احتقان غير مسبوق يخيم على الوسط الفني بسبب التهديد بالغرامات للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي    الثانوية التأهيلية علال الفاسي بالعوامرة تحتضن ندوة علمية حول موضوع: "الاستغلال الاستعماري في عهد الحماية الإسبانية ورد فعل المغاربة    ارتفاع أسعار المحروقات والخضر.. كلميم والحسيمة تتصدران قائمة المدن الأكثر غلاء في مارس    تجديد رفض الرأي الاستشاري لمجلس المنافسة    تراجع أسعار النفط عقب تمديد وقف إطلاق بالشرق الأوسط    ألف فنان يدعون لمقاطعة مسابقة "يوروفيجن" بسبب مشاركة إسرائيل    الريال يعود لسكة الانتصارات على حساب ألافيس (2-1) في الدوري الإسباني    إصابة في العضلة الضامة تحرم بلعمري من استكمال موسمه مع الأهلي    إحباط شحنة "بيضاء" عابرة للقارات... 33 كلغ من الكوكايين تسقط في قبضة الأمن بميناء طنجة المتوسط    إنتاج القنب الهندي يتجاوز 19 ألف قنطار في 2025 ومنح أزيد من 4 آلاف رخصة جديدة    مطالب بعقد دورة استثنائية لإحداث مستشفى للأمراض النفسية والعقلية بالعرائش    الملك محمد السادس ومحمد بن زايد يبحثان قضايا إقليمية ودولية وتحديات المنطقة            مديرو المؤسسات التعليمية يعلّقون احتجاجاتهم مرحلياً ويترقبون تنفيذ تعهدات الوزارة    تصريحات إعلامية تثير جدلاً بشأن منع كبير جنرالات أمريكا ترامب من استخدام "الشيفرات النووية"    اعتداء خطير على عامل نظافة بالفقيه بن صالح ومطالب نقابية بفتح تحقيق عاجل    طلقة نارية تنهي فوضى في بيوكرى    الحرس الثوري يطلق النار على سفينة    نجاعة مغربية في لقاء بيتيس وجيرونا    أخنوش: دعم الأطفال اليتامى ب 500 درهم شهريا خطوة كبيرة في بناء دولة اجتماعية حقيقية    أكاديمية المملكة تبحث عن نظرية معرفية بين "الإنسان والذكاء الاصطناعي"    شاطئ مرتيل يلفظ جثة يُرجّح أنها لأحد ضحايا الهجرة    بأمل تجاوز مشكل التأشيرات.. تعيين جديد على رأس القنصلية الإسبانية بتطوان    عرض خاص لفيلم "أبي لم يمت" لعادل الفاضلي بقصر الفنون بطنجة احتفاءً بالسينما المغربية    اتهامات حادة للحكومة بين "فراقشية الماء" وحرمان المغاربة من الأضحية.    كأس العالم 2026.. "فيفا" يعلن طرح تذاكر جديدة للبيع غدا الأربعاء    ترامب يمدد الهدنة وإيران لم تسحم مشاركتها في مفاوضات إسلام أباد اليوم الأربعاء    الأداء الإيجابي ينهي تداولات بورصة الدار البيضاء        جيد تحت مجهر لجنة التحكيم ب"الفيفا"    دعوات إسبانيا وسلوفينيا وإيرلندا لتعليق شراكة الاتحاد الأوروبي مع إسرائيل تصطدم برفض ألمانيا وإيطاليا    التعليم الجامعي عن بعد: تكريس للطبقية وإفراغ للجامعة من أدوارها التاريخية    ملاحظة سياسية حول الحصيلة 2/2    مولاي رشيد يترأس بمكناس افتتاح الدورة ال 18 للملتقى الدولي للفلاحة بالمغرب    مساهمة الاتحاد الاشتراكي في مسار المكتسبات الدستورية للنساء    البصمة المغربية في لا ليغا – من نيبت إلى النصيري    ترامب: لا أريد تمديد وقف إطلاق النار    البرتغال ضيف شرف الملتقى الدولي للفلاحة بمكناس    وفاة الفنانة الكويتية حياة الفهد بعد مسيرة حافلة من العطاء    اختتام استثنائي لفعاليات الدورة التاسعة (9) لملتقى "مشاتل الأبجدية"    الدورة الثالثة لمهرجان سينما المرأة والطفل تكرم عهد بنسودة    المشروع التأليفي لعبد الجليل الأزدي: تنوّع الحقول ووحدة الرؤية    الأمم المتحدة: نحو 7900 شخص لقوا حتفهم أو اختفوا على طرق الهجرة في العام 2025    بوريطة يشارك في اجتماع الدورة غير العادية لمجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري لبحث الهجمات الإيرانية ضد الدول العربية    الفنانة فاطمة دويميك تؤطر ورشة "المسرح والتعبير الجسدي" بمشرع بلقصيري    لبؤات الأطلس يتقدمن في تصنيف فيفا    حرب الريف.. مئة عام والجرح لم يندمل والذاكرة لم تُهزم    الدورة ال16 من سباق النصر النسوي..    34 ألف مستفيد من أداء مناسك الحج لموسم 1447ه    بين خفض التكاليف والرقمنة.. وزير الأوقاف يستعرض حصيلة ومستجدات موسم الحج    مخاوف من ظهور سلالة فرعية من متحور أوميكرون..    الأسبوع العالمي للتلقيح.. وزارة الصحة تجدد التأكيد على مجانية اللقاحات وضمان استدامتها    النمسا: العثور على سم فئران في عبوة طعام أطفال من شركة هيب    بدء توافد ضيوف الرحمن إلى السعودية لأداء فريضة الحج    معراج الحلاج    السلطات الإسبانية تحذر مستهلكي سبتة من منتوج سلمون ملوث        







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مخازن "إكودار" .. أدوار دفاعية و"بنوك أمازيغية" تتهاوى في صمت‬
نشر في هسبريس يوم 29 - 09 - 2019

هي واحدة من المآثر العمرانية الضاربة في عمق تاريخ الجنوب المغربي، والشاهدة على عراقة هذه المناطق، حيث أملت ظروف خاصة على السكان اللجوء إلى بنائها، لاسيما الرغبة في تأمين أنفسهم وأمتعتهم وممتلكاتهم، نتيجة الغزوات والحروب ونزاعات القبائل المتجاورة في ما بينها، والتي كانت سائدة في تلك الفترات، ليستقر بهم الرأي في إنشاء وإقامة "إكودار" أو المخازن الجماعية.
و"إكودار" أو "أكادير" أو "إغرمان" هي من ضمن التسميات الأمازيغية التي أُطلقت على هذا النمط المعماري الأصيل، وتُحيل إلى الحصن المنيع أو المخزن الجماعي ذي وظائف تحصين الممتلكات الخاصة لأهالي هذه المناطق، تحت حماية الدفاع المشترك، في حال نشوب مواجهات مُسلحة أو حلول فترات الآفات الطبيعية، كالمجاعة والقحط؛ وصُمّم بعضها على شكل قرية صغيرة، تشتمل على خزان للمياه، وفضاء للمواشي، ليلجأ إليه السكان من أجل الاحتماء في اللحظات الحربية.
"إكودار"..دور دفاعي
خالد ألعيوض، الأستاذ الباحث في التراث، قال في تصريح لهسبريس إن "إكودار" بصيغة الجمع، الكلمة الأمازيغية التي مفردها "أكادير"، تعني المخازن الجماعية، "بناها الأمازيغ في أماكن جبلية، خصوصا بالأطلس الصغير الغربي، كما نجد نماذج منها في مناطق آيت عبلا وإغرم، وكذلك في الأطلس الكبير الأوسط، كمنطقة آيت عبدي، ومن خصوصياتها أنها تعود إلى تاريخ قديم، يصعب تحديده، لأن هناك ما يُعرف بالمخازن المغارات، جزء منها لازال قائما كأكادير أجكال في منطقة آيت وبلّي لدى رحل الأطلس".
وعن أدوار هذه المعالم الأثرية الضاربة في القدم، أورد خالد ألعيوض أنها تلعب دوريْن محوريّين، "أولهما دفاعي، إذ كانت المناطق التي شُيِّدت بها المخازن الجماعية بعيدة عن السلطة المركزية، وبالتالي كانت منفتحة على القبائل الجنوبية، لاسيما أن هناك صراعا معروفا بين الرحل والساكنة المستقرة، وفي بعض الحالات بين القبائل في إطار الأحلاف التي كانت في تلك الحقب، فكانت تلك المخازن نوعا من الملاذ والحماية الطبيعية، التي يُختار لها مكان مرتفع ومنيع ومحصّن، فوق الجبل أو الربوة".
والواقف اليوم أمام تلك الهامات العمرانية، أو على الأقل ما استطاع الصمود منها أمام عوادي الزمن، سيلحظ الشكل الإبداعي الذي تفنّن الأمازيغ في إخراجه، معتمدين فيه على مواد محلية محضة، كالأحجار والتراب وجذوع الأشجار، ليشكل معلمة عمرانية بديعة. وفي هذا الصدد قال الأستاذ الباحث: "إكودار غالبا ما تُحاط بالنباتات الشوكية في الخارج، كمرحلة أولى في جانب الدفاع والحماية، ثم سور كبير، قبل الولوج إلى الداخل، وأخيرا المكان المخصص للخزن، الذي توجد فيه غرف موضوعة بشكل هندسي بديع".
"تلك الغرف نجدها متقابلة مع بعضها، وفي بعض الحالات موضوعة على شكل صفّين متقابليْن، وفي حالات أخرى قد تصل إلى خمس بنايات، حسب أهمية المخزن، إذ بعض المخازن تتشكّل من غرف لا يتجاوز عددها 60 غرفة، في حين نجد في البعض الآخر أكثر من 200 غرفة، كحال أكادير إنومار، حسب حجم القبيلة. كما أن للغرف شكل خاص، فطولها في الغالب يصل بين 8 و10 أمتار، فيما عرضها لا يتجاوز مترا ونصف المتر، والأمر ذاته مع علوها، ما يعني أن الهندسة التي أبدعها الأمازيغ كانت غريبة جدا وقوية، ما جعل بعضها يتجاوز أربعة قرون، ولازالت قائمة إلى اليوم".
إكودار..بنوك أمازيغية
وإذا كان الدور الأول للمخازن الجماعية دفاعيا، فإن لها مهام أخرى، اقتصادية على الخصوص. واعتبر خالد ألعيوض في هذا الصدد أن "هذا النمط المعماري بمثابة الإرهاصات الأولى للنظام البنكي، فإكودار هي بنوك الأمازيغ"، وزاد: "نعرف أن المناطق الجنوبية كانت تعرف تعاقب الدورات المناخية ما بين السنوات المطيرة والجافة، فتُخزّن المحاصيل، الشعير على الخصوص، استعدادا للسنوات العجاف، التي قد تمتد لفترات طويلة؛ كما تستعمل تلك الغرف المؤمنة لتخزين أشياء أخرى، كالسمن والوثائق والعقود، ثم الحلي، الفضة أساسا".
وإذا كان الدور البارز الذي تلعبه "إكودار" يتجلى في تخزين المواد الغذائية ووثائق الساكنة داخل تلك الغرف المؤمنة، فإن الضرورة تحتم تعيين شخص لحراسة المكان، والأمر هنا يتعلّق ب"لامين"، "وهو شخص يوظّف بأجر عيني، تقدّم له نسبة معينة من الشعير المُخزّن، كما يتكلّف بفتح وإغلاق المخازن. وتُناط مهمة التسيير لمجلس "إنفلاس"، الذي يُجسد الديمقراطية الأمازيغية المحلية، وتُمثل فيه الأسر الكبيرة بالقبيلة، وينوب عن الباقي في تدبير الحياة داخل المخزن الجماعي، وخصوصا الجانب المتعلق بالمخالفات والعقوبات والحراسة الليلية بالتناوب وغير ذلك".
ويعتمد "إنفلاس" على قوانين مكتوبة على لوح، لتدبير هذا الموروث الثقافي. وأقدم لوح معروف إلى الآن هو لوح "أكادير أوجاريف"، كتب في حدود 1492.
"لامين" رمز بشري صامد
لعب الأمناء داخل مؤسسة إكودار أدوارا بارزة، لم تكن لتستمر بدون هذه الرموز البشرية، لكن اليوم، أضحى واقعهم مزريا، حسب ما نقله عن عدد منهم. الأستاذ الباحث خالد ألعيوض قال في حديثه مع هسبريس: "لازال الكثير منهم في بعض المخازن مستمرين في تحدي الزمن والواقع المعيش بكثير من الصبر والأناة، لازالوا إلى الآن يؤدّون مهامهم في حراسة تلك المعالم، رغم قلة ذات اليد وغياب أي أجرة، ويعيشون وضعية الهشاشة. ونتمنى أن يلتفت المسؤولون إلى هذه الفئة، لكونهم رموزا بشرية يحفظون ذاكرة المكان، ويعرفون عنه كثيرا من التفاصيل، إذ يعيشون حياة بسيطة، غير أنها غنية بالتفاصيل، ولا بد من التفاتة مادية إليهم حتى يستمروا في هذه الوظيفة التي توجد في طور الانقراض. وهنا أسجل وجود ثلاث نسوة اليوم يمارسن هذه المهنة الآيلة إلى الزوال".
واقع المخازن الجماعية اليوم، وما تتعرض له من إتلاف وانهيار ونهب لمحتوياتها النفيسة (مخطوطات وأبواب منقوشة وتحف...) يفرض تدخّل الجهات المعنية، من أجل ترميم هذه التحف المعمارية، لاستغلالها في المجال السياحي والثقافي، إذ إن مستقبلها يكمن في توظيفها سياحيا وثقافيا، وفق نمط يسير في اتجاه توجيه جزء من مداخيلها إلى الساكنة المحلية، حتى تستفيد منها كرافعة للتنمية المحلية؛ ولا بد كذلك الاشتغال على تصنيفها أولا كتراث معماري وطني، ثم كتراث إنساني عالمي، كمشاهد ثقافية، تعكس تدبير الندرة بالأطلس الصغير الغربي، الذي نجد فيه تكاملا بين المخزن "أكادير" وفلاحة المدرجات، إلى جانب تدبير الماء عن طريق نظام المطفيات والخزانات الأرضية "إفرض"، حسب خالد ألعيوض.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.