في ظل تفشي فيروس كورونا المستجد بمقاطعة "خوبي" و مدينة "ووهان" خاصة، و الصين عامة، و نجاح تدابير الحكومة الصينية في محاصرة الوباء في وقت قياسي و منعه من الانتقال إلى مناطق أخرى، يدفعنا بإتجاه التساؤل عن الأدوات و الإمكانات المتاحة للصين دون غيرها؟ و كيف إستطاعت الحكومة الصينية فرض حجر صحي و حصار تام على مقاطعة يصل إجمالي سكانها حوالي 60 مليون نسمة؟ و كيف تمكن الحزب الشيوعي من ضبط و تنظيم حركة حوالي مليار و نصف نسمة؟ أسئلة كثيرة تطرحها الصين ، فهذا البلد الذي أخد مني حوالي عقد و نصف من الدراسة و التخصص و البحث و التقصي في أغواره و بواطنه، لازال بالنسبة لي غامض و غريب الأطوار ، و كيف الحال بالإنسان العادي الذي لم تتح له معرفة الصين و شعبها و نمط عيش و منهجية تفكير هذا الشعب العريق.. و الأمر المؤكد بالنسبة لي هو أن تجربة الصين لا تصلح إلا للصين و شعبها، ف"الخصائص الصينية" ليست مجرد عبارة يتم تداولها ، بل هي حقيقة يسهل ملاحظتها في الحياة اليومية لهذا الشعب الاستثنائي، شعب يبدو للوهلة الأولى أنه مغلوب على أمره، و خاضع لحكم إستبدادي ديكتاتوري شديد القبضة كما يدعي الغرب، لكن الواقع الذي تؤكده الممارسة أن الحزب الشيوعي يخشى الشعب الصيني و يحاول إرضاءه و إشباع إحتياجاته، و بالقدر نفسه هناك درجة من الرضى و القبول لدى عموم الشعب، و هذا الرضا مصدره النتائج الايجابية التي حققها الحزب في إدارة البلاد منذ قيام جمهورية الصين الشعبية، و قدرة هذا الحزب على القيام بتعديل سياساته بمرونة شديدة، و أيضا نجاحه في تبني سياسات تخدم الصين و شعبها بعيدا عن منطق تقليد أو إقتباس تجارب الغير.. و بينما نعيش حالة من الحجر الصحي و تشديد الرقابة على تنقلاتنا الفردية و الجماعية خشية من تفشي الوباء، مع حرص الحكومات المختلفة على وضع ضوابط لمن يسمح لهم بالتنقل، و أصبحت حركة الأشخاص خاضعة لتصريح مؤقت للتنقل، يتم منحه من قبل السلطات المحلية للمواطنين.. فإن هذا الإجراء الاستثنائي و الطارئ على مختلف شعوب الأرض ، يكاد يكون إجراء عادي و قديم في الصين، فحرية التنقل للمواطن الصيني من مكان لأخر خاضعة لجملة ضوابط و قيود، صحيح أن هذه القيود و الضوابط تم تخفيفها مقارنة مع الفترة قبل 1979، لكن الحكومة الصينية المركزية أو حكومات الأقاليم، لازالت لها أدوات لضبط حركة تنقل الأشخاص، و النظام المعمول به بمثابة جواز السفر وهو نظام تسجيل الأسر المعيشية و يصطلح عليه " Hukou". و قد تم تبني نظام "Hukou" في أواخر الخمسينات، بوصفه أداة رئيسية لمراقبة الهجرة، و في السنوات الأخيرة تم التخفيف من إجراءات المراقبة وهو ما أتاح مرونة أكبر لحركة العمالة. "Hukou" ويعني نظام التسجيل وهو بمثابة جواز لسفر، العنصر الرئيس لنظام" hukou "هو الموقع ويتم تصنيف "hukou" إلى قسمين ريفي وحضري : * " hukou ريفي" و يقسم إلى زراعي أو غير زراعي، فالمواطن الذي يمارس أنشطة زراعية يتوفر على" hukou زراعي" ومن تم له الحق في الوصول إلى الأراضي الزراعية ، في حين أن المواطن الذي يزاول أنشطة غير زراعية يتوفر على" hukou غير زراعي" وله إمكانية الوصول إلى فرص العمل الغير زراعي ، كما له الحق في الإسكان ، و باقي الامتيازات التي ترعاها الدولة. * أما Hukou" الحضري" يشير إلى المناطق الحضرية وهو بذلك نظام للتسجيل غير زراعي ، ومن تم فهو يتيح لحامله الحق في الحصول على الرعاية الاجتماعية والخدمات العامة مثل الصحة والتعليم .. وكان نظام تسجيل الأسر المعيشية" Hukou" موضوعا للنقاش العمومي طيلة الفترة الماضية، ولازال يثير قدر كبير من الانتقادات.ووفقا لهذا النظام يتم تقسيم السكان بحسب الإقامة – إلى سكان الريف و سكان الحضر- كما يتم تقسيمهم بحسب طبيعة النشاط الاقتصادي المزاول : الزراعة أو غير الزراعة. هذا النظام اعتمدته السلطات في البداية كأساس لتوزيع الحصص الغذائية والتي تم إلغاءها في منتصف الثمانينات من القرن الماضي لكن ، مع ذلك استمر العمل بنظام " Hukou"، بهدف التحكم في حركة الهجرة من الريف إلى الحضر. وعلى الرغم من التغييرات التي أدخلت على هذا النظام، والتي شملت إمكانية الحصول على "تصريح إقامة مؤقت" في عام 1985، وإصدار بطاقات الهوية الوطنية في عام 1985. و بدءا من أواخر الثمانينات، بدأت العديد من الحكومات في المناطق الحضرية ببيع تصاريح الإقامة للمهاجرين المحتملين الذين تتوفر فيهم معايير محددة ، وتحث تأثير التنمية الاقتصادية وزيادة الطلب على اليد العاملة، خاصة في المناطق الساحلية والمدن الكبرى أحدت القيود المفروضة على الهجرة من الريف إلى الحضر تخف بدأ من عام 1992. فالمدن الكبرى مثل "شانغهاى" و"شنتشن" طرحت ما عرف بمبادرة "الخاتم الأزرق"والتي تتيح استقطاب المهارات من الأرياف. وفي عام 2001 وافق مجلس الدولة على إدخال المزيد من التغييرات على نظام التسجيل" Hukou"، وقد انبثقت هذه التغييرات عن برنامج تجريبي تم تبنيه في عام 1997. وهذه التغييرات تمكن المهاجرين من الدخول والإقامة القانونية في المناطق الحضرية مع إمكانية الحصول على" Hukou الحضري" في المدن الصغيرة . ورغم أن مجلس الدولة أصدر في عام 1998 المبادئ التوجيهية للتخفيف من القيود التي يفرضها " Hukou" بهدف مواكبة احتياجات المدن الكبيرة ، فان بعض المدن ، مثل "شيجياتشوانغ" منحت أزيد من 450000 تصريح بالإقامة بين شهر غشت 2001 ويونيو 2003 فقط و منذ تلك الفترة على حدود 2019 تم منح أزيد من 7 ملايين تصريح، وهو نفس الأمر الذي سلكته بعض المدن الكبيرة والمتوسطة ، مثل "نانجينغ" ، "شيان" و "تشوهاى" . غير أن بعض المدن الكبيرة ، مثل "بكين" ، و"قوانغتشو" ، و"شنغهاي" ، وضعت المزيد من القيود على منح تصاريح الإقامة للمهاجرين، وتبنت سياسة انتقائية تستهدف استقطاب العمال ذوي المهارات العالية. كل هذه الإجراءات مكنت المهاجرين الريفيين من البحث عن عمل في المناطق الحضرية بشكل مؤقت.وهو ما أسهم نسبيا في تحرير سوق العمل في السنوات الأخيرة ،ومع ذلك فإن المواطنين الذين يحملون نظام " hukou الريفي"، لا يتوفرون على كامل الحرية في اختيار فرص العمل، ما لم يكن لديهم مهارات خاصة، أو وجود نقص في اليد العاملة المحلية، وغالبا فإمكانية العمل في المدن الكبيرة تنحصر أساسا في الوظائف التي لا يرغب فيها السكان المحليين . والجدير بالذكر، أن تنقل العمالة غالبا ما يخضع لمراقبة صارمة في أماكن المغادرة و الاستقبال، فمثلا في عام 1998 شكل نقل العمال الريفيين من مقاطعة "سيتشوان" إلى مشروع "سد الخوانق الثلاثة" في مقاطعة "هوبى" ، مثالا حيا على أن تنقل العمالة لازال رهنا بالتخطيط الرسمي. في حين أن حالات أخرى من تنقل العمالة الريفية يتم بطرق خاصة و غير رسمية، بالاعتماد على مساعدة الأقارب والأصدقاء في أماكن الاستقبال. وهذا ما يفسر وجود تجمعات مهمة للمهاجرين في جميع المحافظاتالصينية رغم القيود المشددة على حركة الهجرة. فهناك تباين في تقديرات العدد الإجمالي للمهاجرين فالأرقام الرسمية تتراوح مابين 100 إلى 200 مليون، بينما تقديرات أخرى تذهب إلى وجود نحو 500 مليون مهاجر. وعلى الرغم من أن معظم المهاجرين يحصلون على دخل أعلى مما هو متاح في مواطنهم الأصلية، إلا أن المؤسسات المشغلة هي المستفيد الرئيسي، لأن العديد من العمال المهاجرين يوجدون في موقف تفاوضي ضعيف، مادام أنهم لايتوفرون على نظام " Hukou الحضري"، وهو ما يدفعهم إلى القبول بأجور منخفضة نسبيا، وفي غالب الأحيان فإنهم لا يطلبون المشغل بالتأمينات وباقي الالتزامات الاجتماعية. وعموما، فقانون الشغل من الصعب تنفيذه في حالة العمالة غير النظامية ، وخاصة بالنسبة للعمال المياومين والموسميين ، ويلاحظ أن اللوائح يتم تطبيقها بمرونة كبيرة في الصناعات التحويلية كثيفة العمالة، أو في الشركات المملوكة للأجانب، لا سيما في المناطق الاقتصادية الخاصة والمناطق الأخرى ، وذلك بهدف جذب الاستثمار. ولا بد أيضا من الإشارة، إلى أن الصين لم تصادق على جميع اتفاقيات منظمة العمل الدولية حول المعايير الأساسية للعمل. لذلك ، فان سياسة التخلص التدريجي من نظام Hukou ، وما يفرضه من قيود على هجرة العمالة الريفية، من شأنها أن تسهم في الحد من سوق العمل غير الرسمية. لاسيما، وان التحدي الرئيس في الصين هو محدودية الأراضي الصالحة للزراعة، التي لن تمكن من خلق فرص للدخل، تكفي مجمل سكان المناطق الريفية . وحتى تنمية المشاريع الريفية لن تمكن لوحدها من استيعاب فائض العمالة الزراعية، لذلك فان الهجرة إلى المدن و الحواضر الصناعية سيكون هو الحل في المدى المنظور..و سنحاول في مقال موالي التوسع اكثر في هذا الموضوع … و الله غالب على أمره و لكن أكثر الناس لا يعلمون… أكاديمي متخصص في الاقتصاد الصيني و الشرق آسيوي، أستاذ العلوم السياسية و السياسات العامة..