وسط حركة دؤوبة للمتسوقين في أحد الأسواق المفتوحة بمدينة طنجة، تصطف على بسطات خشبية متواضعة معلبات غذائية وقنينات زيت طهي ومواد استهلاكية أساسية بأسعار تثير الانتباه. وتعرض هذه المنتجات بأثمنة تقل أحيانا عن نصف قيمتها المعتادة في المسالك التجارية المنظمة والمساحات الكبرى، لتشكل نقطة جذب يومية للمارة. ويتكرر هذا المشهد التجاري في عدة زوايا وأحياء من المدينة، حيث تتكدس السلع الاستهلاكية في انتظار مشترين يبحثون عن التكلفة الأقل لتأمين موائدهم اليومية. غير أن هذه الوفرة اللافتة في المواد الغذائية الزهيدة الثمن لا تعكس تنافسا تجاريا طبيعيا، بل تخفي وراءها ممارسات مرتبطة بالغش الغذائي، بحسب ما يؤكده مصادر متطابقة ويرتبط هذا الانتشار الملحوظ لهذه البضائع منخفضة التكلفة، وبين سلسلة من وقائع الضبط والحجز التي سجلتها اللجان المختصة خلال الأسابيع القليلة الماضية. وتظهر المعطيات الرسمية المتوفرة أن جزءا كبيرا من هذه السلع المعروضة يشكل تهديدا مباشرا للصحة العامة، نتيجة تلاعبات تمس جوهر السلامة الصحية للمنتجات المعروضة للبيع. ويأتي تنامي الإقبال على هذه السلع المعروضة بأسعار تفضيلية في سياق سوسيو-اقتصادي يتسم بضغط مستمر على القدرة الشرائية للأسر. ويفسر هذا المعطى الاقتصادي لجوء شريحة من المستهلكين إلى الأسواق الموازية ومحلات التقسيط كبديل لتلبية الاحتياجات المعيشية. ويتضاعف هذا الضغط بشكل لافت خلال شهر رمضان، الذي يسجل بطبيعته ارتفاعا في معدلات الاستهلاك والطلب على المواد الغذائية. وأمام الرغبة في التوفيق بين متطلبات المائدة الرمضانية ومحدودية الميزانية، يضطر متسوقون لاقتناء منتجات دون التدقيق الصارم في مسار توزيعها أو في ظروف تخزينها. ولا تقتصر مخاطر هذه الظاهرة على عرض سلع في ظروف غير صحية، بل تتعداها إلى ممارسات تزوير ممنهجة. وتستحضر السلطات المحلية بطنجة، في هذا الصدد، سابقة أمنية وإدارية تمثلت في تفكيك نشاط سري يعتمد على التلاعب المباشر بتواريخ صلاحية المنتجات الغذائية. وأسفرت تلك العملية، وفق محاضر رسمية، عن حجز معدات تقنية وآلات دقيقة تستعمل خصيصا لمحو التواريخ الأصلية وطباعة تواريخ جديدة ومزيفة على العبوات. وتشكل هذه الممارسة غير القانونية حلقة أساسية في إعادة تغليف مواد منتهية الصلاحية وضخها مجددا داخل الأسواق لتصريفها. واستجابة لهذا الوضع الميداني، كثفت المصالح المختصة من تدخلاتها لزجر المخالفين، مسجلة حصيلة حجز لافتة. ووفق تقارير السلطات المحلية، باشرت لجان المراقبة بتاريخ 26 من فبراير الجاري عملية تفتيش استهدفت محلا تجاريا ومخبزة يقعان بحي بنكيران، المعروف ب"حومة الشوك". وأفضت هذه العملية، التي تمت بناء على معاينة ميدانية، إلى حجز حوالي 450 كيلوغراما من المواد الغذائية واللحوم. وعزت السلطات هذا الحجز المباشر إلى رصد ظروف تخزين غير مطابقة للمعايير الصحية، مؤكدة فتح مسطرة قانونية في حق المخالفين لتحديد المسؤوليات وترتيب الجزاءات. وسبقت هذا التدخل عملية تفتيشية أخرى نفذتها فرق المراقبة بتاريخ الثالث والعشرين من شباط/فبراير الجاري بحي المصلى. وأسفرت هذه المداهمة عن رصد مسار تسويق مواد غير صالحة، حيث تم حجز أكثر من 60 كيلوغراما من اللحوم الحمراء الفاسدة. وباشرت المصالح المعنية، فور تأكيد حالة الغش، تحرير محاضر رسمية لتوثيق المخالفات، موازاة مع الإشراف المباشر على إتلاف الكميات المحجوزة بالكامل لضمان عدم تسربها إلى مسالك الاستهلاك. وتتولى تنفيذ هذه المهام الرقابية هيكلة مؤسساتية تعرف ب"اللجان الإقليمية المختلطة"، التي تضم وفق التنظيم الإداري المعمول به، ممثلين عن قسم الشؤون الاقتصادية بعمالة طنجة، بتنسيق ميداني متواصل مع مفتشي المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية (أونسا)، والأطر التقنية التابعة لقسم حفظ الصحة. ولضمان تنفيذ التدخلات وعمليات الحجز في ظروف آمنة، تحظى هذه الفرق بمؤازرة أمنية مستمرة من لدن عناصر القوات المساعدة طيلة مراحل التدخل. ومع استمرار أيام شهر رمضان، تؤكد السلطات الإقليمية مواصلة حالة الاستنفار الميداني للحفاظ على الأمن الغذائي للمواطنين. ويترجم هذا التوجه عبر تكثيف اللجان الإقليمية المختلطة لدورياتها اليومية لتشمل مختلف الفضاءات التجارية. وتتركز مهام هذه اللجان على المراقبة الصارمة لمستويات الأسعار، والتدقيق الميداني في تواريخ الصلاحية وشروط التخزين، إلى جانب تتبع مسالك التوزيع، في مسعى متواصل لتطويق ممارسات الغش وحماية صحة المستهلكين.