النفط يقفز أكثر من 7% بعد تعليقات ترامب بشأن إيران    الأحمر يفتتح تداولات بورصة الدار البيضاء    القروض البنكية.. جاري القروض بلغ 1224,6 مليار درهم عند متم فبراير 2026    مخزون المغرب من "الغازوال" يكفي ل51 يوما والبنزين ل55.. وتأمين الغاز والفحم حتى نهاية يونيو    8 دول إسلامية: قانون إعدام أسرى فلسطينيين تصعيد خطير يقوض الاستقرار    أمن الدار البيضاء يطيح بشاب بحوزته 2100 قرص طبي مخدر    معرض مغربي بواشنطن يحتفي بالإبداع والهوية    تقليعة المرافعات في كليات الحقوق: بين بريق الاستعراض ومنطق التسليع    جمعية هيئات المحامين بالمغرب تندد بقانون "إعدام الأسرى الفلسطينيين" وتدعو لتحرك دولي عاجل    تأخر تعويضات طلبة الطب والصيدلة يجر وزير الصحة للمساءلة البرلمانية    المغاربة يُسحقون تحت الغلاء فمن يتحمل المسؤولية    توتر اجتماعي برونو طنجة.. نقابة العمال تصف عرض الإدارة ب"الهزيل" وتستعد للنضال    الاتحاد المصري يستنكر الهتافات المعادية للمسلمين خلال مباراة إسبانيا    ثورة في تصنيف الفيفا.. فرنسا تنتزع الصدارة والمغرب يثبت أقدامه بين الكبار    غرفة التجارة والصناعة والخدمات بطنجة تحت نيران الانتقادات.. مؤسسة وازنة في الشمال بعقلية تواصلية عاجزة عن مخاطبة الصحافة            تأهيل التراب الوطني وإصلاح الدولة والديالكتيك الاجتماعي والسياسي 3/2    الجديدة.. المغرب والرأس الأخضر يتباحثان سبل إرساء شراكة مينائية وبحرية استراتيجية    بركة: الموانئ ركيزة أساسية للسيادة اللوجستية للمملكة        تشيلسي يعلن خسائر قبل حساب الضرائب بقيمة 262،4 مليون جنيه إسترليني    صدمة للجماهير .. تذكرة نهائي مونديال 2026 تتجاوز 10 آلاف دولار    "العدول" يحتجون أمام البرلمان ويواصلون إضراب ال19 يوما    تحليل: الحرب قد تقوي شوكة إيران وتترك دول الخليج في مواجهة العواقب    جمهورية الرأس الأخضر تشيد بالمبادرة الملكية الأطلسية وتدعو إلى اندماج مينائي مع المغرب    لمواجهة أزمة المحروقات.. مقترح برلماني لإعفاء الموظفين من التنقل اليومي    إحالة الهجهوج على قاضي التحقيق في حالة اعتقال على خلفية اتهامات ثقيلة    كيوسك الخميس | إجراءات صارمة للحد من الغش في الامتحانات الإشهادية    بنسبة تقارب %78.. انخفاض حاد في قضايا الاتجار بالبشر في الصين    36 دولة تضغط لإعادة فتح هرمز    أولاد سعيد تحتضن ملتقى حول التصوف والمقاومة الشعبية واستحضار الذاكرة الروحية    أجواء باردة وغائمة في توقعات اليوم الخميس بالمغرب    جيش إيران يتعهد شنّ هجمات "ساحقة"    غارات جوية تستهدف مركزا طبيا بارزا في طهران وإسرائيل تعلن التصدي لهجمات صاروخية إيرانية    ترامب يسخر من ماكرون: زوجته "تعامله بشكل سيّئ للغاية"    توقيف شاب بالعرائش بعد تورطه في سرقات من داخل سيارات موثقة بالفيديو    وزير التجارة الخارجية الفرنسي يقوم بزيارة للمغرب على رأس وفد هام من رجال الأعمال    أنفوغرافيك | خريطة الصادرات وفق القطاعات الرئيسية خلال فبراير 2026    هشام العسري وأسئلة الفن المقلق في المجتمع المغربي    رياح النص ومرايا الذات    لامين يامال يندد بالهتافات العنصرية لجماهير اسبانيا: أنا مسلم، الحمد لله وأفتخر بذلك    فتح فترة استثنائية جديدة لاستخلاص المبلغ الزائد من مصاريف الحج لموسم 1447 ه من 06 إلى 16 أبريل    توبة فنان    الشهبي يفوز بمسابقة وطنية لأدب الطفل    تصنيف "الفيفا".. المنتخب المغربي يحافظ على مركزه الثامن عالميا والأول عربيا وأفريقيا    فتح فترة استثنائية جديدة لاستخلاص المبلغ الزائد من مصاريف الحج    فتح فترة استثنائية جديدة لاستخلاص المبلغ الزائد من مصاريف الحج لموسم 1447    اكتمال عقد المتأهلين إلى كأس العالم 2026 بعد حسم بطاقتي الملحق    لماذا ضعف العالم العربي والإسلامي؟    العراق يفجر المفاجأة ويبلغ كأس العالم    دراسة: زيادات بسيطة في النوم والنشاط البدني تقلل مخاطر أمراض القلب        دراسة حديثة: العمر البيولوجي مفتاح صحة الدماغ وتقليل خطر السكتة        إصدار جديد للأستاذ إبراهيم بوغضن في أصول الفقه السياسي عند الغزالي.    وزارة_الأوقاف توضح مآل المساجد المغلقة بإقليم الجديدة وتكشف تفاصيل برنامج التأهيل .        







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مواقف الجابري من قضية التعليم ببلادنا

متعددة هي ومعروفة مواقف المرحوم الجابري من قضية التعليم ببلادنا ؛ فللرجل كتاب قيم حول هذه القضية أصدره منذ ما يزيد على ثلاثين سنة ، وبالضبط أواخر سنة 1973 ، تحت عنوان " أضواء على مشكل التعليم في المغرب ". وقد أعاد تلخيص جملة من قضاياه في العدد 13 من سلسلة "مواقف" الصادر عن دار النشر المغربية ، الطبعة الأولى لعام 2003.وسبب الوقوف عند ما كتبه الجابري حول قضية التعليم ببلادنا لا يرجع فقط إلى القيمة التي تحتلها بفعل صدورها عن مفكر مغربي وازن جمع بين التنظير والممارسة ، واحتك بالميدان عندما اشتغل في أيام شبابه (سنة 1953) معلما لتلاميذ القسم التحضيري من السلك الابتدائي...وإنما ترجع أيضا إلى كون تلك الآراء مازالت تحتفظ براهنيتها وتشخص كثيرا من مواطن الخلل في منظومتنا التعليمية الحالية.ولذلك وجدت أنه من المفيد أن نعيد تأملها ومناقشتها عسى أن يكون ذلك مساهمة في اقتراح بعض الحلول للنهوض بواقعنا التعليمي الذي أجمع المغاربة على مرضه ..
وقبل ذلك تجدر الاشارة إلى أن المرحوم الجابري اشتغل، قبل التحاقه أستاذا بالجامعة سنة 1967 ،مفتشا لمادة الفلسفة في أقسام الباكالوريا ، ومدرسا لمادة التربية في مدرسة المعلمين بالرباط. ولهذا فعلاقته بمادة علوم التربية علاقة متينة تبلورت من خلال اهتمامه المبكر بمحاولات المفكرين التقدميين الفرنسيين تأسيس نظرية اشتراكية في التربية (انظر العدد 13 من "مواقف".ص 13.)
ورغم أن آراء الجابري حول قضية التعليم ببلادنا مؤطرة بانتمائه الحزبي للاتحاد الوطني للقوات الشعبية الذي تميزت أدبياته بطابعها النقدي الحاد ، فإن المنهج التحليلي النقدي الرصين لم يكن ليفلت من بين يديه . فكانت قضية النهوض بالتعليم في المغرب امتدادا لانشغاله بالخروج من واقع التخلف " من جهة و "البناء الاشتراكي" للمجتمع المغربي من جهة أخرى.
طرح إيديولوجي مزدوج
لا يخفي الجابري، وهو يتطرق لقضية التعليم في المغرب، أنه ينطلق من موقف إيديولوجي ، لكنه موقف مزدوج يروم الكشف عن المعطيات الجوهرية التي كان يعاني منها تعليمنا (سنة 1973) ،ويسعى لطرح البديل الممكن..وسيجد القارئ أن كثيرا من المعطيات المقدمة في هذا التحليل ما زالت صالحة لوصف أوضاعنا التعليمية الحالية خصوصا عندما يتصدى صاحبها لتفكيك خلفيات " الفكر " الذي خطط للتعليم ببلادنا منذ فجر الاستقلال في الفصل الذي عنونه ب"فكر النخبة والطابع التوفيقي للمبادئ الأربعة".
من أهم الخلاصات التي انتهى إليها الجابري بخصوص نتائج التعليم الذي أقامته الحماية الفرنسية في المغرب عند بداية الاستقلال هي أنه ظل ، لفترة طويلة ، تعليما نخبويا يعكس بصدق وأمانة الوضعية الطبقية في المغرب. فابتداء من سنة 1944 تحولت البورجوازية التقليدية من التسابق نحو مدارس الأعيان إلى التهافت على المدارس الأوربية ،أي مدارس البعثة الفرنسية اليوم. وتحولت مدارس الأعيان نفسها إلى مدارس ثانوية إسلامية (كوليجات) معظم تلامذتها من أبناء الطبقة المتوسطة ،وهي مدارس لم يكن تعليمها يتعدى مستوى الشهادة الثانوية ( البروفي ) في الغالب . وباختصار لم تستفد الجماهير الشعبية من التعليم الفرنسي في المغرب ، وهو التعليم الذي أصبح حكرا على النخبة التي كان بإمكانها أن تضمن لأبنائها الاستمرار في الدراسة حتى النهاية..
ومن المفارقات الغريبة التي يسجلها الجابري باعتباره شاهدا على تلك الفترة أن النخبة الاجتماعية التي قادت الحركة الوطنية بمقدار ما كانت تحتج على الطابع اللا وطني للتعليم في المغرب بمقدار ما كانت تدفع بأبنائها نحو المدارس الأوربية .وتلك ظاهرة مازالت قائمة إلى الآن ." لقد قامت هذه النخبة ضد سياسة فرنسا في المغرب ، سياستها التعليمية والاقتصادية والاجتماعية ، ولكن الصورة البديلة التي تكونت لديها عن المغرب كما تريده أن يكون ، هي صورة مستمدة أساسا من فرنسا ذاتها ، من نظامها التعليمي واقتصادها الليبرالي . ومن هنا أصبح هم هذه النخبة غداة الاستقلال – وقد كانت هي وحدها المؤهلة اجتماعيا وثقافيا لتولي المسؤوليات – هو العمل على استمرار الوضع القائم وتنميته على أساس النموذج الفرنسي .أما التغيير الجذري ، أما إعطاء الاستقلال مضمونه الحقيقي ، سياسيا واجتماعيا واقتصاديا وثقافيا ، فذلك ما لم تكن قادرة عليه بحكم تكوينها الفكري وانتمائها الاجتماعي ..." (مواقف.العدد13.ص24).
وضعية اللغة العربية بعد الاستقلال
بعد أن تقرر سنة 1944 تخصيص 10 ساعات في الأسبوع للعربية والمواد الدينية في المدارس الابتدائية مقابل 20 ساعة للفرنسية ، ظلت الثانويات الأوربية التي كانت قبلة لأبناء النخبة التي تحدثنا عنها ، تعنى أساسا بالفرنسية ولم تكن تعير أي اهتمام لتعليم العربية لأبناء المغاربة . والأدهى من ذلك أن حصص العربية تحولت إلى دروس باللهجة الدارجة تلقن بالفرنسية للفرنسيين متخذة مادتها من قصص خرافية " وحكايات تشوه المغرب وتاريخه وحضارته " (المرجع السابق.ص26).وهكذا ساهمت الحصص المخصصة للعربية في ترسيخ صورة سلبية عن العربية وثقافتها لدى التلاميذ مما جعلهم يكتسبون رد فعل سلبي لا شعوري ضد كل ما هو عربي ، وهو رد فعل لازالت آثاره قائمة في بعض أوساطنا المثقفة إلى اليوم .
هكذا وجد المغرب نفسه غداة الاستقلال أمام نمطين فكريين متنافرين: نمط غربي أنتجته المدارس الفرنسية ، ونمط عربي إسلامي أنتجته المدارس العربية الحرة وكليات التعليم الأصيل وجامعات الشرق.ولقد جذر هذا التنافر اختلاف الوضعية الاجتماعية للمنتمين لهذا النمط أو ذاك ن مما جعل الصراعات الفكرية والاختلافات الثقافية تعكس ، إلى حد بعيد ، الصراعات الاجتماعية والطبقية. وبخاصة بعد أن اتضح أن النمط الأول ، في جملته ، كان مؤطرا ضمن قوالب الثقافة الاستعمارية التي تلقاها . بينما ظل النمط الثاني حبيس ثقافة عربية إسلامية ضيقة ، وكان التحفظ هو السمة المميزة لعلاقة النمطين ببعضهما ، فلم يسع أي طرف إلى الاندفاع إلى ميدان الآخر سلبا أو إيجابا .
من هنا يتبين الجابري أن ذلك كان أحد الأسباب الأساس في عدم قيام نشاط فكري في المغرب خلال الفترة التي أعقبت الإعلان عن الاستقلال ." إننا نفتقد ذلك النقاش الفكري والسياسي الذي يقوم عادة على صفحات الجرائد والمجلات والكتب عندما يجتاز وطن ما منعطفا تاريخيا كذلك المنعطف الذي اجتازه المغرب من جراء انتهاء عهد الحجر والحماية وبزوغ فجر الاستقلال والحرية ." (المرجع السابق.ص.31).
المبادئ الأربعة : التعميم، التوحيد، التعريب، المغربة
كيف تولد ما سمي ب الاختيارات الأساس لسياستنا التعليمية، والمعبر عنها بالمبادئ الأربعة: التعميم، والتوحيد، والتعريب، والمغربة ؟
يذهب الجابري إلى أن هذه المبادئ قد فرضها واقع المغرب عقب الاستقلال قبل أن تصبح اختيارات وطنية ، فقد وجدت النخبة الحاكمة نفسها، غداة الاستقلال، أمام ضغط شعبي جارف يفرض نوعا من إجبارية التعليم لأبناء المغاربة، خصوصا بعدما تبين للجماهير الشعبية أن الطريق إلى السلطة والغنى يمر عبرالتعليم . ولذلك ظهر الطابع التوفيقي للمبادئ الأربعة جليا منذ الوهلة الأولى : فالتعميم يرضي رغبة الجماهير في تعليم أبنائها، والتوحيد يرضي ذوي الميول العصرية وأصحاب الميول التقليدية سواء بسواء ، والتعريب ومغربة الأطر لا يلغيان الازدواجية...هذا بالإضافة إلى أن المبادئ الأربعة المذكورة تم رصفها دون بيان علاقة بعضها ببعض ، ودون تحديد السابق منها من اللاحق مما يجعل أمر تطبيقها خاضعا للصدفة مرهونا بتقلبات الأحوال " ومن ثمة لا يمكن القول إنها تشكل اختيارات أساسية لمذهب تعليمي حقيقي " (المرجع السابق.ص.48). يجلى هذا بصورة أوضح إذا نظرنا إلى مبدأ التعريب والمغربة : هل هناك ما يستوجب الفصل بينهما ؟ إن التعريب يتضمن حتما مغربة الأطر، كما أنه يفضي مباشرة إلى التوحيد لأن تعريب التعليم يلغي بكيفية آلية تعدده..لكن توحيد التعليم لا يتضمن حتما تعريبه إذ من الممكن تحقيق التوحيد في ظل الازدواجية وهذا ما تم فعلا.
يخلص الجابري في نهاية هذا التحليل إلى أن ما سمي بالمبادئ الأربعة عملت على تكريس التعدد والازدواجية وفسحت المجال واسعا " للتراجع عن التعريب بدعوى المغربة أولا، وعن التعميم بدعوى انخفاض المستوى بسبب التعريب، وعن التوحيد بدعوى فتح المجال للمدارس الحرة والتعليم الأصيل ليساهم كل منهما في تعميم التعليم، مما يهيئ تعليمنا لأن يبقى يدور في حلقة مفرغة..."(نفسه.ص.49).


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.