فرع تمارة للحزب الاشتراكي الموحد يحيي الذكرى الخامسة عشرة ل حركة 20 فبراير تحت شعار استحضار الذاكرة النضالية لتجديد الممارسة السياسية    سوق المستلزمات الطبية تحت مجهر مجلس المنافسة        بيت مال القدس تقيم إفطارا رمضانيا    القنوات الوطنية تهيمن على نسب المشاهدة في رمضان 2026 ب70.4%    موسم حج 1448ه .. عملية إجراء القرعة من 02 إلى 13 مارس 2026    المحكمة العليا تصدر حكمها بشأن رسوم ترامب الجمركية الشاملة    البحر يلفظ جثة شاب جزائري بشاطئ الحرش بالتروكوت    الخنوس والواحدي ضمن التشكيلة المثالية لملحق الدوري الأوروبي    استئناف الخدمات الصحية بالقصر الكبير‬    الأحمر يوشح تداولات بورصة الدار البيضاء    توقعات أحوال الطقس ليوم غد السبت    البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية يمنح 2.1 مليون أورو لتطوير مشروع "الناظور غرب المتوسط"    حادثة دهس شرطي تعيد إلى الواجهة نقاش التصدي لتهور بعض سائقي الدراجات النارية بطنجة    تراجع مفرغات الصيد بالمتوسط ب 30%    وقفات احتجاجية في عدة مدن مغربية تضامنا مع غزة والمطالبة بإسقاط التطبيع            عراقجي يعلن أن مسودة اتفاق مع الأمريكيين ستكون جاهزة خلال يومين أو ثلاثة    غوارديولا: مواجهة العنصرية تبدأ من المدارس... ورواتب المعلمين أولى من كرة القدم    النيابة العامة تكشف تفاصيل انتحار شخص بمقر الفرقة الوطنية للشرطة القضائية    المعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط.. إطلاق الدورة الرابعة لمسابقة الكتابة الإبداعية            اتفاق بين FIFA ومجلس السلام لإطلاق مشروع كروي متكامل في قطاع غزة    وزارة التعليم العالي تُعمّق المشاورات المالية قبل تنزيل زيادة 1000 درهم    توقيف الأمير أندرو واستجوابه 11 ساعة يهز العائلة الملكية البريطانية    بنحيون يتولى "عمادة الآداب" بمرتيل    انخفاض التضخم في يناير 2026 مدفوعا بتراجع أسعار المواد الغذائية    القضاء الإداري يعزل خمسة منتخبين بجماعة إنزكان على خلفية "تضارب المصالح"    مسرحية "لافاش": حين تتحول البقرة إلى استعارة للسلطة وسخرية سوداء تفكك منطق التحكم والفساد    وزارة الأوقاف توحّد خطبة الجمعة حول الصيام والتقوى وإتقان العمل    رويترز: ترامب يسعى إلى إبرام اتفاق نووي مع السعودية    جمعية الفردوس تنظم المهرجان الوطني للطفل والناشئة بجهة الدار البيضاء–سطات    قوالب جاهزة أمرّها قالب السُّكّر !    وديتان أمام بوركينافاسو لاختبار جاهزية لبؤات الأطلس    تراجع ملء سد وادي المخازن إلى 140% .. والمنشأة تتجاوز أصعب اختبار    شبيبة الأصالة والمعاصرة تؤكد دعمها للوحدة الترابية وتعلن تعبئتها للانتخابات المقبلة    240 مليون درهم لدعم الإعلام        للحفاظ على جودة العلاجات في طب العيون بالمغرب.. يوم وطني للتشاور ببوزنيقة    فليك يوبخ نجوم برشلونة ويحذر من ضياع الموسم    نينغ تشونغ يان يمنح الصين أول ذهبية أولمبية في التزلج السريع    كيوسك الجمعة | الحكومة تعبئ مخزونات السردين وتخضع الصادرات للرقابة    أحكام بالسجن في حق 18 مشجعا سنغاليا بعد شغب نهائي ال"كان" بالرباط    الملك محمد السادس يدعم جهود ترامب لإعادة إعمار غزة ويدعو إلى إطلاق مسار حقيقي للسلام بالشرق الأوسط    تسوية ب 35 مليون دولار في قضايا الاعتداء المرتبطة بجيفري إبستين    الكوكب المراكشي يعلن عودة استقبال مبارياته بملعب الحارثي    "الكورفاتشي" ينتقد تماطل "الكاف"    مستشارو فيدرالية اليسار الديمقراطي بالجديدة يطالبون بخطة شاملة وعاجلة لرد الاعتبار للحي البرتغالي    نصائح ابن حزم في "طوق الحمامة" للعشاق وحكاية ابن السراج والفاتنة شريفة    عن القلوب التي تواسي بلا حدود أو قيود    ليلى شهيد.. رحيل امرأة استثنائية    وزارة الأوقاف تحدد موعد قرعة الحج    وفاة المدافع عن "حقوق السود" جيسي جاكسون    لماذا يجب أن تبدأ إفطارك بتناول التمر في رمضان؟    من الإفطار إلى السحور .. نصائح لصيام شهر رمضان بلا إرهاق أو جفاف    القيلولة لمدة 45 دقيقة بعد الظهر تساعد في تحسين التعلم    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



منهاج الفلسفة والجائحة
نشر في لكم يوم 06 - 04 - 2020


تمهيد:
باحتساب الموسم الدراسي الحالي (2012/2020)، يكون قد مر على برنامج الفلسفة المعمول به في السلك الثانوي التأهيلي بالمدرسة المغربية منذ موسم (2007/2008)، أكثر من ثلاثة عشر سنة. وإذا كان العقد الثاني من الألفية الثالثة قد عرف زلزالا سياسيا تلخصه عبارة" ربيع الشعوب الديمقراطي"، بنجاحاته وإخفاقاته، لم يُخَلِّفْ أي أثر على برنامج الفلسفة، فإننا اليوم أمام زلزالٍ طبي وبيولوجي مس العالم، كل العالم، وفرض تغيرات مست الكائن الإنساني، حيثما وجد، في عيشه وسلوكه وحياته اليومية، دقيقة بدقيقة، وساعة بساعة، ويوما بيومٍ. فهل سيتفاعل العقل التربوي في وزارة التربية الوطنية، على مستوى المناهج عامة، والمنهاج الفلسفي خاصة، مع هذا الزلزال أم سيتجاهله كما تجاهل الرجة التي أحدثها، ولم تنتهي بعد، ربيع الشعوب؟
ثلاثة أسئلة تفرض نفسها علينا هنا:
كيف كنا نتمثل، بشكل صريح أو ضمني، وفي حدود المنهاج الدراسي لمادة الفلسفة المعمول به منذ 2008، علاقتنا بالفكر الفلسفي في امتداده الزمني من جهة، وفي امتداده الجغرافي من جهة أخرى؟
ما هي المظاهر العامة للجائحة؟
ما هي الأسئلة الفلسفية التي تفرضها مظاهر الجائحة؟
-1-
بعض من ملامح الدرس الفلسفي الحالي:
حينما نتأمل "المنهاج الفلسفي"، على مستوى الثانية باكلوريا تأهيلي، نلاحظ أنه اعتمد على مستوى الهيكل، وبشكل ضمني، تقسيما للفلسفة يجمع بين أسئلة كانط الأربعة (ما الإنسان؟ ما الذي يمكنني أن أعرف؟ ما الذي يجب علي أن أفعله؟ ما الذي يمكنني أن آمله؟)، وبين التقسيم الكلاسيكي للفلسفة الذي ينظر إليها من خلال ثلاثة محاور هي محور الوجود، ومحور المعرفة، ومحور القيم. ونتيجة هذا التركيب الضمني كان هو: مجزوءة الوضع البشري، أو ما الإنسان؟ ومجزوءة المعرفة أو ما الذي يمكنني أن أعرف؟(محور المعرفة) ومجزوءة السياسة أو ما الذي يجب علي أن أفعل؟ (من محور القيم). ومجزوءة الأخلاق أو، نسبيا، ما الذي يمكنني أن آمله؟ (محور القيم).
على مستوى الديداكتيك، يتناول المنهاج الدروس من خلال ديداكتيك يعتمد المفهوم مدخلا. فالدرس الفلسفي هنا ليس درسا في تاريخ الفلسفة، مذاهبها، ونظرياتها، ومفاهيمها، ومناهجها، بل هو درس يتناول مفاهيم فلسفية بعينها. لا يتناولها تناولا معجميا وقاموسيا، وإن كان من المطلوب تقديم فرشة قاموسية للمفهوم؛ لا يتناولها تناولا تاريخيا، بل يتناولها تناولا إشكاليا. فالمنهاج قد حدد الإشكاليات، أو زوايا التساؤل، التي من خلالها يتم تناول كل مفهوم مفهومٍ، على أن يتمتع المدرس بحرية اختيار الفيلسوف الذي يريد للقيام بهذا التناول الإشكالي للمفهوم، مع ما في ذلك من تتبع للمنعرجات الإشكالية للمفهوم لدى الفيلسوف الذي تم اختياره.
إن المقاربة المفهومية، وبفعل أن المفهوم يخدعنا بطبيعته المجردة والعامة والمتعالية، تُهْمِلُ البعد الزمني. في درس الفلسفة المعتمد على المقاربة المفهومية يغيب التاريخ. إن انتقاد غياب التاريخ لا يعني أن علينا أن نحول الدرس إلى حكاية أو رواية تسافر مع المفهوم أينما سافر. إن المقصود بغياب التاريخ، هو أن المنهاج لا ينص، ومن واجبه الديداكتيكي والرسمي أن ينص، ولا يستحضر المقاربة التي تركز على قيمة المفهوم، القيمة التاريخية، وإلى جانبها القيمة الفكرية. فالقيمة التاريخية للمفهوم تبرز لنا أي دور لعبه في هذا الفضاء الثقافي، وأي دور يمكنه أن يلعبه إذا دخل فضاءنا الثقافي. سؤال التاريخ في درس الفلسفة هو سؤال القيمة التاريخية، وسؤال القيمة التاريخية هو سؤال الجدوى من دراسة هذا المفهوم أو ذاك، أو عدم جدواه، والشروط التي تجعل له فائدة، وتلك التي تنزع منه كل فائدة فتحكم عليه بالجمود.
في ظل غياب بعد التاريخ في ديداكتيك المفهوم، غاب التفاعل مع تاريخ الفلسفة، فحكمنا بالصمت والغياب على الأساليب الإشكالية التي اعتمدتها الفلسفة في بلاد الإسلام، المسلم منها والعبري والمسيحي والزرادشتي. في ظل غياب بعد التاريخ غيبنا حوار الثقافات، فتناولنا المفاهيم على أنها مادة معرفية يجب العلم بها، وكفى، هذا في حين أنه يجب أن نقف على التفاعل الذي ربما يكون قد حصل، أو قد يحصل بين هذه المادة الفلسفية الغربية وبين المنتوج الفكري والفلسفي لدينا. مثلا: كيف تم تلقي الفلسفة السياسية الغربية عندنا؟ كيف تم تلقي فلسفة الأنوار؟ كيف تلقينا فكرة التاريخ؟
-2-
بعض مظاهر الجائحة:
أزعم أن جائحة كورونا قد كرست مظهرا يمكن صياغته فكريا من خلال عبارة وحدة الوجود، الوجود الإنساني والوجود الطبيعي. نعم كان هناك إيمان لدى مختلف شعوب العالم على أن هناك وحدة عملية ذات أشكال متنوعة بين دول وشعوب العالم. كنا نلخص هذه الوحدة في مفهوم "العولمة". وقد انحصر تمثلنا للعولمة في الجانب الاقتصادي، وتمثله منظمة التجارة العالمية، والجانب السياسي، وتمثله منظمة الأمم المتحدة فضلا عن تدخل الدول العظمى واقتحامها بلدان دول أخرى، والجانب المعلوماتي، وتمثل شبكة الأنترنيت.
لم نكن نتمثل هذه الوحدة على مستوى تصنيف البلدان والشعوب والدول. على خلاف إيماننا بالوحدة المفروضة بقوة العولمة، لم نكن نؤمن بأن هناك وحدة تجعل كل دول العالم سواسية تسير وفق إيقاع واحد للنمو والتطور. كنا على يقين، وعلى مضض، بأن هناك دول بلغت مرتبة من التقدم، وأخرى لا زالت في المراحل التي تجاوزتها هذه الدول المتقدمة. وقد رتّبْنا على هذا التمثل سلوكا يقضي بأننا نحن شعوب التأخر التاريخي لازلنا، بالمقاييس الغربية، نعيش القرن الثالث عشر الأوربي، قرن المخاض. فنحن في البرزخ لم نخرج من "القديم" إلا جزئيا، ولم ندخل "الجديد" بعد إلا نسبيا. لهذا فلا يجوز لنا أن نهجو العقل والحداثة والأنوار. لا يجوز لنا أن نتبنى الأطروحات الفكرية التي تنتقد العقل والحداثة والأنوار (فلسفات العدم، فكر الاختلاف، فكر التفكيك، مدرسة فرنكفورت، النزعات الأنثربولوجية)، والتي تجمعها عبارة "ما بعد الحداثة". إن قراءة فوكو (1926-1984)Michel Foucault واستحضار هايدغر (1889-1976) Martin Heidegger جميل في حدا ذاته، لكنه ترف غير مفيد لنا من الناحية التاريخية. فنحن لم نتذوق بعد حلاوة العقل والأنوار والحداثة وشبعنا منها، فحق لنا الانخراط في هجائها. هذا هو الجو الفكري العام. فما هي الرجة التي أحدثتها جائحة كورونا العالمية؟
لقد فرضت علينا الجائحة بطابعها العالمي أن نعيد النظر في أطروحة "توقير العقل" وعدم "هجاء الحداثة" و"التأدب مع الأنوار". تمنينا لو بقينا نحفظ للتاريخ هيبته، ونقر بأن هناك إيقاعات متفاوتة للتقدم لا تسمح لنا بنقد ما يوجد في المقدمة. لكن كورونا لم تترك لنا هذا "الأدب" وهذه "اللياقة" في التعامل مع حركة الفكر.
نعم فرضت كورونا وحدة الجنس البشري. فشخص في الصين عطس، وآخر فقي نيويورك دخل المستشفى، وثالث في باماكو يستعد للأسوأ.
نعم فرضت كورونا وحدة كائنات الطبيعة. فالكائن الحي المسمى إنسانأ لم يعد له ترف أن يعيش دون انتباه إلى الكائنات الأخرى.
نعم فرضت كورونا وحدة الوجود الإنساني ووحدة الوجود الطبيعي. فالإنسانية تمرض معا، وعليها أن تجد العلاج لبعضها البعض. إن فك مدرس معادلة كيميائية في أقصى الأرض قد يكون له صدى في الطرف الآخر منها. على كل فرد أن يتحمل مسؤولية أفعاله أمام ذاته، وأمام الإنسانية، وأمام الكائنات الأخرى. يمكننا القول بأن مضمون عبارة "وحدة الوجود الإنساني والطبيعي" يحيل على مفهوم النسق. فهناك نسق إنساني، ونسق طبيعي. ما هي الأسئلة التي يفرضها النسق الإنساني، وتلك التي يفرضها النسق الطبيعي؟
بينت الجائحة، على المستوى الإنساني، وحدة الجنس البشري. ويمكن التعبير عن هذا المفهوم السوسيولوجي بمفهوم فلسفي هو مفهوم الكونية. من هنا علينا أن نتساءل عن مدى الكونية، وأسسها، ومظاهرها.
إذا كانت الجائحة قد كشفت وحدة بين الجنس البشري، فإن طرق التعامل معها قدِ اختلف باختلاف البلدان. بل نجد أن هناك اختلافا اخل البلد الواحد على المستوى الشعبي، وعلى المستوى السياسي الرسمي. فالنسبة لنا في المغرب، وعلى المستوى الشعبي، هناك من التجأ إلى العلم وحده، وهناك من التجأ إلى الإيمان بمفرده، وهناك من حاول الجمع بينهما. أما على المستوى السياسي الرسمي، وكما حصل في عدد كبير من حكومات العالم، فقد بينت الجائحة أن لا ملجأ إلا إلى الدولة بما هي مؤسسة عمومية، ولا دور إلا دور القطاع العام. لقد اكتشفت النخب الفاعلة، سواء من موقع السلطة السياسية، أو من موقع الإنتاج الاقتصادي أو الحماية الأمنية، أن مكانة الدولة كمؤسسة عمومية قد تكرست بشكل أقوى من أي مرحلة أخرى. إن التفاوت في طريقة التعامل مع الجائحة على المستوى الشعبي يطرح علينا سؤال المعرفة، بما هو تساؤل حول تعدد وتنوع المعارف، وتمايزها على مستوى الموضوع والمنهج والمفاهيم. أما طريقة التعامل مع الجائحة على مستوى الحكومات فقد طرح بقوة سؤال الدولة.
بينت الجائحة، على المستوى الطبيعي، أن كائنا "حيّاً" دقيقا، هو فيروس كورونا، قد أربك حركة الإنسان، إن لم يكن قد أوقفها أو أبطأ من سرعتها، فإن هذا يطرح علينا سؤال تفاعل الكائنات في ما بينها داخل هذا الكوكب. وهنا نجد أنفسنا أمام سؤال الحياة المتنوعة في هذا الكوكب، وهو سؤال يثير مفهوم الكائن الحي.
-3-
أسئلة فلسفية لزمن ما بعد الجائحة:
رأينا أعلاه أن أربعة أسئلة تفرض، في زعمي، نفسها على الدرس الفلسفي بالمغرب. إنها سؤال الكونية، وسؤال المعارف، وسؤال الدولة، وسؤال الكائن الحي. إنطلاقا من هذه الأسئلة يمكننا أن نقترح التصور الآتي:
على مستوى الديداكتيك، يستحب مواصلة العمل بديداكتيك المفهوم.
على مستوى "السحنة النظرية" للدرس، يجب تطعيم المقاربة المفهومية بالبعد التاريخي عامة، ومبدأ "القيمة التاريخية والفلسفية" خاصة، وهذا تفاعلا مع الطابع النسقي الذي فرضته الجائحة على البشر وعلى الطبيعة.
أما على مستوى الهيكل فأقترح ثلاث مجزوءات بدل أربعة. المجزوءة الأولى هي مجزوءة "الشرط البشري" (وليس الوضع البشري). ويندرج ضمن هذه المجزوءة مفهوم الكونية. ولأن الكونية تستبطن مقابلا لها هو الخصوصية (الفرد) من جهة، والمحلية (الجماعة) من جهة أخرى، فيمكن أن يحضر داخل هذه المجزوءة مفهوم الذات le sujet ، ومفهوم الهوية l'identité . لكن يجب أن يبدأ الدرس بالذات ثم الهوية ثم الكونية، على أن تتم قراءة مفهومي الذات والهوية على ضوء وتحت "رقابة" مفهوم الكونية، وإلا كنا قد ضيعنا أهم درس من دروس كورونا.
إن المبدأ الذي يحكم هذه المجزوءة هو مبدأ التفاعل بحيث أن المتعلم يتخلص من كل موقف انعزالي أو استعلائي. أي أن يكون هناك تفاعل بين الدوائر الثلاث، دائرة ما هو فردي، ودائرة ما هو وطني، ودائرة ما هو إنساني.
أما المجزوءة الثانية فهي مجزوءة المعرفة. وهنا أقترح توليد مفهوم إبتسمولوجي هو "تصنيف المعارف" بدل "تصنيف العلوم". تتوزع هذه المجزوءة إلى ثلاث مفاهيم هي العلوم الطبيعية، والعلوم الإنسانية، والعلوم الدينية. وهنا يجب أن نتناول هذه الأصناف الثلاث من المعرفة من خلال التساؤل حول الموضوع والمنهج والمفاهيم. فعلى مستوى الموضوع يمكن أن نحدد الفيزياء(الحركة والمادة) والبيولوجيا (الكائن الحي) كنموذج للعلوم الطبيعي. أما النموذج المقترح للعلوم الإنسانية، فهو السوسيولوجيا(العلاقات والجماعات) والتاريخ (الحدث) نموذجا للعلوم الإنسانية. ويمكن أن نجعل وأصول الدين(كيف نستنبط العقيدة) وأصول الفقه(كيف نستنبط القاعدة السلوكية) نموذجا للعلوم الدينية. أما على مستوى المنهج والمقاربة، فيجب تناول المناهج التي تعتمد على التفسير، وتلك التي تعتمد على الفهم، والتأويل.
إن المبدأ الذي يحكم هذه المجزوءة هو مبدأ المقارنة. فيجب أن تنتهي المجزوءة بمقارنة بين هذه المعارف حتى "نفصل المقال في ما بين المعارف من اتصال" بحيث تتضح للمتعلم أن العلوم والمعارف تتفاوت موضوعا ومنهجان وبالتالي لا يجوز الخلط بين الأجناس.
أما المجزوءة الثالثة والأخيرة، وتفاعلا مع تكريس الجائحة لوحدة الكائنات الحية، فإني أسميها مجزوءة "سياسة الحياة". عماد هذه المجزوءة هو مفهوم الكائن الحي من جهة، ومفهوم الدولة من جهة أخرى. بأي معنى يحضر مفهوم الكائن الحي في هذه المجزوءة؟ إن هذا الدرس هو درس في الفلسفة وليس درسا في البيولوجيا أو الفيزيولوجيا أو الطب. لهذا فلن يكون هنا أي حديث عن الطبيعة الفيزيولوجية للإنسان. سيحضر مفهوم الكائن الحي ليدل على الإنسان ككائن له حاجات غريزية حيوية، وله رغبات نفسية وانفعالية. وللمجتمع أيضا حاجات ورغبات.
يمكننا أن نتحدث عن الإنسان ككائن حي من خلال مفهوم الحاجة والرغبة. وهنا سنجد أنفسنا نتناول صراع الإنسان مع محيطه الطبيعي من أجل تحقيق حاجاته، وأهمها البقاء. كما سنتناول صراعه مع محيطه الإنساني من أجل تحقيق رغباته، وأهمها الرغبة في الاعتراف. إن الصراع الأول يحيلنا على علاقة الإنسان مع الطبيعة والبيئة. أما الصراع الثاني فيحيلنا على علاقة الإنسان بالمجتمعات الأخرى وبالإنسانية.
ما هي الأداة التي يحقق بها الإنسان الحياة؟ إنها المؤسسة. وما هي أشكال هذه المؤسسات؟ إنها مؤسسات متنوعة، أهمها الدولة. من هنا يأتي إقرار مفهوم الدولة. ولأن المجزوءة هي مجزوءة "سياسة الحياة" فإن مفهوم الدولة يندرج من زاوية المبحث ضمن مبحث الفلسفة السياسية، حيث نطرح سؤال الغاية والشرعية، وطبيعة الأدوات التي تعتمد الدولة عليها لممارسة سلطتها. كما يندرج مفهوم الدولة ضمن معارف "البيو-سياسة"، أو "سياسة الحياة" كما يحددها ميشيل فوكو. من هذه الزاوية يكون لزاما علينا، أن نقارن بين مختلف المؤسسات التي عملت على تحقيق "الحياة". ولهذا يجب أن نبين الفرق بين الأسرة والقبيلة والطائفة والدولة. لأن الدولة مؤسسة تسهر على "سياسة الحياة" من خلال إحصاء النفوس، وتوفير وتوزيع الخيرات، والسهر على الصحة العامة، فإنها مطالبة أيضا بحماية الحياة أمام كل تهديد خارجي. على هذا المستوى ننتقل من "البيو-سياسة" ونعود إلى الفلسفة السياسية حيث نثير مسألة العلاقات بين الدول. نجد أنفسنا أمام مفهوم المنتظم الدولي. هذا مفهوم ينتمي غلى العلوم السياسية، ومقابله الفلسفي، على مستوى الإشكالية، هو مفهوم السلم العالمي. إن وحدة الكائن الحي تفرض على الدولة أن تجري "مساومات" مع الدول الأخرى، مثلما أجرى الأفراد تعاقدا اجتماعيا أسسوا بموجبه الدولة. تفرض ضرورة الحفاظ على الحياة أن تعقد الدولة اتفاقات مع غيرها، اتفاقات لا تكون دائما وفق ما يتطلبه الحق ومبادئ العدل، بل تفرضها الحاجة غلى الحياة. تتصرف الدولة هنا وفق المبدأ المشهور باسم "منطق الدولة" la raison d'Etat.
بما أننا المجزوءة تتعلق بالكائن الحي، وبما أن الجائحة كرست وحدة الكائن الحي، فإنه من الواجب أن نقتطع قسما من مفهوم الدولة ومفهوم "السلم العالمي" لنقف عند وظائف الدولة ووظائف المنتظم الدولي في ما يخص علاقتهما بالبيئة وبالكائنات الحية الأخرى. فلا يمكن أن تقوم سياسة للحياة دون أن يكون من غايات المؤسسات ووظائفها حفظ التوازن داخل المجال الذي تتحرك داخله هذه المؤسسات.
إن المبدأ الذي يجب أن يحكم هذه المجزوءة، التي تتكون من ثلاثة مفاهيم هي الرغبة، والدولة، والسلم العالمي، هو مبدأ الحياة، بحيث أن تحقيقها يتطلب مؤسسة الدولة من جهة، ومؤسسة "المنتظم الدولي" من جهة أخرى. لهذا فدرس الدولة يكتسي ملمحا بيولوجيا أكثر منه ملمحا سياسيا. نحن ضمن "البيو-سياسة" أكثر مما نحن ضمن "الفلسفة السياسية" أو ضمن العلوم السياسية.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.