هل يمكن لممتهن التجارة و الأعمال أن يمارس تدبير الشأن العام؟ من دون السقوط في شبهة عدم التعفف و العفاف؟ الدستور ينص على المساواة في شتى المجالات بما في ذلك الإنخراط في العمل السياسي عن طريق الإنتماء الحزبي ما لم تكن طبيعة و حساسية المهنة تقتضي المنع كما هو الشأن بالنسبة للمؤسسة العسكرية أو الأمنية … إذن فمن حق التاجر كمواطن الإنخراط في العمل السياسي، ولكن هل يستقيم تدبيره للشأن العام؟ على اعتبار أن هذا التدبير فيه تصرف بالمال العام و بشؤون البلاد و العباد؟ هنا الإشكالية،حيث أن التاجر بطبعه يسعى إلى الربح و مراكمة الثروة الخاصة في ظل نظام المبادرة الحرة، في حين أن تدبير الشأن العام يسعى إلى المصلحة العامة. هل يستطيع التاجر بعقليته تلك أن يفصل بين ذمته المالية الخاصة و الذمة المالية العامة، و أن لا يسقط في شبهة عدم التعفف و العفاف، و عن الخلط بين صفقات التجارة التي يحكمها القانون التجاري و هو قانون خاص يساعد على الربح، و الصفقات العمومية التي يحكمها القانون الإداري العام الذي يهدف إلى المصلحة العامة؟ أم أنه سيعتبر مناسبة تدبير الشأن العام فرصة تجارية لا تعوض لمزيد من الربح و الإستفادة من مجال الريع. لقد قالها عالم الإجتماع ابن خلدون السياسة و التجارة مفسدة. مناسبة هذا الحديث و المناسبة شرط كما يقال، هو أن العديد من التجار ورجال الأعمال أي ما يسمى في أدبيات علم السياسة بالأعيان، اقتحموا الفعل و العمل السياسي و تدبير الشأن العام الترابي و الحكومي، وذلك بحكم قوة المال و الفراغ الذي بات يطبع المشهد السياسي الحزبي نتيجة عزوف أصحاب الفكر و الثقافة و التقنية عن الإنخراط في الأحزاب والحركات الإجتماعية، ومن تم التخلي عن المساهمة في تدبير الشأن العام. وبالمحصلة من كل ما سبق تحول الشأن العام من إبداع للحلول و إنتاج الأفكار و تذليل الصعوبات، إلى مناسبة و فرصة للتجارة و الإسترزاق و الغنائم و السمسرة و استغلال الصفة الإنتخابية لتحقيق مآرب شخصية و مناسبة للتحايل على القانون و انتهاز المنصب الإنتخابي للظفر بالصفقات العمومية بأسماء و شركات في الواجهة. في الدول ذات التقاليد الديمقراطية العريقة، نجد أن التجار ورجال الأعمال ينتظمون في مؤسسات مهنية تشكل إطارهم القانوني للدفاع عن مصالحهم و الضغط على الحكومات و الهيئات المنتخبة لتوجيه سياساتها في الإتجاه الذي يوافق تطلعاتهم و مصالحهم، أو اللجوء في بعض الأحيان إلى تمويل الحملات الانتخابية لحزب أو شخص معين للدفع به إلى مركز القرار ،خدمة لأجنداتهم الإستثمارية أو التجارية، في حين أنه في الدول التي تعيش العبث و العشوائية، تجد التاجر ورجل الأعمال في موقع المسؤولية الإنتخابية أو الحكومية ليفعل ما يشاء بما يشاء ولمن يشاء مستفيدا من سبق المعلومة ومن امتياز اتخاذ القرار.