أسرع. من ناحية أخرى، تبرز هنا معضلة أخلاقية يتعين أخذها بعين اعتبار كي لا نتهم بالنفاق. لقد استفاد الكثيرون في الغرب، وأنا منهم، بثمار ازدهار النقل الجوي في فترة ما بعد الحرب، ومتعة استكشاف العالم وصولا إلى أجزاءً نائية منه بدون أدنى تفكير أنذاك في العواقب غير المرغوب بها للسياحة الجماعية. إذن من نحن لنلقي الآن بالمواعظ والخطب على مسامع النشء والشباب الذين ينظرون لنهاية المشوار الدراسي الثانوي وحمل حقائب السفر على ظهورهم بمثابة البوابة لتلك المرحلة الأخرى من العمر والانفتاح على خبرة الحياة ؟ ومن نحن لكي نأتي بعد هذا العمر ونعطي المحاضرات لسكان الاقتصادات النامية الذين همّوا فقط الآن إلى تذوق الشيء نفسه؟ ويبدو أنه لا توجد إجابة بسيطة حول من يجب أن يكون أين ومتى، وهو ما عبرت عنه إحدى تلك اللافتات التي رفعت في بالما والتي دون عليها أيضا: "نحن نعيش على السياحة لكن السياحة لا تسمح لنا بالعيش".


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.