تنزيل ‬الجيل ‬الجديد ‬للتنمية ‬المندمجة ‬تَوجُهٌ ‬استراتيجي ‬ورهانٌ ‬مصيري    تعزيزا لمستقبل الطيران المدني العالمي: مراكش تحتضن GISS 2026 بمشاركة 1500 خبير من 130 دولة    الارتفاع ‬الصاروخي ‬لأسعار ‬الخضر ‬مستمر ‬في ‬الأسواق ‬المغربية ‬    إيطاليا تعلن تعليق اتفاقية التعاون العسكري مع إسرائيل    حكيمي يرد على قضية الاغتصاب: "أعلم أنها اتهامات كاذبة وأنا مرتاح"    الريمونتادا أو الوداع.. ليفربول وبرشلونة أمام اختبار النار في إياب ربع نهائي دوري الأبطال    في ‬استطلاع ‬دولي ‬شمل ‬38 ‬دولة: ‬المغرب ‬يتصدر ‬البلدان ‬الإفريقية ‬في ‬توفير ‬الماء ‬وخدمات ‬الصرف ‬الصحي ‬    نفق ‬المغرب ‬إسبانيا: ‬مشروع ‬استراتيجي ‬يعزز ‬ريادة ‬المملكة ‬كبوابة ‬بين ‬إفريقيا ‬وأوروبا            19 سنة سجناً نافذاً لثلاثة مروجين للمخدرات الصلبة بالحسيمة    بورصة البيضاء تفتتح على وقع الارتفاع    تصعيد نقابي في التعليم العالي.. دعوة لبرنامج احتجاجي مفتوح وتحذير من "انفجار اجتماعي"        بكين تصف الحصار الأمريكي لموانئ إيران بأنه "خطير وغير مسؤول"    نقابة المراقبين الجويين بالمغرب تنتقد تدبير الحوار الاجتماعي وتطالب بتنفيذ الالتزامات        إيران تطالب دول الخليج بتعويضات عن أضرار الحرب    توقيف شخص بالدار البيضاء بعد تهديد مستعملي الطريق بسلاح أبيض وتوثيق أفعاله في فيديو    انتخاب روموالد واداغني رئيسا جديدا لبنين ب 94.05 في المائة من الأصوات (نتائج أولية)v    تأييد الأحكام الابتدائية ضد مشجعي السنغال المدانين في أحداث نهائي "كان 2025"    إنريكي مدرب سان جيرمان: مواجهة ليفربول خادعة وعلينا الحذر منهم    إسرائيل تعلن مقتل عسكري وإصابة 3 بمعارك جنوبي لبنان    العيون تستضيف المحطة الخامسة من قافلة اللقاءات الجهوية للتجارة الخارجية    لجنة حقوقية تندد باعتقال الطالب مروان الأحمر وتطالب بالإفراج الفوري عنه    تيزنيت وأعيانها..    إعلام أمريكي يتوقع عقد مفاوضات جديدة بين واشنطن وطهران الخميس    مفاوضات مرتقبة بين لبنان وإسرائيل.. وحزب الله يطالب بإلغائها ويصفها "بالاستسلام"        مصادر: عودة الحوار الإيراني الأمريكي        أجواء باردة في توقعات اليوم الثلاثاء بالمغرب        دراسة تحذر من مخاطر المنظفات على الأطفال دون الخامسة    محاكمة "قتل بدر" تشهد سحب أقوال    احتقان داخل المعهد العالي الدولي للسياحة بطنجة.. نقابة الأساتذة تكشف اختلالات خطيرة وتلوّح بالتصعيد    "لبؤات الأطلس" يتفوقن على تنزانيا    إدارة كلية العلوم والتقنيات بالحسيمة توضح بخصوص مواجهات بين الطلبة    فائض في الميزانية بقيمة 6,5 مليار درهم عند متم مارس المنصرم    وزارة الأوقاف تطلق تطبيق "المصحف المحمدي الرقمي" بخدمات علمية وتقنية شاملة        مدرب الماص يبرز أسباب التفوق على الوداد وكارتيرون يرى أن الهزيمة جاءت من كرة غير متوقعة    مسرح رياض السلطان: عمي ادريس في عرض تربوي والنكادي يقدم جديده الموسيقي    التشكيلي المنصوري الإدريسي محمد يشارك في ملتقى «طريق الحرير» بالصين    «بيوبيكس» عين اصطناعية بذاكرة أيونية تحاكي الشبكية    ضمن الاعمال الكاملة للاكاديمي عبد الجليل الازدي صدور كتاب من الرماد الى الذهب    "أكتب لأبقى" للإعلامية عزيزة حلاق.. الكتابة كفعل مقاومة لترك الأثر    مشروبات الطاقة تحت المجهر: دعوات عاجلة لحماية القاصرين من "إدمان مقنّع"    الإدمان على المشروبات الطاقية يهدد صحة الشباب المراهق    "حمل وهمي" يضع ريم فكري في قلب العاصفة    فرنسا تسعى إلى تسهيل إعادة القطع الفنية المنهوبة خلال الاستعمار    مقتل فريمبونغ لاعب بيريكوم تشيلسي في هجوم مسلح على حافلة فريقه    المنهج النقدي في التراث الإسلامي... ندوة دولية بفاس تعيد الاعتبار لثقافة الاختلاف وبناء الحضارة    المعرض الدولي للكتاب وسؤال: لمن نكتب    رائد العلاج الجيني.. البروفيسور ميمون عزوز يتسلم أرفع جائزة بريطانية في تخصص الخلايا    الكشف عن مخطوطة تاريخية نادرة تعود للقرن الرابع الهجري بالسعودية    المدرسة العتيقة تافراوت المولود تنظم ندوة علمية وطنية تحت عنوان " السيرة النبوية منهج متكامل لبناء الإنسان وتشييد العمران "    فتح فترة استثنائية جديدة لاستخلاص المبلغ الزائد من مصاريف الحج    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



تازة : المدينة المريفة

بتنامي ظاهرة الهجرة في العقود الأخيرة، من القرى إلى المدن في المغرب عموما، وفي تازة خصوصا، تحت تنوع الضغوطات وتعددها منها على سبيل المثال:
هشاشة الوضعية الاقتصادية والاجتماعية، التي يعيش فيها الإنسان القروي نتيجة عوامل الجفاف، وعزل العالم القروي، وتهميشه من جهة، وانعدام فرص الشغل، وضعف الدخل من جهة اخرى.
إضافة إلى عملية الجذب التي تمارسها المدينة على القرى، ليس على المستوى السيكلوجي فحسب، بل أيضا على المستوى الاقتصادي والاجتماعي. ناهيك عن التصور الذي ارتبط بالقروي حول المدينة، والذي تكون على خلفية أخبار غالبا ما تكون مغلوطة، مغشوشة وغير صحيحة: كالرغبة في التحول الاجتماعي، وفي تحقيق النجاح في الوضعية الاقتصادية والاجتماعية بأقل سرعة ممكنة.
وفي ظل الإهمال، ونهج سياسة التهميش في القرية، والذي دابت عليه السياسة الحكومية، فإن ظاهرة النزوح إلى المدن قد استفحلت بشكل مثير في السنوات الأخيرة. إلى حد أصبحنا نتحدث عن ظاهرة ترييف المدينة بدل تحضرها، لكون هاته الأخيرة أصبحت عاجزة عن استقطاب هاته الجموع الغفيرة، بل تركت الباب مفتوحا على مصراعيه أمام تكدسها في تجمعات سكانية تكون في بعض الأحيان مفتقرة لشروط السكن الصحي ذو المواصفات الحضرية. مما جعل هاته الوضعية تفرز ظواهر اجتماعية شاذة، خصوصا في الأحياء الشعبية كالفقر، والبطالة، والأمية، والدعارة، والمتاجرة في الخمور والمخدرات، والاحترافية في اللصوصية والسرقة، وغيرها من الظواهر المقلقة المعطلة لمسيرة النماء والتحول دواوير (السمار ، الملحة ، ميمونة ، سهب الهواري، الشلوح ...) كنماذج في ناحية تازة .
إن المهاجر من القرية إلى المدينة، يجب ان يعلم بأن المدينة وحسب تعريف عدد كبير من علماء الاجتماع الحضري ومنهم على سبيل المثال:Robert Park و Louis Work ليست هي تلك التجمعات السكانية ذات الكثافة العالية والتي تحرص على ان يتوفر لديها ما يجعل الحياة ممكنة، مثل وجود الشوارع والمباني، والخدمات الضرورية، وليست أيضا مجموعة من التنظيمات والإدارات، مثل المحاكم والمستشفيات والمدارس وغيرها من الخدمات، والمؤسسات، وهي أيضا ليست وحدة إيكولوجية، أو جغرافية، أو اقتصادية، إنها كل هذا وأكثر.
إنها فوق هذا، سلوك وثقافة أيضا سلوك التشبع بثقافة التحضر، هي نمط وأسلوب في العيش، هي ممارسات منظمة ومدبرة بطريقة عقلانية، هي تحرر من ضغط الأعراف التقليدية والتشبع بواقع جديد، واقع تجريبي،وواقع متحرر، يعتمد على العبقرية الذاتية، ويتملص من كل ما هو غريزي والذي كان يمثل له وإلى عهد قريب، الشكل المقدس والمطلق.
فالمهاجر من القرية إلى المدينة مطالب إذن بالتشبع بثقافة العقلانية. العقل الفردي والعقل الحسابي والنقدي والضبط والتدقيق.
إن المدينة إذن وحسب السوسيولوجيين إذا لم تعد ترتكز على ما يثبت التطور في اتجاه أنماط العيش المتعارف عليه حضريا، فإنه نكون قد مارسنا تعسفا التمييز بين المجموعات الحضرية والقروية. وأن البنايات الضخمة والشوارع الواسعة واستخدام الإمكانيات التكنولوجية المتوفرة، ليس من الضروري أن ينتج حضارة.
إن عقدة ” أوديب” التي يعاني منها الفرد نتيجة عيشه تحت تأثير ما يمكن أن يسميه السوسيولوجيين “بذنب الفطام” سرعان ما يترجم هذا الحنين إلى ممارسات يومية وهي شبيهة بتلك التي تركها في البادية – فنجده يلجأ إلى غرس أشجار الزيتون والفاكهة أمام البيوتات والمنازل، وعلى جانب امتداد الطرقات، والتي في غالب الحالات ما تكون أغصانها متدلاة فوق الطرق المخصصة للسائقين، تكون عقبة أمام حركة المرور. بل تكون في بعض الأحيان سببا رئيسيا في حوادث السير.
إن ثقافة القرية نجد النازح يمارسها بامتياز، في موسم جني الزيتون مع جميع أفراد أسرته بلذة ونشوة كبيرتين، فينهمك الجميع في هذا الورش، وهو في قلب المجال الحضري، أفراد يشذبون الأغصان، وآخرون يلتقطون الحبوب ويملؤون بها أكياسا بلاستيكية،أو في أواني الطبخ المخصصة لهذا الغرض، والتي نصبت بطريقة عشوائية فوق الطوار.
كما نجد آخرين يتفننون في تربية المعز والأغنام في ركن من أركان البيت المكتري، وآخرون ينزعون إلى تربية الدواجن والقنينات فوق أسطح المنازل ( أحياء القدس الاول ، دوار عياد، وسط المدار الحضري بتازة ). مما يضفي على الحي أو الزقاق مظهرا مقززا تنبعت منه روائح كريهة، من جراء الأزبال والأوساح، فينتشر الذباب وتكثر الجراثيم، مما ينعكس سلبا على صحة السكان. فيتحول الواقع الحضري إلى واقع ريفي في صلب المدينة وجوهرها.
أما صنف آخر فنجده يجنح في فصل المصيف، إلى الإنتشاء بتنظيم جلسات عائلية حميمية، أمام البيوتات يهدر ما تبقى من وقته اليومي، ويجتر ما علق بذاكرته من أحداث ومواقع معاشة. مما يضفي على المدينة مشهدا مريفا محضا.
أما الصنف الثالث، فيرى في اختيار النسل وضبطه ليس من الأمور اليسيرة. إذ لازال يعتقد أن إنجاب الذكور أفضل من إنجاب الإناث لأن إنجاب الذكور يعد عملة صعبة ولأنهم يعتبرون قوة إنتاجية مضمونة.
وثانيا فإن الإنجاب يعد من بين الضمانات الأساسية للمحافظة على مركز الزوجة داخل بيت الزوجية.
إضافة إلى اعتبار الرجل هو صاحب القرار، وهو الصوت الوحيد الذي يحق له أن يرتفع بالخير أو الشر، بالصحة والخطأ، غير أن النساء مازال دورهن مختزلا في تربية الأطفال و تهييء المطبخ في جل العائلات القروية التي تنزح من القرية إلى المدينة. وهكذا مرة أخرى، نلاحظ كيف يصبح القروي ضحية الجذب الذي تمارسه عليه المدينة، فلا هو بالمتحضر ولا هو بالقروي، لأنه وفي أغلب الحالات وخصوصا على مستوى الإمكانيات العقلية نجده ملفوظ وممنوع منها.
فإذا لم تبادر الجهات المسؤولة وغيرها من فعاليات المجتمع المدني، من تخطيط إجراءات واستراتيجيات معقولة ومفعلة، من أجل وضع حد لهاته الهجرة، كفتح الباب على مصراعيه للإستثمار في البوادي، وتشجيع العائلات القروية بواسطة مشاريع تنموية، وخلق مقاولات صغرى ومتوسطة من أجل تنمية مستدامة، وضمان تغطية صحية، وجلب الماء الصالح للشرب، وإقرار تعلم نافع ومندمج، وتأهيل العنصر البشري عن طريق تكوينه وإعادة تموينه. يكون من العبث الحديث عن مجتمع مدني وآخر قروي، وسوف لن نزيد المدينة مستقبلا إلا أعباء هي في غنى عنها، والتي يصعب إيجاد حلول ناجعة لها
بوشتى بن الطالب
تازة في 11-04-2012


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.