بنكيران ينتقد واقعة "الصلوات التلمودية" بمراكش: لا بد من معرفة الجهة التي سمحت بهذه الممارسة    صورة منسوبة للمشتبه به في حادث عشاء الصحفيين بواشنطن وهو يرتدي سترة تحمل شعار الجيش الإسرائيلي تثير جدلا واسعا    رباعية الرجاء تشعل الصدارة والجيش الملكي يكتفي بنقطة أمام يعقوب المنصور    وقفة احتجاجية أمام البرلمان تطالب بإنصاف المتضررين من نزع الأراضي وحماية حقوق الساكنة    خسائر ما بعد الحصاد: التحدي الصامت في مسار المغرب نحو السيادة الغذائية المستدامة    أمريكا تتوصل برسائل إيرانية مكتوبة    المغرب يدين الهجوم المسلح الذي استهدف حفلا بواشنطن بحضور ترامب    حكيمي يجهز لمواجهة "بايرن ميونخ"    حسب الصحافة الدولية ..دي ميستورا يؤكد أمام مجلس الأمن وجود زخم حقيقي لحل النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية    التعادل الإيجابي ينقذ الجيش الملكي من فخ اتحاد يعقوب المنصور في الرباط    بنجديدة وعلوش يقودان المغرب الفاسي لانتصار ثمين على الزمامرة    ترامب يذكر بالحاجة إلى قاعة حفلات    علي الحمامي.. المفكر الريفي المنسي الذي سبق زمنه    "مجموعة أكديطال" تبحث عن وعاء عقاري لإحداث مستشفى بشفشاون    يوسف علاكوش كاتبا عاما جديدا للاتحاد العام للشغالين بالمغرب    شاطئ المضيق يلفظ جثة يُرجح أنها لمهاجر جزائري    تحرك دبلوماسي إيراني عبر باكستان مقابل تمسك ترامب بخيار "الانتصار"    اختتام فعاليات الدورة الثانية عشر من مهرجان راس سبارطيل الدولي للفيلم بطنجة    تتويج 7 تعاونيات بجوائز التميز في الدورة السابعة للمباراة المغربية للمنتوجات المجالية    الملك يراسل رئيسة جمهورية تنزانيا المتحدة    الكاف يعتمد نظام المهرجان في كأس إفريقيا للفتيان المقررة بالمغرب    توقعات أحوال الطقس يوم غد الاثنين    الشيخة بدور تطلق مبادرات من الرباط        "نظام الطيبات" في الميزان    جمعية الصحافة الرياضية تستعرض نجاحاتها في مؤتمر الاتحاد الدولي    قطاع الماشية بالمغرب.. رهانات الصمود في وجه "الهشاشة البنيوية" وتقلبات المناخ    القائم بأعمال وزير العدل الأمريكي يرجح استهداف مطلق النار لمسؤولين بإدارة ترامب    لا تحتاجُ العَربيّةُ تَبْسيطًا..    مقتل وزير الدفاع المالي في هجوم على منزله قرب باماكو ضمن هجمات منسقة شهدتها البلاد    الكيني ساوي أول عداء يقطع سباق الماراثون في أقل من ساعتين    البواري: اليد العاملة الفلاحية في تراجع.. ونراهن على 150 ألف خريج    ساكنة مدينة طنجة تجدد احتجاجها على الجرائم الصهيونية وتطالب بالإسقاط الفوري للتطبيع    المدرب والحكم الوطني محمد لحريشي يؤطر ورشة رياضة فنون الحرب بمشرع بلقصيري    ترامب ينجو من إطلاق نار في عشاء مراسلي البيت الأبيض ويكشف دوافع استهدافه    الجولة المسرحية الوطنية للعرض "جدار الضوء نفسه أغمق"    القضاء السوري يحاكم بشار الأسد غيابيا    مجلة القوات المسلحة ترصد الأنشطة الملكية والجهود التنموية بالأقاليم الجنوبية في عددها الجديد    تنسيقية حقوقية مغاربية تندد بتعليق نشاط الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان وتدعو للتراجع الفوري عن القرار    نقابتان تدقان ناقوس الخطر حول وضعية مستشفى أزيلال وتلوحان بالتصعيد    فرنسا تعلن تعميم رسوم دراسية مرتفعة على الطلبة الأجانب والمغاربة ضمن المعنيين    جامعة عبد المالك السعدي تمنح الدكتوراه الفخرية للسياسي الشيلي فرانسيسكو خافيير شاهوان    طنجة.. "السماوي" يُسقط سائق طاكسي في فخ سرقة غامضة    تتويج استثنائي.. جائزة الأركانة العالمية تُوشّح "الشعرية الفلسطينية" بالرباط    قطط وكلاب في معرض الفلاحة بمكناس تبرز توسّع سوق الحيوانات الأليفة    ارتفاع سعر صرف الدرهم مقابل اليورو    المباراة المغربية للمنتوجات المجالية تعلن عن المتوجين في النسخة السابعة    الدكتور عزيز قنجاع يصدر كتابا فكريا بعنوان الإختفائية العميقة لما يُرى: مقالات في الفلسفة والاسلاميات والتاريخ"    تنصيب المؤرخ الصيني لي أنشان عضوا بأكاديمية المملكة المغربية    نتنياهو يعلن خضوعه لعلاج من "ورم خبيث" في البروستاتا    الولايات المتحدة توافق على علاج جيني مبتكر للصمم الوراثي                34 ألف مستفيد من أداء مناسك الحج لموسم 1447ه    بين خفض التكاليف والرقمنة.. وزير الأوقاف يستعرض حصيلة ومستجدات موسم الحج    الأسبوع العالمي للتلقيح.. وزارة الصحة تجدد التأكيد على مجانية اللقاحات وضمان استدامتها    بدء توافد ضيوف الرحمن إلى السعودية لأداء فريضة الحج    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الدكتور مروان شحادة (المتخصص في الحركات الجهادية):توسيع مساحة الحرية كفيل بمحاصرة الحركات المتطرفة
نشر في التجديد يوم 26 - 05 - 2010

يتميز الدكتور مروان شحادة الأردني بكونه من المتابعين لأطروحة التيارات الجهادية، وقد كتب مؤخرا كتابا متخصصا حول تحولات الخطاب السلفي، حاول فيه الإجابة عن كثير من الأسئلة التي ترتبط بالعلاقة بين الأطروحة السلفية التقليدية العلمية والأطروحة السلفية الجهادية، كما حاول رصد تحولات الحركات الجهادية والمراحل التي قطعتها حتى استقرت في الصيغة الدولية ذات الامتدادات الإقليمية المعروفة، وحاول في كتابه أن يتتبع مفاصل الخطاب السلفي وأهم المفردات العقدية والمرجعيات الفقهية التي يعتمدها وكيف تكيفت مواقفه من الغرب والنظم السياسية والديمقراطية والمرأة، وانتهى في كتابه إلى خلاصات كثيرة منه أن توسيع مساحة الحرية ومعالجة معضلة الاستبداد السياسي في العالم العربي، و إتاحة مناخ أوسع من الحرية للحركات الإسلامية المعتدلة من شأنه أن يضع اللبنات الأساس لمحاصرة هذه الظاهرة.
***
عرفت السلفية العلمية في نسختها الألبانية في مختلف بلدان العالم العربي والإسلامي قبل الحادي عشر من شتنبر بالتأسيس لأدبيات المهادنة للسلطان والتأصيل لطاعة ولي الأمر أو على الأقل عدم منازعته، في نظركم كيف وقع التحول إلى السلفية الجهادية، وهل يرجع الأمر إلى التأثر بأدبيات الجماعات الجهادية أم أن التحول وقع من رحم السلفية العلمية عبر حقن بعض مفاهيمها بمفردات تم استدعاؤها من الأدبيات الحركية الجهادية؟
نعتقد أن هناك الكثير من الأسباب والمؤثرات الإقليمية والدولية ساهمت في تحول الخطاب السلفي على المستوى الفكري، والسياسي، والحركي، ويعتبر مفهوم السلفية على الرغم من انتشاره وتداوله من أكثر المفاهيم التباساً وغموضاً، وتختلف الأنظار في تبيان دلالته، حيث أن هذا المفهوم يضم عدة مدارس فكرية في محتواه، لذلك فإن تعريف مفهوم السلفية وتصنيفه، ربما يثير جدلاً لدى البعض، ومن الممكن أن يدفع المخالفون إلى توجيه الانتقادات لهذه التصنيفات، بسبب التعصب المذهبي لهذه المدرسة أو تلك، والانغلاق الفكري الذي سبب العجز عن الوصف الدقيق للواقع، وعدم إعطاء فقه الواقع القدر الكافي من الاجتهادات التي تصب في مصلحة الأمة الإسلامية، أو بمعنى آخر، إحياء النص بحيث يصبح مرناً غير جامد ليتحقق مقصود الشارع من النصوص في موافقتها لكل زمان ومكان. وبالمناسبة، فالمدارس السلفية ليست واحدة في توجهاتها ومنطلقاتها، وأعتقد لأنه من الممكن تصنيف المدارس السلفية إلى ثلاث مدارس، هي: المدرسة السلفية التقليدية، والمدرسة السلفية الإصلاحية، والمدرسة السلفية الجهادية، فعلى الرغم من التقاء هذه المدارس في كثير من المفاهيم العقدية من الناحية النظرية، إلا أن هناك فرق شاسع بين تلك المدارس من حيث أولويات العمل واستراتيجيات التغيير، بمعنى: هناك فروق بسيطة من الناحية النظرية في مسائل تتعلق بالإيمان والكفر، ومسألة الحاكمية، ففي الوقت الذي تعطي السلفية التقليدية شرعية للنظم السياسية القائمة، وتعتبر مهمتها في إحداث التغيير منحصرة في التربية والتصفية، والاقتصارعلى الجانب الدعوي وبشكل سلمي لاسيما ما يتعلق بمحاربة الشرك والابتداع. وتلتقي السلفية الحركية أو الجهادية مع المدارس السلفية الأخرى في فهم معظم الأصول المتعلقة بمسائل الإيمان والتوحيد ، وتختلف معها في المسائل العملية التطبيقية، المتعلقة بالجانب السياسي والاجتماعي.وتتراوح مواقف الحركات الإسلامية من أنظمتها السياسية في العالم العربي والإسلامي، بين الرؤى الإصلاحية التي تؤمن بالعمل السياسي السلمي من داخل الأنساق السياسية ، وبين الرؤى الجذرية التي تطرح نفسها بديلاً عنها، كما يلاحظ أن بعض هذه الحركات انطلقت أول ما انطلقت إصلاحية ثم تحولت إلى جذرية كما هو الحال بالنسبة إلى جماعة الإخوان المسلمين في سوريا، وبعضها تحول من الجذرية إلى الإصلاحية ومثال ذلك جبهة الإنقاذ الجزائرية، والجماعة الإسلامية في مصر. وقد جاء التحول الذي طرأ على مفاهيم السلفية عبر اجتهادات قام بها منظرو السلفية الجهادية تأثرت بأفكار علماء الدعوة النجدية من الناحية الدينية من جهة، ودمجت بين هذا الفهم مع المفاهيم الحركية والسياسية التي نادى بها المودودي وسيد قطب وغيرهما، من جهة ثانية.
عند تتبع مفردات السلفية الجهادية ومفاهيمها المركزية نجدها تجمع بين مفاهيم السلفية العلمية الوهابية مثل التوحيد ومفهوم الإيمان والإسلام، والولاء والبراء وغيرها، وبين مفاهيم حركية انتزعتها الجماعات الجهادية من سياقها القطبي أو المودودي، وصاغتها ضمن أطرا حركية جهادية. كيف تمت عملية المزج بين هاته المفاهيم علما أن الحركات السلفية كانت تحمل على التنظيمات الحزبية وتبدعها ووصلت في بعض الأحيان حد تكفيرها؟
أرجح أن تكون التحولات التي شهدتها السلفية بكافة مدارسها والتي أنتجت السلفية الجهادية، جاءت عبر سنوات طويلة من الاجتهاد النظري والعمل التنظيمي الحركي، وأن الاختلاف الواقع بين المدارس السلفية الثلاث ناتج بسبب الاجتهادات المتعلقة بالبعد السياسي والاجتماعي الذي أضفته على مفهوم التوحيد ، وأولويات العمل واستراتيجيات التغيير، التي تعتبر استخدام القوة الأداة الوحيدة لإحداث التغيير، وأن التغيير لا بد وأن يكون جذرياً، لا إصلاحاً، لأن الإصلاح بحسب تلك الجماعات لم يجد نفعاً عبر سنوات طويلة.
في كتابكم تحولات الخطاب السلفي : الحركات الجهادية حالة دراسة 1990/,2007 ركزتم على تحولات الخطاب، وكيف انتقل من المفاهيم العقدية إلى تقديم رؤيته للواقع السياسي ضمنها موقفه من الأنظمة السياسية ومن الديمقراطية والمشاركة السياسية والموقف من المرأة، والموقف من القضية الفلسطينية، ثم إلى تفصيل عناصر استراتيجيته في التغيير.لكنكم ركزتم على دور تنظيم القاعدة في إحداث هذا التحول من العقدي إلى السياسي، كيف تفسرون ذلك؟
بينت في كتابي الذي حمل عنوان: تحولات الخطاب السلفي: الحركات الجهادية حالة دراسة، ,2007 1990 والذي صدر عن الشبكة العربية للأبحاث والدراسات، أنني سأتناول رصد وتتبع الخطاب السلفي الجهادي من خلال أدبيات تنظيم القاعدة المركزي وفروعه المنتشرة في العالم، فالقاعدة، هي بدون شك، مدرسة فكرية إسلامية تنتمي إلى أيديولوجيا السلفية الجهادية المجددة، التي تحاول أن تستند إلى مرجعيات تراثية تاريخية كالإمام أحمد بن حنبل أحد الأئمة الأربعة في المذهب السني، ومجدد المذهب شيخ الإسلام بن تيمية في القرن الثالث عشر الميلادي؛ والذي يُعد الأب الروحي للحركات السلفية الجهادية المعاصرة، ومحمد بن عبد الوهاب مؤسس الحركة الوهابية في السعودية في القرن الثامن عشر الميلادي، ويعتبر سيّد قطب الأب الحقيقي للسلفية الجهادية المعاصرة، وكذلك يعتبر أبو محمّد المقدِسي وأبو قَتادة الفلسطيني من أبرز منظري هذا التيار.
ويطلق أبو قتادة على مفهوم الحركة الجهادية العالمية، والتي تمثل عمليًاتنظيم القاعدة، بأنها الأمل، وأنها حركة سلفية التصور والرؤى، سلفية المنهج والطريق، ويرى أنها بريئة كل البراءة من الإرث المنحرف في فكر الأشاعرة، والماتريدية، وسليمة كل السلامة من آثار المنهج الصوفي الضال، وأنها لا تنتسب إلى أي مذهب وطريق، إلا طريق الكتاب والسنة، وأنها بصيرة بحال أهل زمانها، تصبغ أعمالها بالبعد التعبدي لحركة الصحابي الأول في الأرض.
أعتقد أن نجاح تنظيم القاعدة فيعولمة الجهادفي ظل تصديه لاستراتيجية الحرب على الإرهاب، المنبثقة عن نظرية صراع الحضارات، بعد انهيار الإتحاد السوفييتي وتحول النظام الدولي إلى نظام أحادي القطبية بهيمنة الولايات المتحدة الأمريكية، خاصة عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر، جعلته تنظيمًا إسلاميًا عالميًا، ويعتبر التيار السلفي الجهادي والذي تمثله الحركات الجهادية من أكبر التحديات الإستراتيجية التي يواجهها المجتمع الدولي، وعلى رأسها تنظيم القاعدة الذي استهدف وما يزال يستهدف الولايات المتحدة الأمريكية، ويسعى إلى إفشال مشاريعها ومخططاتها، إقليميا ودوليًا.
تناولتم في كتابكم قضية تنظيم القاعدة والدور الفاعل الذي يقوم فيه في العلاقات الدولية، وتناولتم بتفصيل انتشار هذا التنظيم وتوسعه في العالم. في نظركم هل يمكن الحديث عن تنظيم القاعدة بفروع في مختلف بلدان العالم، أم الأمر يتعلق بمجرد امتدادات إقليمية لفكر القاعدة من غير عضوية تنظيمية للقاعدة؟
كانت السلفية الجهادية في العالم الإسلامي قد وصلت إلى طريق مسدود بعد أن عجزت عن السيطرة على البلدان التي توجد فيها، وإقامة هدفها المنشود المتمثل بإقامة الدولة الإسلامية دولة الخلافة وفق الإستراتيجية السلفية الجهادية التي ارتكزت على قتال العدو القريب الذي تمثله الأنظمة العربية والإسلامية التي سلبت حق الله في التشريع بحسب المنظور السلفي الجهادي الذي وضع أسسه سيد قطب وأبو الأعلى المودودي وعمل على تطويره صالح سرية في رسالة الإيمان وبلوره بشكل كامل عبد السلام فرج في رسالته الفريضة الغائبة، التي قامت على هديه جماعات السلفية الجهادية في العالم، إلا أن الفشل الذر يع الذي منيت به هذه الجماعات ولد قناعة لديها بأن هذه الأنظمة لا تستند إلى قوتها الذاتية، وإنما إلى قوة بعيدة وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، ولذبك اعتبرت أنها هي التي يجب أن تكون الهدف الأول في إستراتيجية السلفية الجهادية، وقد تبلورت هذه الاجتهادات عن تأسيس تنظيم القاعدة، الذي أعلن عنه كتحالف واسع يضم جماعات سلفية جهادية متعددة في مناطق مختلفة أخذ صيغة الجبهة العالمية لقتال اليهود والصليبيين والأمريكان عام ,1998 وتعتمد الإستراتيجية الجديدة على قتال العدو البعيد الذي تمثله الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل بشكل أساسي، وقد تم التوصل إلى هذه الأطروحة عقب سجالات متعددة في الأوساط السلفية الجهادية تزامنت مع أطروحات صدام الحضارات، حيث ظهرت بشكل متكامل في كتاب فرسان تحت راية النبي للرجل الثاني في تنظيم القاعدة الدكتور أيمن الظواهري، حيث بدأ الشروع في تطبيق هذه الإستراتيجية عبر تفجيرين متزامنين في كل من تنزانيا وكينيا عام ,1998 ثم تفجير المدمرة كول عام ,2000 وقد توجت هذه الإستراتيجية بالهجوم الكبير على نيويورك وواشنطن في 11 شتنبر ,2001 والتي ووجهت برد أمريكي عنيف، حيث كان المحافظون الجدد والإدارة الأمريكية قد طورت إستراتيجية جديدة ترتكز على الحروب الاستباقية في سياق إستراتيجيتها الموسعة الحرب على الإرهاب، وعلى الرغم من اتساع نطاق هذه الحروب إلا أنها فشلت في القضاء على المجموعات السلفية التي طورت إستراتيجيتها وتكتيكاتها القتالية وخصوصا بعد الاحتلال الأمريكي لكل من أفغانستان والعراق، التي شكلت بيئة خصبة لنمو وازدهار الحركات السلفية الجهادية التي أصبحت تشكل تهديداً على المستوى الإقليمي والدولي.
وقد تولدالسلفية الجهادية في ظل ظروف سياسية ذات طبيعة فكرية وحركية مبنية على مفاهيم وقيم الصراع مع أنظمة الحكم العربية القطرية، لتحديد هوية الدولة والمجتمع، وكانت هذه الظروف هي الغالبة في فاعلية الحركات الإسلامية مع مجمل القضايا الفكرية النظرية والتطبيقية وطريقة التوظيف السياسي للدين الإسلامي، وعلاقة ذلك مع مؤسسات الدولة، الأمر الذي أفرز إشكاليات فكرية في سلوك ومسار هذه الحركات، فضلا عن تعنت تلك الحركات الإسلامية في ساحة العمل السياسي والوطني في التعامل مع قضية الأمة العربية والإسلامية المحورية ( القضية الفلسطينية)، عبر رفض المفاوضات والحوارات التي يتبناها المجتمع الدولي، بسبب وصول قيادات هذه الحركات إلى قناعة عميقة بعدم جدية وجدوى تلك المفاوضات ومشاريع التسوية، من هنا دفعت بتلك الحركات إلى التصدي للمشروع الاستعماري الاحتلالي لأي دولة عربية وإسلامية وجعلها في مقدمة الحركات التي تقود المقاومة والممانعة في العالم، حيث يقصد بحركات الجهاد في العالم الإسلامي بحسب عمر محمود أبو عمر( أبو قتادة الفلسطيني) والذي يعد أحد منظري السلفية الجهادية في العالم، أنها تلك التجمعات والتنظيمات التي قامت من أجل إسقاط الأنظمة الطاغوتية الكافرة في بلاد الردة، وإحياء الحكومة الإسلامية التي تقوم على تجميع الأمة تحت راية الخلافة الإسلامية، وقد طرح الخطاب السلفي الإحيائي فكراً سياسياً جديداً مختلفاً عن الخطاب السلفي التقليدي، عمل على سد الخلل والنقص الذي لازم السلفية التقليدية خ بحسب مؤيديه-، ومارس العمل الجماعي والحركي والسياسي والجهادي، الذي أهملته الرؤية السلفية التقليدية وحاربته على مدى عقود طويلة.
وعلى الرغم من الانتشار العالمي الذي شهدته أيديولوجيا السلفية الجهادية التي تنسجم مع أيديولوجيا ومنهج تنظيم القاعدة من الناحية الفكرية والعقدية والحركية، التي انتقلت من المحلية إلى الإقليمية ثم الدولية، إلا أن هناك العديد من تلك الحركات السلفية الجهادية التي لا ترتبط تنظيمياً مع تنظيم القاعدة المركزي، بمعنى أنها لم تعط أو تعلن البيعة لقيادة تنظيم القاعدة المركزي، ومثال ذلك حركة الشباب المجاهدين في الصومال، وجيش الأمة وجيش الإسلام وجماعة التوحيد والجهاد في فلسطين، وربما يرجع السبب إلى أن هذه الحركات لم تنضج من الناحية العسكرية بحيث تصبح قادرة على مواجهة التحديات العسكرية والأمنية في حال ما أعلنت انضمامها لتنظيم القاعدة المطارد عالمياً، وربما يعود إلى تحفظ هذه الحركات على بعض الممارسات الخاطئة التي تنتهجها عناصر القاعدة في العراق وفي غيرها من البلدان العربية والإسلامية.
يختلف تقييم الدارسين والباحثين للحركات الجهادية بين رأي يرى أن هذه التنظيمات ستزيد توسعا وامتداد وستشكل تهديدا حقيقيا للاستقرار السياسي والأمن الدولي في العالم، وبين رأي يرى أن هذه التنظيمات يعيش الآن في عنق الزجاجة وأن تنفسه الوحيد يتم داخل مناطق التوتر مثل العراق مثلا. ما هو الرأي الذي تميلون إليه؟
تتغذى الحركات السلفية الجهادية على مجموعة من الأفكار والمفاهيم المستندة إلى ما يعرف بالسلفية الحركية، وتستمد هذه الحركات قوتها من وجود جملة من المظالم والقضايا العادلة وعلى رأسها قضية فلسطين، والاحتلال الإسرائيلي، والاحتلال الأمريكي لكل من أفغانستان والعراق، وانحياز المنظمات الدولية تجاه القضايا العربية والإسلامية( كشمير، الفلبين، الشيشان) وغياب الإصلاح وشيوع الاستبداد في العالمين العربي والإسلامي، وهيمنة الولايات المتحدة على مجمل الحياة السياسية والاقتصادية في العالم، وتحيزها بالكامل مع إسرائيل، لذلك فإن مستقبل هذا التيار هو رهين بتحقيق العدالة واحترام كرامة الإنسان، وإزالة أسباب الفساد والفقر والتهميش والبطالة، وإحداث تنمية حقيقية مستقلة لا تقوم على أساس التبعية للغرب، وكذلك حل القضية الفلسطينية على أساس من العدل.
في خلاصاتكم، انتهيتم إلى أن جزءا من أسباب انتشار التيارات الجهادية يعود من جهة إلى إيديولوجيا الهيمنة التي أنتجتها الولايات المتحدة الأمريكية ووصلت إلى ذروتها مع المحافظين الجدد المظلومية الكبيرة التي تعيشها قضية فلسطين، ويعود من جهة أخرى إلى جو الانسداد والاستبداد السياسي وضعف التنمية والتحديث في البلدان العربية، ألا ترى معي أن إستراتيجية التضييق على الحركة الإسلامية المعتدلة ومنعها من الاندماج السلس في الحياة السياسية كان له دوره في تبرير توجه بعض الشرائح المجتمعية إلى التنظيمات الجهادية العنفية؟
أعتقد أن الغرب عموماً، والولايات المتحدة الأمريكية على وجه الخصوص يتخبط كثيراً في رسم السياسات المتعلقة بإستراتيجية التعامل مع هذه الحركات، حيث وضعت الولايات المتحدة الأمريكية الإسلاميين في سلة واحدة متهمين ، دون التفريق بين ما يسمى حالياً بالحركات المعتدلة أو الأقل اعتدالاً والمتشددة.
مما لا شك فيه فإن هناك عدم ثقة متبادلة ما بين الحركات الإسلامية من جهة والولايات المتحدة الأمريكية من جهة ثانية، وقد أثبتت التجارب أن عدم الثقة هذه لا تنحصر في الحركات والجماعات الإسلامية الجهادية، بل تعداه إلى عدم الثقة بكافة الحركات والأحزاب الإسلامية المعتدلة وغيرها، وهذا نابع من التخوف المستمر من الهدف الذي تسعى إليه تلك الحركات، المتمثل باستئناف الحياة الإسلامية.
ولعل فوز حماس في الانتخابات الأخيرة أظهر تناقضا صارخا في منظومة القيم الديمقراطية وشكل هذا الفوز مأزقا للديمقراطيات في العالم، ففي الوقت التي تعمل فيه الولايات المتحدة على رفع شعار الديمقراطية والحرية، نجد انتكاسة ظاهرة في الموقف الأمريكي تجاه فوز حماس والتعامل معها، وهو ما يظهر تناقض السياسة الأمريكية وزيف ونفاق الديمقراطية الغربية، وقد تجلى ذلك عبر الموقف الرسمي الأمريكي الذي بلور موقفا معاديا لحركة حماس وإصرارا على معاقبة الشعب الفلسطيني لاختياره الحر والنزيه، كما كشف زيف إدعاءات إسرائيل بالديمقراطية والشفافية.
ومن المؤكد أن إعطاء مساحة كافية من الحرية والحركة للجماعات والأحزاب الإسلامية المعتدلة يحد من خيارات الشباب في التوجه نحو خيار ما يعرف بالحركات المتشددة العنيفة، ويقلل من فرص التجنيد والاستقطاب لدى تلك الحركات.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.