"أشبال U17" يتعادلون مع زامبيا    العقوبات البديلة .. وهبي يكشف آخر التفاصيل    التعادل السلبي يحسم مواجهة المنتخب الوطني المغربي لأقل من 17 سنة أمام نظيره الزامبي    محاكمة صاحب أغنية "بوسة وتعنيكة وطيحة فالبحر... أنا نشرب الطاسة أنا نسكر وننسى"    ثلاثي مغربي ضمن أفضل الهدافين في الدوريات الكبرى عالميا لعام 2025    العيون: مجلس المستشارين وبرلمان الأنديز يثمنان المسار المتميز للعلاقات البرلمانية بين الطرفين (إعلان مشترك)    فرنسا تجدد دعمها لسيادة المغرب على صحرائه    مجلس الحكومة يصادق على مشروع مرسوم متعلق برواتب الزمانة أو الشيخوخة التي يصرفها ال"CNSS"    المفوضة الأوروبية دوبرافكا سويكا: الاتحاد الأوروبي عازم على توطيد "شراكته الاستراتيجية"مع المغرب    حادثة سير وسط الدريوش تُرسل سائقين إلى المستشفى    تكريم المغرب في المؤتمر الأوروبي لطب الأشعة.. فخر لأفريقيا والعالم العربي    مجلس الحكومة يصادق على مشروع قانون يتعلق بالتعليم المدرسي    سطات: إحداث مصلحة أمنية جديدة لمعاينة حوادث السير    طنجة.. النيابة العامة تأمر بتقديم مغنٍ شعبي ظهر في فيديو يحرض القاصرين على شرب الخمر والرذيلة    طقس الجمعة.. تساقطات مطرية مرتقبة بالريف وغرب الواجهة المتوسطية    العثور على جثة دركي داخل غابة يستنفر كبار مسؤولي الدرك الملكي    سقوط 31 شهيدا على الأقل بضربة إسرائيلية على مركز للنازحين في غزة    الإمارات تدعم متضرري زلزال ميانمار    صابري: الملك يرعى الحماية الاجتماعية    المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي.. تسليم السلط بين الحبيب المالكي و رحمة بورقية    الترخيص لداني أولمو وباو فيكتور باللعب مع برشلونة حتى نهاية الموسم    تقرير.. هكذا يواصل مستوردو الماشية مراكمة ملايير الدراهم من الأموال العمومية في غياب أثر حقيقي على المواطن ودون حساب    ارتفاع حصيلة ضحايا الزلزال في ميانمار إلى 3085 شخصا    المغرب يعتبر "علاقاته الاستراتيجية" مع الولايات المتحدة سببا في وجوده ضمن قائمة "الحد الأدنى" للرسوم الجمركية لترامب    إطلاق نسخة جديدة من Maroc.ma    الاتحاد الاشتراكي المغربي يندد ب"تقويض الديمقراطية" في تركيا ويهاجم حكومة أردوغان !    الجسد في الثقافة الغربية -27- الدولة : إنسان اصطناعي في خدمة الإنسان الطبيعي    أعلن عنه المكتب الوطني للمطارات ..5.4 مليار درهم رقم معاملات المطارات السنة الماضية و13.2 مليار درهم استثمارات مرتقبة وعدد المسافرين يصل إلى 32,7 مليون مسافر    سفارة السلفادور بالمغرب تنظم أكبر معرض تشكيلي بإفريقيا في معهد ثيربانتيس بطنجة    إطلاق النسخة الجديدة من البوابة الوطنية "Maroc.ma"    نقابي يكشف السعر المعقول لبيع المحروقات في المغرب خلال النصف الأول من أبريل    الوداد يعلن حضور جماهيره لمساندة الفريق بتطوان    المجر تعلن انسحابها من المحكمة الجنائية بالتزامن مع زيارة نتنياهو    هيئة مراقبة التأمينات والاحتياط الاجتماعي تطلق برنامج "EMERGENCE" لمواكبة التحول الرقمي في قطاع التأمينات    المنتخب المغربي يرتقي إلى المركز ال12 عالمياً في تصنيف الفيفا    ملف هدم وافراغ ساكنة حي المحيط بالرباط على طاولة وسيط المملكة    بورصة الدار البيضاء تخسر 0,45 بالمائة    جماعة أكادير: حقّقنا فائضا ماليا يُناهز 450 مليون درهم    دراسة: الفن الجماعي يعالج الاكتئاب والقلق لدى كبار السن        مجلس المنافسة يوافق على استحواذ مجموعة أكديطال على مؤسستين صحيتين في العيون    اجتماعات تنسيقية تسبق "الديربي"    أسعار صرف أهم العملات الأجنبية اليوم الخميس    الصين: عدد مركبات الطاقة الجديدة في بكين يتجاوز مليون وحدة    هبوط الأسهم الأوروبية عند الافتتاح    قمر روسي جديد لاستشعار الأرض عن بعد يدخل الخدمة رسميا    النسخة ال39 لجائزة الحسن الثاني الكبرى للتنس.. تخصيص يوم للأطفال رفقة لاعبين دوليين    بين الحقيقة والواقع: ضبابية الفكر في مجتمعاتنا    مهرجان كان السينمائي.. الإعلان عن مشاريع الأفلام المنتقاة للمشاركة في ورشة الإنتاج المشترك المغرب -فرنسا        دراسة: استخدام المضادات الحيوية في تربية المواشي قد يزيد بنسبة 3% خلال 20 عاما (دراسة)    خبراء الصحة ينفون وجود متحور جديد لفيروس "بوحمرون" في المغرب    بلجيكا تشدد إجراءات الوقاية بعد رصد سلالة حصبة مغربية ببروكسيل    العيد: بين الألم والأمل دعوة للسلام والتسامح    أجواء روحانية في صلاة العيد بالعيون    طواسينُ الخير    تعرف على كيفية أداء صلاة العيد ووقتها الشرعي حسب الهدي النبوي    الكسوف الجزئي يحجب أشعة الشمس بنسبة تقل عن 18% في المغرب    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الحرب الوقائية والحرب الاستباقية
أمريكا على مفترق الطرق
نشر في العلم يوم 17 - 10 - 2008

موضوع كتاب فرانسيس فوكوياما «أمريكا على مفترق الطرق» والذي نقله إلى العربية محمد محمود التوبة وصدر عن دار العبيكان للأبحاث والتطوير (المملكة العربية السعودية) بالتعاقد مع جامعة ييل الولايات المتحدة الأمريكية هو السياسة الخارجية الأمريكية منذ هجمات 11 سبتمبر 2001. والمؤلف هو صاحب كتاب « نهاية التاريخ» ومع أنّه اعتبر نفسه محافظا جديدا لوقت طويل، إلا أنه لم يكن قط مقتنعا بالأساس المنطقي لحرب العراق على حد تعبيره.
فالولايات المتحدة لم تجد أسلحة دمار شامل في العراق، وارتطمت بمقاومة صلبة، وعزلت نفسها تقريباً عزلاً كاملاً عن بقية العالم بسبب اتباعها نوع الاستراتيجية الأحادية القطب. وانتهى المؤلف بعد هذه التطوّرات إلى أنّ المحافظة الجديدة بوصفها نظاماً سياسياً وهيئة فكر معاً، قد تطورت إلى شيء لا يستطيع بعد ذلك أن يسانده. وقد حاول في هذا الكتاب أن يبين أن المحافظة الجديدة كانت مستندة إلى مجموعة من المبادئ المنسجمة التي أنتجت في أثناء الحرب الباردة ما اعتبره «سياسات معقولة» على وجه العموم في الوطن وفي الخارج على حد سواء، ومن ناحية أخرى، يمكن للمبادئ أن تفسر بطرق متنوّعة، وفي أثناء التسعينيات من 1990، استخدمت المبادئ لتبرير سياسة أمريكية خارجية أفرطت في التشديد على استخدام القوّة، وأدّى ذلك منطقيا إلى حرب العراق.
وقد صارت المحافظة الجديدة الآن متماهية بشكل لا رجعة فيه مع سياسات إدارة جورج دبليو. بوش في فترتها الأولى. وهذا الكتاب محاولة تهدف إلى شرح تراث المحافظين الجدد، وتفسير مكمن ضلال إدارة بوش الطريق الصحيح، وإلى تلخيص طريق بديل تسلكه الولايات المتحدة الأمريكية لتتصل مع بقية العالم. ينتقد المؤلف الرأي المبني على رؤية كارثية نبوئية عن تهديد العالم الإسلامي. وكانت المواد الموجودة في هذا الكتاب قد عرضت في أوّل الأمر في شكل محاضرات كاسل التي ألقاها فوكوياما في جامعة ييل في 11و12و18 أبريل 2005. وهو برنامج في الأخلاق والسياسة والاقتصاد.
استراتيجية الأمن القومي
يقرر فوكوياما، في بداية الفصل الثالث بعنوان «التهديد، والخطر، والحرب الوقائية» أنّ إدارة بوش «اختارت، وهي تدفع نحو تغيير نظام الحكم في العراق، استراتيجية خطر عال، ومكافأة عالية» (ص 95).
ثم يتحدث عن وثيقة استراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة الأمريكية، ويعتبرها، من حيث المظهر، وثيقة لا تختلف عن المألوف، وهي تكرر العديد من الغايات المتفق عليها للسياسة الخارجية الأمريكية، مثل ترويج ما سماه بالحكومات الحرة الديمقراطية حول العالم والنظام الكوني للتجارة الحرة. ويرى أنّ ما كان ثورياً بشأن هذه الاستراتيجية هو توسيعها المفاهيم التقليدية للاستباق لتشمل ما بلغ مبلغ الحرب الاستباقية، ويفهم الاستباق عادة على أنه جهد يبذل لقطع هجومٍ عسكري وشيك، أما الحرب الوقائية فهي عمليات عسكرية مصممة لتسد الطريق على تهديد يبعد شهوراً أو سنوات عن التجسّد مادّيا. وإذا كان الرأي بأن الدول تستطيع أن تستبق بشكل مشروع التهديدات الوشيكة مصادقا عليه بعد حرب العراق من الهيئة العالية المستوى في الأمم المتحدة إذا جوبه بلد مجابهة واضحة بتهديد كارثي من فاعل ليس دولة أو من دولة ما رقة، وإذا كان غير قادر على الحصول على المساعدة من المؤسسات الدولية الموجودة لمواجهة التهديد، فإن البلد يستطيع آنئذ بشكل مشروع أن يتولى الأمور بنفسه ويتحرك تحرّكا استباقيا لقطع ذلك التهديد؛ إذا كان الأمر كذلك فإن مشكلة الإدارة
الأمريكية مع عقيدة استراتيجية الأمن القومي أنها من أجل أن تبرر مد تعريف الاستباق لتضمينه الحرب الوقائية ضد التهديدات غير الوشيكة احتاجت إلى أن تكون على حق بشأن الأخطار التي تواجه الولايات المتحدة الأمريكية، لكن ثبت في النهاية أن الإدارة الأمريكية افتعلت مبررات واهية في الهجوم على العراق.
الحرب الوقائية والحرب الاستباقية:
ويناقش المؤلف مفهوم الحرب الوقائية والحالات التاريخية التي يرى أنّ هذه الحرب كان يمكنها أن تنقذ العالم فيها «وكانت الحالة التقليدية التي استشهد بها الكثيرون هي قيام هتلر بإعادة عسكرة أرض الراين في عام 1936، وهو خرق صريح لالتزامات ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى، وقامت به في ذلك الوقت حين امتلكت بريطانيا وفرنسا مجتمعتين ميزة التفوّق العسكري الكاسح على ألمانيا. وبانتظار بريطانيا وفرنسا حتى ما بعد أزمة أرض السوديت في 1938 لكي تعلنا الحرب على ألمانيا، فإنهما بذلك سمحتا لألمانيا أن تعاود التسلح إلى النقطة التي استطاعت فيها أن تغزو بولندا وأن تهزم فرنسا...» (ص 118) . لكن المشكلة المتصلة بمدخل إدارة بوش إلى الاستباق كما هو ملخص في استراتيجية الأمن القومي هي إخفاق الإدارة في التمييز بين الحرب الاستباقية والحرب الوقائية المصممة لتوقف ما تعتبره «إرهاباً» واستخدام السياسة نفسها وسيلة لتوقف انتشار الأسلحة من قبل من يسميها المؤلف ب «الدول المارقة»، حيث يرى أن امتلاك هذه الدول للأسلحة النووية يعتبر مشكلة خطيرة تستحق ردّ فعل قوي من المجتمع الدولي، لكن لماذا لا يطبق هذا على إسرائيل التي تنتهك
الحقوق، وتهدّد منطقة الشرق الأوسط بسلاحها النّووي، ولماذا لا يطبق على دول مهيمنة أخرى تمتلك نفس السلاح، وتستغل البلدان المستضعفة لتنمية قدراتها الذاتية؟ إنها سياسة الكيل بمكيالين التي لم يرد المؤلف أن يعترف بها.
استغلال الأمم المتحدة
في أثناء أواخر التسعينيات من 1990 جادل كثير من المحافظين الجدد في أنّ على الولايات المتحدة الأمريكية أن تستخدم قوتها العسكرية المسيطرة لتأكيد ماسماه المؤلف ب «الهيمنة الخيّرة» على الأجزاء المهمة من العالم من النّاحية الاستراتيجية. وقد شدد كثيرون من الناس على أنّ إدارة بوش كانت مزدرية للرّأي العام الدّولي وللشّرعية التي يُقال إنّ المؤسسات المتعددة الأطراف تمنحها. ويقر المؤلف بأن أعضاء كثيرين كانت لهم آراء سيئة عن الأمم المتحدة، كما يمثل ذلك وكيل وزارة الخارجية والسفير إلى الأمم المتحدة في المستقبل، جون بولتون. يقول المؤلف «وقد اعتقد أعضاء عديدون في إدارة بوش أنّ خبرة الحرب الباردة، وحرب الخليج الأولى، والبلقان أظهرت أنّ الشرعية تمنح للعمل أحياناً من قبَل النظام الدولي بعد وقوع الحدث أكثر مما تمنح له قبل وقوعه وفق نظرة مستقبلية، وأنه بسبب نواحي الضعف التي تصاب بها مؤسسات اتخاذ القرارات الجماعية في السياسات العالمية، سيكون على الولايات المتحدة أن تتصرّف أولاً وأن تتلقّى الثّناء لاحقا!! وكان هذا الشرط هو شرط الخلفية الذي شرح (ولكنه لم يبرر بالضرورة) المعاملة المزدرية الظاهرة من الإدارة
لحلفائها الأوروبيين» (ص 132).
ويضيف مبيّنا دور الأمم المتحدة في ما ارتكبته وترتكبه أمريكا: «إنّ الأمم المتحدة لاتملك فرعاً تنفيذياً مكلفاً بتنفيذ قراراتها، والحالة القوية التي يمكن تقديمها هي أنّ تفويض سلطات التنفيذ إلى بلاد محددة يتطلب قراراً وتصويتاً منفصلين، ولاتستطيع الأمم المتحدة بأيّ حال، أن تربط نفسها قانونيا إلى الأبد وأن تمنع أعضاءها من تغيير آرائهم. والصحيح أنّ مجلس الأمن في الأمم المتحدة لم يصوّت على إبطال أيّ واحدٍ من القرارات التي قررت أن العراق كان مذنباً في انتهاكه لها، ومن ناحية أخرى، كان واضحاً في عشية حرب العراق أنّ أغلبية أعضاء مجلس الأمن لم يكونوا يريدون أن تنفذ الولايات المتحدة وبريطانيا قراراته من طرف واحد. وعلى أيّ حال، فإن إدارة بوش أوضحت بكل معنى الكلمة عند تلك النقطة أن الولايات المتحدة لن تشعر بنفسها ملزمة بما فعله مجلس الأمن، وهي بذلك جعلت انسجامها مع القانون الدولي انتقائياً، ولذلك فهو مشكوك فيه في عيون كثيرين» «وفي النهاية، فإن الشرعية الدولية للأعمال الأمريكية لم تكن مسألة قانونية بل سياسية، ففي عشية الحرب، كان واضحاً أن أكثرية ضخمة من الرأي العام حول العالم عارضت الغزو الأمريكي، ومن
جملتها أكثريات في دول تقوم رسميا بدعم الولايات المتحدة مثل بريطانيا، وإسبانيا، وإيطاليا» (ص 134).
لقد أخفقت إدارة بوش ومساندوها المحافظون الجدد في أن تتوقع العداوة من ردّ الفعل العالمي على الحرب قبل الاضطلاع بها، وخصوصاً في أوروبة.لم تكن المعارضة للحرب مسألة نخب وحساباتها السياسية.
ففي 15 شباط/ فبراير 2003، قبل شهر من بدء الحرب، قامت تظاهرات ضخمة مناوئة للحرب في كل أنحاء أوروبة. ومن جملتها لندن، ومدريد، وروما، وهي عواصم الحلفاء الأوروبيين الذين كانوا قد وافقوا على الالتحاق مع تحالف إدارة بوش وهو «تحالف الرّاغبين». وفي الحقيقة، لم يسبق لأوروبة أبداً أن ظهرت موحّدة تلقائيا حول قضية واحدة مثلما ظهرت موحّدة على هذه القضية، وهو السبب الذي سمى من أجله وزير المالية الفرنسي السابق، دومنيك شتراوس - كاهن، تلك التظاهرات «ميلاد الأمة الأوروبية» كما قال المؤلف الذي اعتبر أنّ الصّدع الذي سببته حرب العراق، بخلاف الخصومات المختصرة السابقة عبر الأطلسي، لن يشفى بسهولةٍ في المستقبل.
دحض دعوى الاستثنائية الأمريكية
هل هناك معنى مقبول للحديث عن الاستثنائية الأمريكية؟ يقول المؤلف إنّ هناك سببا قصير الأمد لذلك، وهو الاعتراف الضمني لهذه المقاومة علماً أنّ المقاومة بنيت باتجاه عقيدة استراتيجية الأمن القومي وحقيقة أن الولايات المتحدة منحت نفسهاحقا سوف تنكره على البلدان الأخرى، هي حقيقة تستند، في استراتيجية الأمن القومي، إلى حكم ضمني وهو أن الولايات المتحدة مختلفة عن البلدان الأخرى ويمكن الوثوق بها لتستخدم قوّتها العسكرية استخداما عادلاً وحكيماً وبطرق لاتقدر عليها القوى الأخرى. لكن الواقع (واقع الحرب الوحشية التي شنتها وتشنّها الولايات المتحدة) يكذّب هذا الإدّعاء ويدحض هذا الزّعم للاستثناء الأمريكي. بل إنّ كارثية استراتيجية تسويق النموذج الأمريكي في الحياة والثقافة ونمط التفكير دليل آخر على اندحار هذا الوهم. يقول المؤلف: «تقوم الهيمنة الخيّرة على الإيمان بالاستثنائية الأمريكية التي يجدها معظم غير الأمريكيين ببساطة غير قابلة للتصديق، وفكرة أنّ الولايات المتحدة تتصرّف على مسرح العالم تصرّفاً نزيهاً هي فكرة ليست موضع تصديق واسع لأنهافي معظمها ليست صحيحة، وفي الحقيقة، لايمكن أن تكون صحيحة إذا وفى القادة
الأمريكيون بمسؤولياتهم للشعب الأمريكي».
(،،،) ولكن الولايات المتحدة قوّة كبيرة أيضا لها مصالح غير متصلة بأعمال الخير العالمية. ويجب على الرؤساء الأمريكيين أن يحموا المصالح الاقتصادية التي غالبا ما تكون مصالح ضيقة لدوائر انتخابية خاصة، وعليهم أن يقلقوا على أمن إمدادات الطاقة (تناسى المؤلف أنّهم يخططون ويعملون للاستيلاء على طاقات العالم المستضعف عن طريق افتعال الحروب) وعليهم أن يستجيبوا لطلبات الدوائر الانتخابية العرقية المتنوّعة داخل الولايات المتحدة» (ص 151).
دحض دعوى تنمية العالم اقتصاديا وسياسيا: الاستبدادية الليبرالية
في الفصل الخامس وهو بعنوان «الهندسة الاجتماعية ومشكلة التنمية» - مقاربة لمجال التنمية السياسية والاقتصادية باعتباره المجال الذي يحتمل أن يتصادم فيه مبدآن مهمان من مبادئ المحافظين الجدد. يقول المؤلف: «تاريخ التفكير في التنمية منذ ما بعد تصفية الاستعمار بعد الحرب العالمية الثانية مشوش بالمحاولات الفاشلة التي حاولت وضع تصور لمفهوم عملية التنمية وتفسيرها على النحو الدقيق وهو تاريخ موسوم بغياب الأدوات التي يستطيع المانحون الخارجيون أن يؤثروا بها فعليا في نتائج التنمية» (ص 157). وبعد تقديم المؤلف نبذة تاريخية عن التفكير في التنمية الاقتصادية يشير إلى أن المداخل السياسية الأمريكية للتنمية كانت مدفوعة إلى حد كبير بحاجات السياسة الخارجية الأمريكية. وأما منحى التفكير حول التنمية السياسية فيوازي منحى التنمية الاقتصادية ويتصل اتصالا قريبا به، وهنا يستعرض المؤلف تاريخ التدخلات الأمريكية السياسية في بلدان العالم.
والنتيجة أن ما تقترحه أو تفرضه أمريكا هو مجرد استبدادية ليبرالية يقول المولف: «النقاد المحافظون للمساعدة الأجنبية التقليدية على حق في نقدهم لأشياء معينة: فقدرٌ كبير من دولارات دافعي الضرائب المخصصة للفقراء في العالم النامي قد انتهت في أيدي مقاولي العالم المتقدم أو في أيدي الشركات الخاصة، أو فيما عدا ذلك سُحبت من قِبل المسؤولين المحليين بشكل غير مشروع. وإذا لم تذهب تلك الأموال إلى حساب البنك السويسري فهي آنئذ تستخدم استخدامات أخرى مدمرة بشكل صريح، مثل شراء الأسلحة» (ص 189).
ويدعو المؤلف إلى إنشاء مؤسسات جديدة تستطيع أن توازن على نحو أفضل «متطلبات الشرعية والفاعلية»، وذلك أنه يرى أن العالم اليوم لا يمتلك ما يكفي من المؤسسات الدولية التي تستطيع أن تسبغ الشرعية على العمل الجماعي. طبعا هو يريد مؤسسات أمريكية تخدم المصالح الأمريكية تحت غطاء التنمية الاقتصادية والسياسية للعالم! وتحت ستار «العولمة التي لا محيد عنها»! في حين يعتبر أن الأمم المتحدة من الناحية الهيكلية محدودة في ما يتعلق بالشرعية وبالفاعلية على السواء، ولم يصرّح بسبب ذلك وهو الوصاية الأمريكية على هذه المنظمة الدولية. ومما يدل على أن الولايات المتحدة تريد أمما متحدة خادمة لمصالحها قول المؤلف: «والمصدر الآخر لعدم ثقة الأمريكيين في الأمم المتحدة يبرز بصفته منتجا فرعيا لعلاقة أمريكا الخاص بإسرائيل وخبرتها في الكيفية التي تعاملت بها الأمم المتحدة مع النزاع العربي الإسرائيلي على مر السنين» (ص 208). والتاريخ المعاصر يشهد على الدور الماكِر الخبيث للولايات المتحدة في هذا النزاع من حيث الدعم المطلق غير المشروط للكيان الصهيوني، ومعارضة كل صوت يندِّد به في الأمم المتحدة.
وهذه المؤسسة مدعوة في نظر المؤلف إلى إعادة إعمار ما تخربه الجيوش الأمريكية فقط، يالها من مهمة!
يقول: «إن وجود نواحي قصور في قدرة الأمم المتحدة على الإذن باستخدام القوة للتعامل مع قضايا الأمن الكبيرة لا يعني أن المنظمة لا تستطيع أن تلعب دورا مهما في إعادة الإعمار بعد النزاع، وفي النشاطات الأخرى في بناء الأمم» (ص 210). ويضيف مناقشا وضع الأمم المتحدة ومقترحا بديلا عنها: «لو كان بالإمكان توسيع عضوية مجلس الأمن أو تغييرها، فإن مشكلة العمل الجماعي سوف تبقى. إن مجلس أمن أوسع مع مزيد من الأعضاء الذين يحملون حق النقض سوف يعاني شللا أكبر من الشلل الحالي. ولكن تغيير قواعد التصويت من الإجماع إلى نوع ما من حكم الأغلبية يجازف بجعل مجلس الأمن أنشط مما يود له أي عضو من أعضائه (...).
إذا كانت الأمم المتحدة في نهاية المطاف غير قابلة للإصلاح، فما الذي يمكن أن يأخذ مكانها؟
ويحتمل أن يكون الجواب ليس مؤسسة كونية مختلفة، بل بالأحرى تعددية من المنظمات الدولية التي تستطيع أن توفر القوة والشرعية على حد سواء لأنواع مختلفة من التحديات لنظام العالم» (ص 211). لكن السؤال الذي لم يطرحه المؤلف ولم يجب عنه هو من يمثل نظام العالم هذا؟ وماذا يعني مفهوم «نظام العالم»؟ ولا شك أن ملاحظة تطور الهيمنة الأمريكية في العقود الأخيرة تدفع إلى القول بأن هذا المفهوم هو «النظام الأمريكي» لا غير.
إنها الليبرالية بقيادة الولايات المتحدة، التي يريد المؤلف أن يجعل لها مؤسسات دولية تحلّ محلّ منظمة «الأمم المتحدة» التي يقول عنها إنها ليست فعالة جدا «في حين أن المؤسسات الفعالة (تحالف الراغبين الذي تقوده الولايات المتحدة) لا ينظر إليها بوصفها شرعية» (ص 212).
ويؤكد المؤلف أن إحدى العواقب التي ستنتج عن فشل الولايات المتحدة في العراق ستكون نزع الثقة من كل جدول أعمال المحافظين في السياسة الخارجية «وقد ظهر حشد من الكتب والمقالات التي تندد بطموح أمريكا الإمبراطوري، وتهاجم فكرة محاولة إعادة تشكيل العالم تشكيلا ديمقراطيا» (ص 2137).
لكن تبيّن لكل ذي عقل واعٍ أن الحكم الأمريكي أقصر نظرا من حكم الآخرين. فما شأن الولايات المتحدة ببلدانٍ لها سيادتها واستقلالها وتصورها المستقبلي، ومنظومتها القيمية المختلفة عن نظامها؟!


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.