فتاح والرميلي يشيدان بمسار "الأحرار"    ارتفاع أسعار المحروقات بالعالم .. والمخزون الوطني يمنح "هامش أمان"    الرجاء الرياضي يعزز صدارة البطولة الاحترافية.. والجيش يكتفي بالتعادل    الكوكب المراكشي يهزم الفريق السوسي    إحباط عمليتين لتهريب 503 كيلوغرامات من الشيرا بميناء مارينا طنجة وتوقيف 6 مشتبه فيهم        نساء "العدل والإحسان" ينتقدن أوضاع النساء في المغرب في بيان بمناسبة اليوم العالمي للمرأة    بطولة إسبانيا لكرة القدم (الجولة 27).. أتلتيكو مدريد يفوز على ريال سوسييداد (3-2)        بعد اتهامات نقابية.. "كازا تيكنيك" توضح ملابسات التأخر في التصريح ببعض العمال بالحسيمة    قاسيطة.. أربعيني يضع حداً لحياته شنقاً في ظروف غامضة    الحرب في الشرق الأوسط.. إيران ستتعرض ل"ضربات قاسية" (ترامب)    لماذا يرمي مهندس معماري خوذته ليصبح متسولا رقميا؟            توقعات أحوال الطقس ليوم غد الأحد    توقيع اتفاقية شراكة لتعزيز خدمات التعليم العالي لفائدة أبناء أسرة الأمن الوطني    دفاعات الإمارات تصد صواريخ إيرانية    نشرة حمراء دولية توقف فرنسي بمطار محمد الخامس    الرئيس الإيراني يعتذر عن قصف دول الخليج    "المالية" تعدد مكاسب "تصنيف موديز"    المتصرفون التربويون يعلنون إضراباً وطنياً ووقفة احتجاجية أمام وزارة التربية    فيتنام تعلن عن قفزة كبيرة في أسعار الوقود            "العدالة والتنمية" بجهة سوس ماسة يحذر من الرعي الجائر وتدهور الخدمات الصحية ويدعو لتسريع تعويضات ضحايا الزلزال    افتتاح موسم الصيد بالمياه البرية 2026-2027 غدا الأحد    الصيام الآمن لمرضى السكري والضغط... ندوة صحية لحزب الاستقلال بوادي الناشف    أسعار نفط الخليج الأمريكي تبلغ أعلى مستوى لها منذ عام 2020 بسبب الحرب مع إيران    لجنة الأخلاقيات توقف مدربًا ولاعبة مؤقتًا بعد تبادل الضرب في مباراة لكرة القدم النسوية    الدولي المغربي عيسى حبري يدخل عالم الاحتراف من بوابة ستاد رين    الدرهم يحافظ على استقراره أمام الأورو ويتراجع مقابل الدولار        الرئيس الإيراني يعتذر لدول الجوار العربية ويتعهد بعدم استهدافها ما لم تهاجَم إيران من أراضيها    أربيلوا يشيد بروح لاعبي الريال بعد فوزٍ مثير: سنواصل القتال على اللقب    توقيع عقود شراء الكهرباء المتعلقة بتطوير برنامج نور أطلس للطاقة الشمسية الكهروضوئية وانطلاق أشغال الانجاز    عسكريون أمريكيون يصفون الحرب على إيران ب "هرمجدون" أو "حرب القيامة" ووزير الدفاع الأمريكي يعتبرها "مباركة من المسيح"    أساقفة الرباط وطنجة يدينون توظيف الدين في الحروب ويدعون إلى احترام القانون الدولي    دراما على المقاس    مسؤول بحزب الكتاب ينفي الحسم في مرشح البرلمان بطنجة ويضع البرلمانية الدمناتي على الردار الانتخابي    قساوسة يؤدون صلاة جماعية داخل البيت الأبيض من أجل نصرة ترامب في حربه ضد إيران    اتحاد يعقوب المنصور يحتج على التحكيم وتعطل "الفار" في مباراة الفتح الرياضي ويطالب بفتح تحقيق عاجل    السعودية تعترض وتدمر صاروخا بالستيا    "سنابل" يقارب تطورات الصناعة الوطنية    البهجة: مستعدون لأي استحقاق انتخابي لأننا متواجدون في الميدان دائما ومرشحنا الأخ الطوب مشهود له بالجدية والتفاني    عمرو خالد: سورة النور وصفة قرآنية تبدد حُجُب الظلام عن بصائر المؤمنين    هذه الليلة في برنامج "مدارات" بالاذاعة الوطنية: لمحات من سيرة المؤرخ والأديب محمد بوجندار    وزارة الثقافة تسطر برنامجا فنيا وطنيا متنوعا بمناسبة اليوم العالمي للمسرح    المعهد الفرنسي بالجديدة يفتتح سهرات ليالي رمضان بحضور جماهيري لافت    لِي مَا لَيْسَ لِي    تحديد ‬الكلفة ‬النهائية ‬للحج ‬في ‬63 ‬ألف ‬درهم ‬تشمل ‬لأول ‬مرة ‬واجب ‬‮«‬الهدي‮»‬    دراسة تحذر: ضوضاء الشوارع تؤثر على صحة القلب سريعا    حقن إنقاص الوزن .. دراسة تحذر من استعادة الكيلوغرامات بعد التوقف        اللجنة الملكية للحج تحدد كلفة حج 1447 في 63 ألف درهم وتشمل الهدي لأول مرة... وإرجاع 1979 درهما للحجاج        أطباء العيون يدعون إلى إصلاحات من أجل مستقبل أفضل للرعاية البصرية في المغرب    القلادة التي أبكت النبي... قصة حب انتصرت على الحرب    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



عبد الوهاب المؤدب – "الاخبار": اغتصاب في تونس: حين تصبح الضحية في قفص الاتهام
نشر في مغارب كم يوم 07 - 10 - 2012

في عين زغوان، على مسافة عشرة كيلومترات من وسط المدينة، على الطريق الذي يقود إلى المرسى، ضاحية شاطئية وسكنية، بين رواد وقرطاج، تعرضت امرأة للاغتصاب من قبل شرطيين في الخدمة، فيما كان زميلهما يهدد رفيق المرأة ويبتزه. لكن من كان يتصوّر أنّ المرأة المُغتصبَة ستجد نفسها متهمة من قبل القاضي بالفحشاء والسلوك غير الاخلاقي؟
ضُبِط الثنائي وهما يمارسان الجنس، وكانت المرأة المغتصبة في لباس غير لائق، هذا بحسب أقوال هذه الفئة الجديدة من رجال الشرطة الذين يدافعون عن الأخلاقيات الإسلامية التي يُستشهَد بها لمضايقة النساء اللواتي ينتهجن الأسلوب الغربي ويتجاهلن احترام العورة الذي عفا عليه الزمن. يشبِّه هذا المفهوم العري الجزئي لجسم المرأة بعري استفزازي يثير الفوضى في المدينة. ويفرض التقيد بستر العورات في أحسن الأحوال ألّا تظهر المرأة سوى وجهها ويديها، وفي أسوئها، ألا تظهر شيئاً سوى عينيها اللتين تلمعان ويتحرك بؤبؤاهما خلف الإطار المفرّغ للبرقع الذي يغطي جسمها كله باللون الأسود.
وبحسب مفهوم العورة هذا الذي يرفضه الكثير من النساء والرجال في تونس، تصبح الضحية هي المذنبة. هذا هو قانون المجتمع الذكوري، قانون يود الإسلاميون فرضه على تونس التي ظننا أنّها اكتسبت حداثة قوامها المساواة بين الجنسين. باتت البلاد مُهددة من قبل حكومة النهضة الإسلامية التي، على الرغم من خطابها المؤيد للحداثة والديموقراطية، لا تزال متمسكة بالنزعة الاسلامية التي ترتكز على إعادة إحياء المفاهيم والأفكار القديمة العهد التي أرساها المجتمع الذكوري والهيمنة الذكورية (أو ما يسمى الفالوقراطية) باسم الإسلام.
بحسب هذه الرؤية الذكورية، المرأة هي دائماً مصدر الرغبة، هي تثيرها وتشعلها؛ من خلال عريها الجزئي الذي يُشبَّه بالعري الكامل، تثير إغواءً ينتج فتنة. هي وحدها مصدر الفتنة. هذه الفتنة هي التي تولّد لدى الرجل فكرة الاغتصاب. بالتالي، إن اغتُصبَت امرأة فذلك لأنّها وضعت نفسها في موقفٍ يعرضها لذلك.
يبدو أنّ هذا المنطق البغيض مرّ في تفكير رجال الشرطة والقضاء، الذين برأهم وزراء الوصاية. والأفظع من ذلك أيضاً أنّ المدافعين عن النظام الاسلامي ومؤيديه عبر الانترنت يهددون باغتصاب النساء اللواتي عبّرن عن تضامنهن مع هذه القضية ودافعن بعزم عن الضحية. هذا ما حصل مع رجاء بن سلامة، الاستاذة الجامعية والمثقفة الناشطة جداً في قلب المجتمع المدني، والحريصة في نضالها ضد الهيمنة الاسلامية. هكذا بعد دعوة أنصار الاسلاميين، عبر المدونات، إلى قتل المناضلين في سبيل الحداثة، وصلنا اليوم إلى التحريض على الاغتصاب.
هذا الانقلاب في الأدوار الذي يضع الضحية في مقام المذنب مرفوض تماماً. ينبغي أولاً التذكير بأنّ المرأة ليست وحدها مصدر الرغبة. فالطاقة التي تتحدى القانون قد تصدر عن الرجل أيضاً. الرغبة الشديدة أو الخفيفة تتخطى الهوية الجنسية. هي تخالج أشخاصاً من هذا الجنس أو من الجنس الآخر من دون تمييز. دومينيك شتراوس كان خير مثال على المشاركة الذكورية في الفوضى التي تسببها الرغبة. هذه هي الأمثولة الأولى التي تُطيح المفاهيم الذكورية التي تجعل من المرأة الناقل الحصري للفتنة.
الأمثولة الثانية مُستمَدة من نظام حقوق الانسان الذي ينص على حق كل إنسان في التصرف بجسمه كما يشاء، سواء رجلاً كان أو امرأة. لا يُمنح الجسم للشخص الآخر إلا عبر وساطة الارادة الحرة التي تقبل الارتباط، فضلاً عن القبول والخيار الحر للطرفين. يحدث الاغتصاب ما إن يغيب هذان الشرطان المسبقان. من هنا ليست المساواة بين الجنسين في هذا المجال موضوع نقاش، وهذا ينطبق أيضاً على التزام مسؤوليتهما. بالتالي، لا نجد الفرق بين الجنسين إلا من الناحية البيولوجية بحيث يُعطى الرجل قوة جسدية أكبر يستغلها في إطار الاغتصاب.
أما الأمثولة الثالثة فتعيدنا إلى قلب معركة الأخلاقيات. مع النظام الإسلامي، الحرية في خطر. يسعى الاسلاميون إلى إضفاء الطابع الاسلامي على المجتمع مجدداً. يحلم هؤلاء بإعادة إرساء العرف الاسلامي في مجتمع ابتعد عنه. كذلك، يعملون على إحياء مؤسسة الحسبة التي نشأت في القرون الوسطى. والمقصود بالحسبة شرطة أخلاقية شعارها التعبير القرآني الذي يترجم كالتالي: «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر». وضع هذه النظرية ابن تيمية في نهاية القرن الثالث عشر، وأحياها في القرن الثامن عشر ابن عبد الوهاب، مؤسس المذهب الوهابي، الذي لا يزال يُطبق حتى اليوم في السعودية. تترك حكومة النهضة حرية التصرف للوهابيين المحليين (الذين يسمون أنفسهم السلفيين) لتهيئة الظروف الملائمة لإعادة إرساء الحسبة. غير أنّ هذه المؤسسة لم تكن قائمة دائماً في المدينة التقليدية. يشيد حافظ، شاعر القرن الرابع عشر وصاحب الروح الحرة، في عدد من قصائده الغزلية بنهاية الحسبة وتنحية راعيها المحتسب لدى قدوم أمير ليبرالي إلى شيراز. وفي التقليد المالكي الأندلسي المغاربي انحصر دور المحتسب بالتحكم بالسوق وحسب، من خلال اكتشاف البضائع المغشوشة، والحرص على تطابق الأوزان مع المقاييس وعلى انتظام المعاملات
التجارية.
من خلال هذا اللجوء الخبيث إلى الحسبة، يريد الإسلاميون أن يضعوا حداً للحرية الأخلاقية النسبية. وفي سبيل تحقيق مشروعهم، يلجأون إلى السلفيين لترهيب النساء والفنانين والمثقفين والجامعيين. يزرعون الرعب في الوسط الليبرالي الذي يواكب الحداثة. من خلال التسامح مع السلفيين، يدنّس الإسلاميون الذين في السلطة، عن عمد، المبدأ الذي يوكل إلى الدولة مهمة حفظ الأمن وحماية المدنيين من أعمال العنف. لتتفتح الحرية، لا بد من تحرير الناس من الخوف. بيد أنّ الاسلاميين يتعمّدون زرع الخوف؛ فهم لا يشجعون الممارسات الإجرامية التي يرتكبها السلفيون وحسب، بل يجعلون من رجال الشرطة والقضاة عناصر لتطبيق الحسبة يحولون الضحايا إلى مذنبين. يزداد الشعور بعدم الأمان ويسود الرعب عندما يختلط ممثلو السلطة مع المجرمين.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.