صحيح أن الفيضانات ظاهرة طبيعية تعرفها دول عديدة عبر العالم، وصحيح أن الإنسان ظل عبر التاريخ في مواجهة مباشرة مع تقلبات الطبيعة، غير أن ما شهدته مدينة أسفي لا يمكن اختزاله في "قضاء وقدر" أو ظرف مناخي عابر، ما حدث هو نتيجة مباشرة لتراكم سنوات طويلة من سوء التدبير، وغياب التخطيط، وانعدام أي إرادة سياسية حقيقية لتحصين المدينة وسكانها من كوارث كانت متوقعة، بل ومحذَّراً منها مراراً. إن الحصيلة الثقيلة التي خلفتها الأمطار الأخيرة، والتي بلغت وفق آخر تحيين رسمي 37 حالة وفاة وعشرات الجرحى، ليست رقماً عابراً، بل مؤشر خطير على فشل ذريع في تدبير الشأن المحلي. فالمحاسبة هنا ليست ترفاً سياسياً ولا مطلباً شعبوياً، بل ضرورة أخلاقية وقانونية تجاه أرواح أُزهقت كان بالإمكان إنقاذها لو وُجد حد أدنى من الجدية في السياسات العمومية. ولا يمكن الحديث عن هذه الفاجعة دون التوقف عند واقع المنظومة الصحية، التي أظهرت عجزاً واضحاً عن التعامل مع وضع استثنائي بهذا الحجم. مستشفيات غير مجهزة، أقسام استعجالات تشتغل فوق طاقتها، وغياب الوسائل اللوجستيكية الضرورية، كلها عوامل حوّلت لحظات الإنقاذ إلى معاناة إضافية للضحايا وأسرهم. وهو ما يطرح سؤال الأولويات: أين ذهبت الميزانيات؟ وأين صرفت الاعتمادات التي يُفترض أن تُوجَّه لحماية صحة المواطنين؟ كما لا يمكن تجاوز مشهد مجاري المياه التي انهارت أمام أول اختبار حقيقي، في مدينة يُفترض أنها عرفت مشاريع تأهيل وإعادة هيكلة متتالية. إن واقع البنية التحتية في عدد من أحياء أسفي، بما فيها وسط المدينة، يكشف أن الحديث عن "التنمية" ظلّ، في كثير من الأحيان، مجرد شعار للاستهلاك الإعلامي، بينما ظلت الأرضية الهشة، والقنوات المتهالكة، والتوسع العمراني غير المضبوط، قنابل موقوتة تنتظر لحظة الانفجار. إن الكارثة، في جوهرها، ليست طبيعية فقط، بل سياسية بامتياز، فحين يتعاقب المسؤولون دون رؤية، ودون محاسبة، ودون ربط المسؤولية بالنتائج، تصبح الكوارث قدراً متكرراً للفئات الهشة، بينما يظل صانعو القرار في منأى عن أي مساءلة حقيقية. الأسوأ من ذلك أن كثيراً من هؤلاء المسؤولين لا ينشغلون بتحسين شروط عيش المواطنين بقدر انشغالهم بتدبير مصالحهم الخاصة، وبناء نفوذهم الشخصي، ولو كان الثمن أرواحاً فقيرة وأجساداً أنهكتها الهشاشة والتهميش. ما وقع في آسفي يجب أن يكون لحظة فاصلة، لا لحظة عابرة. لحظة تفرض فتح تحقيقات جدية، وتحديد المسؤوليات بوضوح، بعيداً عن لغة التعاطف المؤقتة والبلاغات المطمئنة. لأن المدن لا تُقتل دفعة واحدة، بل تُترك لتنزف بصمت، إلى أن تأتي كارثة تكشف حجم الإهمال، وتضع الجميع أمام حقيقة واحدة، الأرواح التي فُقدت لم تكن ضحية المطر، بل ضحية سياسات فاشلة.