بورصة الدار البيضاء تفتتح تداولاتها على وقع الارتفاع    نقابة المراقبين الجويين بالمغرب تنتقد تدبير الحوار الاجتماعي وتطالب بتنفيذ الالتزامات    إيران تطالب دول الخليج بتعويضات عن أضرار الحرب    بكين تصف الحصار الأمريكي لموانئ إيران بأنه "خطير وغير مسؤول"    كيوسك الثلاثاء | خدمة إلكترونية تتيح إنجاز المعاملات العقارية في 48 ساعة    توقيف شخص بالدار البيضاء بعد تهديد مستعملي الطريق بسلاح أبيض وتوثيق أفعاله في فيديو    تركيا: 16 مصابًا في إطلاق نار بمدرسة    تأييد الأحكام الابتدائية ضد مشجعي السنغال المدانين في أحداث نهائي "كان 2025"    إنريكي مدرب سان جيرمان: مواجهة ليفربول خادعة وعلينا الحذر منهم    انتخاب روموالد واداغني رئيسا جديدا لبنين ب 94.05 في المائة من الأصوات (نتائج أولية)v    إسرائيل تعلن مقتل عسكري وإصابة 3 بمعارك جنوبي لبنان    العيون تستضيف المحطة الخامسة من قافلة اللقاءات الجهوية للتجارة الخارجية    تيزنيت وأعيانها..    استئنافية الرباط تثبّت الأحكام الصادرة بحق المتورطين في شغب نهائي "كان المغرب"    لجنة حقوقية تندد باعتقال الطالب مروان الأحمر وتطالب بالإفراج الفوري عنه    مفاوضات مرتقبة بين لبنان وإسرائيل.. وحزب الله يطالب بإلغائها ويصفها "بالاستسلام"        مصادر: عودة الحوار الإيراني الأمريكي    واشنطن: "الكرة في ملعب الإيرانيين"        أجواء باردة في توقعات اليوم الثلاثاء بالمغرب        دراسة تحذر من مخاطر المنظفات على الأطفال دون الخامسة    محاكمة "قتل بدر" تشهد سحب أقوال    احتقان داخل المعهد العالي الدولي للسياحة بطنجة.. نقابة الأساتذة تكشف اختلالات خطيرة وتلوّح بالتصعيد        "لبؤات الأطلس" يتفوقن على تنزانيا    بنعلي: الدولة عبأت 1.6 مليار درهم لدعم المواد الأساسية في مواجهة ارتفاع الأسعار بسبب تداعيات حرب إيران    إدارة كلية العلوم والتقنيات بالحسيمة توضح بخصوص مواجهات بين الطلبة    إطلاق منصة "شكاية الصحة" الرقمية الجديدة لتعزيز الشفافية وتحسين الخدمات الصحية.    فائض في الميزانية بقيمة 6,5 مليار درهم عند متم مارس المنصرم    بأمر من جلالة الملك، صاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير مولاي الحسن يدشن "برج محمد السادس"، رمز للحداثة ولإشعاع المدينتين التوأم الرباط وسلا    الانخفاض ينهي تداولات بورصة الدار البيضاء    وزارة الأوقاف تطلق تطبيق "المصحف المحمدي الرقمي" بخدمات علمية وتقنية شاملة    ميارة يعلن عدم ترشحه لولاية جديدة في الاتحاد العام للشغالين بالمغرب        مسرح رياض السلطان: عمي ادريس في عرض تربوي والنكادي يقدم جديده الموسيقي    التشكيلي المنصوري الإدريسي محمد يشارك في ملتقى «طريق الحرير» بالصين    مدرب الماص يبرز أسباب التفوق على الوداد وكارتيرون يرى أن الهزيمة جاءت من كرة غير متوقعة    إشادة واسعة بهدف الجبلي ومطالب بترشيحه لجائزة «بوشكاش»    توقعات أحوال الطقس ليوم غد الثلاثاء    «بيوبيكس» عين اصطناعية بذاكرة أيونية تحاكي الشبكية    ضمن الاعمال الكاملة للاكاديمي عبد الجليل الازدي صدور كتاب من الرماد الى الذهب    "أكتب لأبقى" للإعلامية عزيزة حلاق.. الكتابة كفعل مقاومة لترك الأثر    "درب الرماد" تحت الجرافات... عملية هدم واسعة تستنفر الدار البيضاء وتُشعل مشاعر الحسرة بالمدينة القديمة    مشروبات الطاقة تحت المجهر: دعوات عاجلة لحماية القاصرين من "إدمان مقنّع"    الإدمان على المشروبات الطاقية يهدد صحة الشباب المراهق    "حمل وهمي" يضع ريم فكري في قلب العاصفة    المغرب يرفع تحضيرات "كان" السيدات    فرنسا تسعى إلى تسهيل إعادة القطع الفنية المنهوبة خلال الاستعمار    مقتل فريمبونغ لاعب بيريكوم تشيلسي في هجوم مسلح على حافلة فريقه    المنهج النقدي في التراث الإسلامي... ندوة دولية بفاس تعيد الاعتبار لثقافة الاختلاف وبناء الحضارة    المعرض الدولي للكتاب وسؤال: لمن نكتب    رائد العلاج الجيني.. البروفيسور ميمون عزوز يتسلم أرفع جائزة بريطانية في تخصص الخلايا    الكشف عن مخطوطة تاريخية نادرة تعود للقرن الرابع الهجري بالسعودية    المدرسة العتيقة تافراوت المولود تنظم ندوة علمية وطنية تحت عنوان " السيرة النبوية منهج متكامل لبناء الإنسان وتشييد العمران "    فتح فترة استثنائية جديدة لاستخلاص المبلغ الزائد من مصاريف الحج    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



دوران الحياة عند الصوفية في الشريط السينمائي»اللفيف»

إن الإخلاص والتواضع يعتبران من المفاتيح الأساسية للتصوف، ولرحلة روحية حقيقية قبل تعاليم الصوفية المضبوطة والغنية بالقصص والحكايات والأمثلة والأحكام. إن التصوف موجود منذ وجود الإسلام في شقيه السني والشيعي. وإعطاؤه تعريفا دقيقا صعب جدا. إنه التقرب من الله والتعبير عن ذلك بشتى الوسائل.
والمتصوفون يؤمنون بوجود الله الأحد، وأن العالم المخلوق انعكاس للخالق وأن "الكون هو ظل المطلق". ويجب أن نرى الله في كل شيء. ولذلك يجب بذل جهد كبير نفسي وذاتي للوصول إلى تلك الرؤيا، للوصول إلى حب الله، ونبذ العالم الزائل والبائد والذي يرمز إلى اللذة وضياع الوقت والكماليات والواجهات، ومن يعرف الله ينبذ هذا العالم ومن يريد أن يكون حرا طليقا، يجب أن يكون أسير هذا الحب، حب الله. وبهذا المعنى يجلب التصوف للدين شعرية وشاعرية يحصل عليها المتصوف، تعرفه وتسمو به إلى جمالية الدين وجمالية القرآن وجمالية الله.
ويرتبط الغناء الصوفي مع رقصاته بالقرآن الكريم وبالحديث النبوي الشريف إنه نوع من العبادة. وهذا ما يجعل الغناء الصوفي محببا لدى السامعين وخاصة المسلمين، وأغلب المغنين الصوفيين هم من قراء القرآن وأئمة وطلبة وحافظين للقرآن الكريم. وولد الرقص الصوفي في تركيا في القرن الثالث عشر على يد الباحث في الوعي الإنساني جلال الدين الرومي الذي طور الصوفية، حسب رأيه، إلى منظور حسي رفيع من أجل الحرية الداخلية للإنسان والتوسيع والتقدم بهذه الحرية خارج الحدود المرسومة والمعلومة من طرف الإنسان العادي. ويعتبر جلال الدين الرومي أن فوق الديانات وفوق السياسات توجد نفس بشرية يمكن أن تسمو إلى الأعالي للتقرب من الله. والرقص الصوفي عند جلال الدين الرومي دواء وعلاج للعقل وللنفس قبل الجسم. وهذا الأسلوب الذي يجمع بين الغناء والرقص والموسيقى يؤدي إلى حالة ارتخاء نفسي وصحي بعد أن يستحوذ على جميع حواس الشخص. والراقص يرتدي اللباس الأبيض ويرتدي كذلك قبعة سوداء أو حمراء. كل عنصر من هذه العناصر له رمزية قوية ودلالة عميقة على الكفن الأبيض وعلى شاهد القبر. ويرقص الراقصون في حلقات دائرية معبرة ترمز إلى الكواكب التي تدور حول نفسها وحول الشمس في دورات منسقة ومحكمة تشير إلى دوران الكون حول نفسه. ويعتبر الراقص نفسه جزءا لا يتجزأ من هذا الكون الكبير.
إن المتصوف زاهد ومجاهد. والزهد في متاع الدنيا أما المجاهدة فهي حرب على النفس لتهذيبها وتحسينها وجعلها تبتعد عن عيوبها.
ودورانه حول نفسه وحول محور يحدده لنفسه مع الذكر والقراءة والتعبد يوصله إلى حد اللاوعي ويسمو بروحه إلى أعلى مقام.
وهذا ما جسده المخرج عز الدين سعيد في فيلم "اللفيف" (17 دقيقة). إن دوران راقص التنورة كالفلك يدور ليل نهار باستمرار فهو دوران الأرض حول نفسها وحول الشمس ودوران المجرات كلها وهو هروب وطيران بعيدا عن القفص قفص الحياة. فالصورة جذابة جدا والصوت مع الموسيقى مريحان للأذن في صفاء صوفي عميق. فقد تتبع المخرج أصل رقصة التنورة قبل وصولها لمصر وبدايتها بتركيا. ووسط الموسيقى الصوفية والصور الآخذة ، تتعالى أصوات أساتذة عالمة ومتخصصة في الموسيقى وفي التراث الشعبي لتنير بصيرة المشاهد عن تاريخ هذا المورث المصري المتميز.
والتنورة احتفال الإنسان بالحياة، احتفال الإنسان بالكون. والتنورة تخص مصر. وراقص التنورة يدور بحركة دائمة كعقارب الساعة. و"الحضرة" تتم أسبوعيا وهي طقوس صوفية يجتمع فيها الدراويش لسماع الذكر والشعر وموسيقى حركية ويؤدون من الحركات مايخرج بهم عن الطبيعة العادية، فالصوفي يمكن أن يكون من أهل الصفة الذين يجلسون في الصف الأول وراء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد يكون من أهل الصفوة المجموعة الخالصة المستخلصة والأكثر اتصالا بالله على الأرض وقد يكون الصوفي من أهل الحكمة الذين يفهمون بأن هذا العالم خلق لوظيفة معينة ومؤقتة وزائلة.
والصوفية ظهرت في جميع الأديان: في اليهودية في المسيحية والبوذية، فهي التخلص من شرور النفس والاهتمام بالمادة والارتباط بالعالم ويحس الإنسان بصفاء النفس والروح. وحركة التنورة فيها رموز كثيرة، فاللفيف يدور حول نفسه دوران الكون و دوران الأفلاك والأجرام السماوية ودوران الإنسان حول الكعبة. فالدوران على القدم اليمنى لحمل أعباء الجسم والصعود بالروح للاتصال بالإله بحركة اليد اليمنى المرفوعة وبحركة اليد اليسرى الهابطة، كأنه يعقد صلة مابين السماء والأرض إلى أن يتحد الاثنان. والحركة الخاصة برأس اللفيف حركة مستوحاة من الطرق الصوفية وخاصة الطريقة المولوية التي ظهرت في تركيا والأناضول امتدادا لآراء جلال الدين الرومي، الشاعر الفارسي منذ القرن الثالث عشر، منذ حكاية الدرويش شمس الدين التبريزي الذي أبعده عن تلاميذه، وحرمهم منه، فاغتالوه وكانت صدمة عظيمة أثرت على جلال الدين الرومي بالغ الأثر، وكان يقف وسط الدار ويرفع يديه إلى السماء ويظل يدور ويدور إلى أن يسقط مغشيا عليه. وكان يرتاح بعد هذه الدورات وقد استخدم هذا الدوران لإجهاد الجسد لكي تسمو الروح للتعبير عن الصراع الأزلي بين الجسد والروح. ويرقص الصوفي كالدرة في شمس البقاء حتى تحرره من الزوال وأبدع جلال الدين الرمي الدرويش الدوار وكان يلبس اللباس الأسود وتحته لباس ابيض رموزا إلى القبر والكفن أما الطربوش الطويل فيرمز إلى الشاهد وكل هذه الرموز تشير إلى مابعد الموت.
حط الفن في مصر في شكل التنورة، وراقص التنورة يحاول أن يقترب برقصه وحركاته إلى الحالة التي كان فيها "المولوي" التي تحث المشاهد على التركيز والتأمل في هذه الحركة الدائمة المستمرة خصوصا أن هناك بعدا صوتيا جاذبا للأذن يرافق رقصة التنورة وهي موسيقى شعبية حقيقية مصرية أخذت من أوعية الإنشاد الديني الصوفي المعروف في مصر.
والألوان التي عوضت اللباس الأبيض للفيف لها معنى خاص في مصر فهي تمثل جميع الطرق المصرية: الرفاعية، الأحمدية، الشاذلية... وإرضاء لكل هذه الطرق الصوفية أتى بجميع الألوان وجمعها في التنورة لحمل جميع الرموز للطرق الصوفية في مصر. بدأ الفنان في الأول بتنورة واحدة واخترع التنورة الثانية المنفصلة عن الأولى وبدا الراقص كالفانوس، فانوس رمضان وكأنه الشمعة التي تحترق داخل الفانوس.
فرحلتنا عبر فيلم "اللفيف" للمخرج المصري عز الدين سعيد كانت سبعة عشرة دقيقة كلها متعة للعين وللأذن وللنفس والروح. كانت سبعة عشرة دقيقة مليئة بأشعار راقية لجمال الدين الرومي وصور جميلة لفرقة التنورة للفنون التراثية وموسيقى جالبة وراقصة ومريحة للأذن السامعة فالراقص يرتفع بنا إلى حالة إبداعية راقية عالية كلها توحيد وعبادة وحالة نفسية معبرة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.