مداهمة مستودعين تسفر عن حجز 37 ألف مفرقعة خطيرة    إلى غاية السادسة من مساء اليوم السبت.. مقاييس الأمطار المسجّلة بالمملكة خلال ال24 ساعة الماضية    شرطي يتعرض لاعتداء بسكين على مستوى الوجه أثناء تنظيم حركة السير    كونغولي يقود "المغرب والسنغال"    ماسك يطالب بتعويضات مالية ضخمة    "لسنا للبيع" .. غرينلاند تنتفض وغالبية الأمريكيين يرفضون ضم الجزيرة    صراع الهيمنة    معرض تشكيلي يحتفي بالحرف العربي    سينما "الطبقة البورجوازية" تفتح الباب لفهم السلطة والمال ورغبات السيطرة    قبل صافرة النهائي .. المغرب والسنغال يجسدان أخوة تتجاوز كرة القدم    مقاييس الأمطار المسجلة بالمملكة خلال ال24 ساعة الماضية    الكاف: السنغال حصلت على كل حقوقها وفق النظام        نهائي الأشقاء.. داكار تشيد بروح المغرب قبل موقعة الأسود المغربية والسنغالية    رئيس مجلس النواب راشيد الطالبي العلمي يمثل الملك محمد السادس في مراسم تنصيب الرئيس المنتخب لجمهورية غينيا    الركراكي قبل النهائي: الحظوظ متساوية أمام السنغال وهدفنا إسعاد الجماهير    نهائي الكان بلا توتر.. السنغال تشيد بالمغرب تؤكد: الأخوّة أقوى من المنافسة    المغرب يحتفل بمعاهدة أعالي البحار    تراجع مقلق للمخزونات السمكية بالواجهة المتوسطية المغربية    الطقس بالموانئ يربك مستوردين مغاربة    نيجيريا تحرز المركز الثالث في كأس إفريقيا 2025 بعد تفوقها على مصر بركلات الترجيح    الدرك الملكي يواصل حربه على المخدرات ويحجز بشفشاون كميات من الكوكايين والمؤثرات العقلية    تضامن مع الأقصى وغزة.. وقفات احتجاجية في عشرات المدن المغربية    الأجل الاستدراكي للتسجيل في اللوائح الانتخابية العامة .. تقديم طلبات التسجيل ما بين 18 و24 يناير الجاري (وزير الداخلية)    النقيب عبد الرحيم الجامعي يتهم الحكومة بمحاولة إسكات المحامين عن محاربة الفساد عبر المادة 3    نشرة إنذارية: زخات مطرية قوية مرتقبة بطنجة قد تصل إلى 50 ملم    باحثون يكتشفون أهمية نوع من الدهون في تنظيم ضغط الدم    غوغل تطلق أداة ذكية لإنشاء فيديوهات مخصصة        ثياو: نواجه منتخبًا كبيرًا.. وطموحنا واضح    الدار البيضاء… توقيف خمسة أشخاص ينحدرون من إحدى دول إفريقيا جنوب الصحراء    الباحثة نجوى غميجة: الكتابة عن السجن فعل أنسنة ومقاومة للنسيان    الفنان المغربي ديستانكت يعلن عن إصداره الغنائي الجديد "تعال"    جورج عبد الله ل"لكم" من بيروت: لا أفكر في مشروع سياسي أو تنظيمي جديد ولا أغادر لبنان لأسباب أمنية        الهيئة الوطنية للشباب الملكي للدفاع عن الوحدة الترابية تحتفي بإنجازات المنتخب المغربي في الكان 25    بورصة البيضاء .. أقوى ارتفاعات وانخفاضات الأسبوع    اتفاقية الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي البحري تدخل حيز التنفيذ    "المغرب على رفة جناح" .. موسوعة تعرف بالطيور والمسؤوليات تجاه الطبيعة        خطوة واحدة تفصل المنتخب الوطني عن التتويج    توقعات أحوال الطقس اليوم السبت    كيوسك السبت | المغرب يقر رسميا "عيد الوحدة" عطلة وطنية سنوية    "المغرب في العلاقات الدولية".. قراءات متقاطعة تقدم مؤلف تاج الدين الحسيني    الولايات المتحدة تعلن الانطلاق «الرسمي» للمرحلة الثانية من خطة السلام الأمريكية لغزة    بورصة البيضاء تنهي التداول بأداء سلبي    كل كرة تلمسها يد بونو تصير ذهبا    ارتفاع تكاليف العلاج والمساطر المعقدة ترهق مرضى الضمور العضلي الشوكي وذويهم    زعيمة المعارضة الفنزويلية ماتشادو تهدي ميدالية جائزة نوبل للسلام إلى ترامب وتحاول التأثير عليه لتنصيبها قائدة للبلد بعد مادورو    الاصطدام بالواقع    الجمعية الإقليمية لمرضى الصرع والإعاقة بالعرائش تعقد الجمع العام    اكتشاف علمي يفتح باب علاج ارتفاع ضغط الدم عبر الدماغ    الرضاعة تقلل احتمالات إصابة الأمهات بالاكتئاب    محاضرة علمية بطنجة تُبرز مركزية الإرث النبوي في النموذج المغربي    الحق في المعلومة حق في القدسية!    جائزة الملك فيصل بالتعاون مع الرابطة المحمدية للعلماء تنظمان محاضرة علمية بعنوان: "أعلام الفقه المالكي والذاكرة المكانية من خلال علم الأطالس"    رهبة الكون تسحق غرور البشر    فجيج في عيون وثائقها    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الغيث سبيل السلامة وليس موضع الملامة
نشر في هوية بريس يوم 05 - 12 - 2014


هوية بريس – الجمعة 05 دجنبر 2014
جعل الله -تعالى- في تكوير الليل على النهار حِكما، وفي تقلب الأزمان آيات وعِبرا، وفي تقسيم الأيام إلى فصول متعاقبة تشريعات وأحكاما.
وها نحن قد حل بنا فصل الشتاء، فصل الأمطار والخيرات والبركات، فصل تستبشر به الوجوه، وتصح به الأبدان، وتتسربل فيه الأرض بلبوس الاخضرار والاعشيشاب. فصل يشمر فيه الصادقون على ساعد العبادة، ويتأهبون فيه المخلصون للاستزادة من الزهادة، حيث يقصر فيه اليوم للصيام، ويطول فيه الليل للقيام.
– يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «الصوم في الشتاء: الغنيمة الباردة» صحيح سنن الترمذي.
– قال ابن رجب: «معنى أنها غنيمة باردة: أنها حصلت بغير قتال، ولا تعب، ولا مشقة؛ فصاحبها يحوز هذه الغنيمة عفواً صفواً بغير كلفة».
– ولذلك كان عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- يستبشر بقدوم فصل الشتاء ويقول: «مرحباً بالشتاء، تتنزل فيه البركة، ويطول فيه الليل للقيام، ويقصر فيه النهار للصيام».
ومهما صاحب المطر من أضرار مادية ومعنوية، يبقى مصدر خير للبشرية، بل وسبيل حياة لكل الكائنات، مما يحوج إلى العناية بالحكم والأحكام الشرعية التي علينا استحضارها بهذه المناسبة:
1- إن المطر نعمة من الله تعالى، يحيي به الأرض، وينبت به الزرع، ولذلك سماه غيثا، وجعل أثره رحمة منشورة بين الناس. قال تعالى: «وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ».
ولقد كان السلف يقدرون هذه النعمة قدرها، ويستبشرون برؤية الماء.
نقل الإمام ابن كثير في البداية والنهاية عن صَالِح ابْن الإمام أَحْمَد بن حنبل -رحمهما الله- قال: «كَانَ أَبِي لَا يَدَعُ أَحَدًا يَسْتَقِي لَهُ الْمَاءَ لِلْوُضُوءِ، بَلْ كَانَ يَلِي ذَلِكَ بِنَفْسِهِ، فَإِذَا خَرَجَ الدَّلْوُ مَلْآنَ، قَالَ: الْحَمْدُ لله. فقلت: يا أبت، ما الفائدة بذلك؟ قال: يَا بُنَيَّ، أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَ اللَّهِ -عَزَّ وجل-: «أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ».
وهذا ما كان يدفعهم إلى العناية بتوجيهات النبي -صلى الله عليه وسلم- في الاقتصاد في الماء. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو -رضي الله عنهما-، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَرَّ بِسَعْدٍ، وَهُوَ يَتَوَضَّأُ، فَقَالَ: «مَا هَذَا السَّرَفُ؟» فَقَالَ: أَفِي الْوُضُوءِ إِسْرَافٌ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَإِنْ كُنْتَ عَلَى نَهَرٍ جَارٍ» حسنه في الصحيحة.
وثبت عنه -صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إِنَّهُ سَيَكُونُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ فِي الطَّهُورِ وَالدُّعَاءِ» صحيح سنن أبي داود.
والمطر رزق يصيب الله به المؤمن رحمة ونعمة، ويصيب به الكافر استدرجا. قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إِذَا رَأَيْتَ اللَّهَ يُعْطِي الْعَبْدَ مِنَ الدُّنْيَا عَلَى مَعَاصِيهِ مَا يُحِبُّ فَإِنَّمَا هُوَ اسْتِدْرَاجٌ»، ثُمَّ تَلاَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: «فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ» الصحيحة.
2- المطر من الله، وليس صادرا عن جهة أخرى، مهما تقدمت العلوم وتطورت التقنيات، كما ليس صادرا عن النجوم والكواكب كما كان يعتقد المشركون عند مجيء الإسلام.
عن زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ -رضي الله عنه- قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، فَأَصَابَنَا مَطَرٌ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَصَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- الصُّبْحَ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا فَقَالَ: «أَتَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟». قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَقَالَ: «قَالَ اللَّهُ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ بِي، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِرَحْمَةِ اللَّهِ، وَبِرِزْقِ اللَّهِ، وَبِفَضْلِ اللَّهِ، فَهْوَ مُؤْمِنٌ بِي، كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَجْمِ كَذَا، فَهْوَ مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ، كَافِرٌ بِي» البخاري. قال تعالى: «أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ».
فالأرصاد الجوية علم يستأنس بأخباره، باعتباره اجتهادا بشريا، ولكن لا ننسب إليها علم نزول المطر أو عدم نزوله. قال تعالى: «وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ»، وقال تعالى: «إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ»، إذ مشيئة الله قادرة على مسك المطر وإن وجدت دواعيه العلمية، كما وقع في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم-.
فعَنْ أَنَسٍ -رضي الله عنه- قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، إِذْ جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَحَطَ الْمَطَرُ، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَسْقِيَنَا. فَدَعَا، فَمُطِرْنَا، فَمَا كِدْنَا أَنْ نَصِلَ إِلَى مَنَازِلِنَا، فَمَا زِلْنَا نُمْطَرُ إِلَى الْجُمُعَةِ الْمُقْبِلَةِ، فَقَامَ ذَلِكَ الرَّجُلُ أَوْ غَيْرُهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَصْرِفَهُ عَنَّا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: «اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلاَ عَلَيْنَا». قَالَ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ السَّحَابَ يَتَقَطَّعُ يَمِينًا وَشِمَالاً، يُمْطَرُونَ، وَلاَ يُمْطَرُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ» متفق عليه.
ولذلك صلاة الاستسقاء ودعوات الصالحين تَستجلب المطر، كما فعل عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -رضي الله عنه- حين قَحَطُوا، فاسْتَسْقَى بِالْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِينَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا». قَالَ: «فَيُسْقَوْنَ» البخاري.
كما أن منع الزكاة يمنع المطر. قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «وما منع قوم الزكاة، إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا» صحيح الترغيب.
3- من الآداب الشرعية أن ندعو الله عند طلب الغيث بأن نقول: «اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا مَرِيئًا، مَرِيعًا، طَبَقًا (عاما واسعا)، عَاجِلاً غَيْرَ رَائِثٍ (غير بطيء ولا متأخر)، نَافِعًا غَيْرَ ضَارٍّ» صحيح سنن ابن ماجة. أو نقول: «اللهم اسقنا، اللهم اسقنا، اللهم اسقنا».
وعن عائشة -رضي الله عنها- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا رأى ناشئا في أفق السماء (السحاب الذي لم يكتمل اجتماعه)، ترك العمل وإن كان في صلاة، ثم يقول: «اللهم إني أعوذ بك من شرها»، فإن مُطر قال: «اللهم صيبا هنيئا (والصيب: ما سال من المطر وجرى)» صحيح سنن أبي داود. ويقول – أيضا -: «مُطرنا بفضل الله ورحمته» متفق عليه.
والدعاء تحت المطر مستجاب. قال النبي – صلى الله عليه وسلم -: «ثنتان ما تردان: الدعاء عند النداء، وتحت المطر» حسنه في صحيح الجامع. قال المناوي: «لأنه وقت نزول الرحمة».
وقال -صلى الله عليه وسلم-: «اطلبوا استجابة الدعاء عند التقاء الجيوش، وإقامة الصلاة، ونزول الغيث» صححه في صحيح الجامع.
فإذا نزل المطر، وخُشي منه الضرَر، نقول مع رفع اليدين: «اللهم حَوَالَيْنَا ولا علينا. اللهم على الآكام، والظِّراب (التلال والمرتفعات)، وبطون الأودية، ومنابت الشجر» متفق عليه. قال النووي: «في هذا الحديث استحباب طلب انقطاع المطر على المنازل والمرافق، إذا كثر وتضرروا به».
4- يجوز التبرك بأول قطرات الغيث، لأنه رحمة. قَالَ أَنَسٌ -رضي الله عنه-: «أَصَابَنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- مَطَرٌ، فَحَسَرَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- ثَوْبَهُ حَتَّى أَصَابَهُ مِنَ الْمَطَرِ. فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لِمَ صَنَعْتَ هَذَا؟ قَالَ: «لأَنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ تَعَالَى» مسلم. قال الإمام النووي -رحمه الله-: «ومعناه أنَّ المطر رحمة، وهي قريبة العهد بخلق الله لها، فيُتَبَرَّكُ بِها».
إن ما أصاب بلدنا من نكبة جراء الأمطار الأخيرة، لمؤذن بالتأمل في جملة أمور:
1- إن كثرة المعاصي تورث النقم، وتجعل النعمة -أحيانا- وبالا، فلنلم أنفسنا على تقصيرنا قبل أن نُنيح باللوم على المطر وفصل الشتاء.
2- إن ما حدث من تهدم للقناطر حديثة العهد، وترهل للطرقات، وانحباس للمجاري، دليل على الغش الذريع لبعض من تقلدوا مسؤولية بناء هذه المنشآت، وتأسيس بنيتها التحتية، حيث سيطر حب الذات والمصلحةُ الشخصية على مصالح الناس، فاستُسهلت مصائب الناس ومعاناتهم، واستُرخصت أرواحهم، واستُخف بمصالحهم ومصائرهم، ولو راعوا ذلك، لأتقنوا أعمالهم، وأدوا الأمانة التي عليهم. قال تعالى: «وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ». ويقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه» صحيح الجامع.
وقال تعالى: «الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا»، فسره أهل العلم بأنه العمل الذي يكون خالصًا صوابًا؛ فالخالص أخروي، والصواب هو الإتقان، وأدنى شعب الإيمان في الإسلام: إماطة الأذى عن الطريق.
وقد سئل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن المعروف فقال: «لاَ تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئاً، وَلَوْ أَنْ تُعْطِىَ صِلَةَ الْحَبْلِ، وَلَوْ أَنَ تُعْطِىَ شِسْعَ النَّعْلِ، وَلَوْ أَنْ تُفْرِغَ مِنْ دَلْوِكَ فِي إِنَاءِ الْمُسْتَسْقِي، وَلَوْ أَنْ تُنَحِّيَ الشَّيْءَ مِنْ طَرِيقِ النَّاسِ يُؤْذِيهِمْ» الصحيحة.
وهذا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- كان يحتاط للأمانة، ويعرف حق المسؤولية، حتى تجاوزت أمانته الإنسان إلى الحيوان، فقد اشتهر قوله: «لو أن ناقة عثرت في أرض العراق، لخفت أن يسألني الله عنها: لِم لَم أعبد لها الطريق؟»، هذه ناقة يَخشى من السؤال عنها يوم القيامة، فكيف -اليوم- بآلاف الناس المتضررين بسوء أحوال الطرقات، التي قد تؤدي إلى تعطيل مصالحهم، وربما الجناية عليهم؟
وأثر عنه -رضي الله عنه- أنه قال: «لو ماتت سخلة على شاطئ الفرات ضياعاً، لخشيت أن يسألني الله عنها»، هذه شاة صغيرة تاهت في الطريق فماتت، ظن أنه سيسأل عنها، فكيف بأرواح الناس الذين تهدمت بهم القناطر، أو هوت بهم الشوارع، أو سقطوا في مصارف المياه غير المغطاة، أو في الحفر العميقة المنتشرة هنا وهناك؟.
إذا عمل المرءُ المكلف مرةً ***عَمَلًا فإنّ العيبَ ألاَّ يحسنَه
فقدْ ذكرَ المختارُ أنّ إلهنَا *** يحبُّ لعبدٍ خافَهُ أنْ يتقنَه
3- وإن على الناس بدورهم أن يحتاطوا لأنفسهم في مثل هذا المناخ المتقلب، وألا يغامروا بأنفسهم في الأماكن التي لم تتبين سلامتها، كنزول الأودية والشعاب، وخوض السيول، والسياقة على الأوحال.
4- ولا ننسى إخواننا المنكوبين، بتعزيتهم في موتاهم، وسؤال الله تعالى الشفاء العاجل لمصابيهم، ومؤازرة من فقدوا منازلهم ومأواهم، بمال، أو لباس، أو أفرشة وأغطية، أو دواء، فالشتاء يفضح أحوال الفقراء، فيبين عن شدة حاجتهم، فكيف إذا اجتمع مع ذلك شدة البرد، وشدة المصاب في الفقد والرزية؟ ولذلك كانت العرب تسمي الشتاء بالفاضح -كما نقل عن الأصمعي-.
رُفع إلى بعض الوزراء الصالحين أن امرأة معها أربعة أطفال أيتام، وهم عراة جياع، فأمر رجلا أن يمضي إليهم، وحمل معه ما يصلحهم من كسوة وطعام، ثم نزع ثيابه، وحلف قائلا: «لا لبستها ولا دفئت حتى تعود وتخبرني أنك كسوتهم وأشبعتهم». فمضى وعاد فأخبره أنهم اكتسوا وشبعوا، وهو يرعد من البرد، فلبس حينئذ ثيابه.
ولقد رأى مِسْعرٌ أعرابيا يتشرق في الشمس وهو يقول:
جاء الشتاء وليس عندي درهم***ولقد يُخَصُّ بمثل ذاك المسلم
قد قَطَّعَ الناس الجباب وغيرها***وكأنني بفناء مكة محرم
فنزع مسعر جبته فألبسه إياها.
وخرج صفوان بن سليم في ليلة باردة بالمدينة من المسجد، فرأى رجلا عاريا فنزع ثوبه وكساه.
قال ابن المبارك -رحمه الله-:
هُمُومُك بِالْعَيْشِ مَقْرُونَةٌ***فَمَا تَقْطَعُ الْعَيْشَ إلَّا بِهِمْ
إذَا تَمَّ أَمْرٌ بَدَا نَقْصُهُ***تَرَقَّبْ زَوَالًا إذَا قِيلَ تَمْ
إذَا كُنْتَ فِي نِعْمَةٍ فَارْعَهَا***فَإِنَّ الْمَعَاصِيَ تُزِيلُ النِّعَمْ
وَحَافظ عَلَيْهَا بِشُكْرِ الْإِلَهِ فَإِنَّ الْإِلَهَ سَرِيعُ النِّقَمْ
حَلَاوَةُ دُنْيَاك مَسْمُومَةٌ***فَمَا تَأْكُلُ الشَّهْدَ إلَّا بِسُمْ
فَكَمْ قَدَرٌ دَبَّ فِي مُهْلَةٍ***فَلَمْ يَعْلَمِ النَّاسُ حَتَّى هَجَمْ


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.