يطرح كتاب «أصوات خلف القضبان: في المغرب وإسبانيا. التاريخ والعدالة الانتقالية والشهادات الأدبية» (2025)، للباحثة نجوى غميجة، أسئلة عميقة حول السجن بوصفه مؤسسة قمعية، وحول الأدب باعتباره فضاءً للمقاومة والذاكرة واستعادة الكرامة. الكتاب، الذي هو في الأصل أطروحة دكتوراه، ينهض على مقاربة مقارنة بين تجربتين سياسيتين متجاورتين، المغرب وإسبانيا، عاشتا مراحل تاريخية موسومة بالقمع والاستبداد: سنوات الرصاص في المغرب، وفترة "الرعب الأبيض" في ظل نظام الجنرال فرانكو. يتقاطع في هذا العمل فضاءان متعارضان ظاهريًا: المؤسسة السجنية بما تحمله من عنف ورهبة وسعي للسيطرة على الأجساد والعقول، والأدب بوصفه مجالاً للحرية والخيال وإنتاج المعنى. ومن خلال تحليل الشهادات الأدبية، يدافع الكتاب عن أطروحة مركزية مفادها أن الكتابة السجنية لا تكتفي بفضح القمع، بل تسهم في أنسنة السجن، وتحويل عالمه المغلق وغير المرئي إلى جزء من الوعي الجماعي المتحول بتغير المجتمع ومساراته السياسية.
في هذا الحوار، تضيء نجوى غميجة خلفيات كتابها، ورهاناته الفكرية والأخلاقية، وتشرح الفوارق بين التجربتين المغربية والإسبانية، ودور الذاكرة والكتابة في مقاومة النسيان وبناء أفق العدالة الانتقالية. وفي ما يلي نص الحوار السجن مؤسسة رهيبة ومخيفة تتكاثف فيها الأسرار والظلال. هل تعتبرين الكتابة عن هذه المؤسسة شكلاً من أشكال أنسنتها وإضاءتها، كما حاولتِ في كتابك «أصوات خلف القضبان»؟ السجن، في المتخيل الاجتماعي، ليس مجرد فضاء للعقاب، بل عالم مغلق تتقاطع داخله السلطة بالصمت والعنف، سواء في بعديه الرمزي أو المادي. والكتابة عنه، في تقديري، لا تقتصر على وصف مكان، بل تمثل اقتحامًا لمنطقة مسكوت عنها في الذاكرة الجماعية. في «أصوات خلف القضبان في المغرب وإسبانيا»، حاولت إبراز كيف تتحول التجربة السجنية، عبر الشهادة الأدبية، إلى فعل أنسنة. فالسجين حين يكتب يستعيد صوته، وينتقل من وضعية «الجسد المُعاقَب» إلى موقع الذات المفكرة والمتكلمة. الأدب السجني لا يجمّل السجن ولا يبرّره، بل يضيء عتمته، ويحوّل الألم الفردي إلى سؤال أخلاقي وتاريخي حول الحرية والكرامة والعدالة. بذلك، لا تلغي الكتابة قسوة السجن، لكنها تكسر منطقه المغلق، وتعيد إدماجه في الفضاء الإنساني والرمزي، عبر انتزاع الإنسان من وضعية «الموضوع العقابي» وإعادته إلى موقع الذات الناطقة. كتابك في الأصل أطروحة دكتوراه دافعتِ عنها بكلية الآداب بالرباط. كيف تم تلقي هذا العمل، الذي يمكن اعتباره جريئًا، في الوسط الأكاديمي؟ قوبل العمل باهتمام إيجابي داخل الوسط الجامعي، لكونه لا يقوم على مقاربة خطابية أو انطباعية، بل يستند إلى بحث علمي مقارن يوظف التاريخ والسوسيولوجيا وتحليل الخطاب الأدبي. فالجامعة اليوم لم تعد حكرًا على الموضوعات التقنية أو المحايدة، بل أصبحت فضاءً لمساءلة قضايا الذاكرة، والعدالة الانتقالية، والماضي السياسي، باعتبارها مفاتيح لفهم التحولات الديمقراطية وبناء الثقافة الحديثة. كما أن الإطار الأكاديمي، بما يوفره من مسافة نقدية وأدوات تحليل، يسمح بتناول هذه القضايا بقدر عالٍ من الصرامة والموضوعية. وقد مكّنني الاشتغال على نصوص مغربية وإسبانية، وعلى تجارب مثل سنوات الرصاص والفرانكوية، من تقديم أطروحة تحترم المنهج العلمي، وتفتح في الآن ذاته أفقًا فكريًا وأخلاقيًا واسعًا. دراستك مقارنة بين المجتمعين المغربي والإسباني في أوضاع المؤسسة السجنية ومسارات الانتقال الديمقراطي والشهادات الأدبية. ما أبرز الاختلافات التي رصدتِها؟ رصدت الدراسة اختلافات بنيوية وتاريخية واضحة، رغم وجود نقاط تقاطع. ففي إسبانيا، ارتبط الانتقال الديمقراطي بعد فرانكو بما عُرف ب Pacto del olvido (ميثاق النسيان)، حيث جرى تأجيل معالجة الماضي السياسي لصالح الاستقرار المؤسساتي، وهو ما انعكس على طبيعة الشهادات الأدبية التي جاءت غالبًا في شكل استعادة متأخرة للذاكرة. في المقابل، تبلور في المغرب مسار عدالة انتقالية ضمن إطار مؤسساتي منظم، خاصة مع هيئة الإنصاف والمصالحة، ما أتاح فضاءً أوسع لخطاب أدبي سجني تفاعلي مع هذا المسار، سواء عبر مواكبته أو مساءلته. ويظهر هذا التباين في تمثيل الفضاء السجني داخل النصوص. ففي الأعمال المغربية، مثل À l'ombre de Lalla Chafia لإدريس بويسف الركاب وUne femme nommée Rachid لفطنة البويه، يُقدَّم السجن كفضاء تُختبر فيه حدود الجسد والذات، مع حضور قوي لآليات العزل والانضباط، في سياق كتابة مشدودة إلى إلحاح الشهادة المرتبط بسنوات الرصاص. أما في النصوص الإسبانية، مثل Muerte después de Reyes لمانويل دي لا إسكاليرا وTestimonios de mujeres en las cárceles franquistas لتوماسا كويفاس، فتُقدَّم تجربة الاعتقال من زاوية مزدوجة، يتقاطع فيها الفردي مع الجماعي، خصوصًا في التجربة النسائية، حيث يتشكل وعي تضامني وذاكرة مشتركة. كما تكشف المقارنة اختلافًا في أنماط ممارسة السلطة داخل السجن: ففي السياق المغربي يبرز الأذى الجسدي والإكراه المباشر، بينما تتخذ هذه الممارسات في الحالة الإسبانية أشكالًا أكثر رمزية وإيديولوجية، من خلال التلقين الديني والأخلاقي والسياسي، خاصة في السجون النسائية. الذاكرة عنصر محوري في كتابك. هل يكتب السجناء ليتذكروا أم لينسوا؟ الكتابة السجنية تتحرك في منطقة ملتبسة بين التذكر والنسيان. فهي، من جهة، فعل استعادة وترميم للذاكرة الفردية والجماعية، ومن جهة أخرى، وسيلة للتخفف من عبء تجربة قاسية. لا أعتقد أن السجناء يكتبون فقط ليتذكروا أو لينسوا، بل يكتبون لإعادة ترتيب التجربة ومنحها معنى. الكتابة هنا فعل مقاومة للطمس، وأداة للتصالح مع الذات والماضي. فالسجن، رغم كونه فضاءً للإكراه، قد يتحول أحيانًا إلى مجال للتأمل والإبداع، حيث تجد الذات صوتها وتعيد صياغة تجربتها. في «أصوات خلف القضبان»، حاولت إبراز كيف تتحول الذاكرة عبر الأدب من جرح مفتوح إلى خطاب، ومن ألم فردي إلى سؤال جماعي حول العدالة والمسؤولية وإمكانات المصالحة، وكيف يصبح الفضاء السجني، من خلال الكتابة، أداة لإنتاج المعنى والتفكير الإنساني.