عبد الهادي بوطالب شارك في أول حكومة مغربية بعد الاستقلال كوزير للشغل والشؤون الاجتماعية. تقلد عدة مناصب وزارية منها وزاة الإعلام، وزارة العدل، التعليم، الخارجية. شغل منصب سفير للمغرب بكل من بيروت، دمشق، واشنطن والمكسيك. ترأس البرلمان المغربي سنة 1970. عمل مستشارا للراحل الحسن الثاني لأكثر من 4 سنوات. في هذا الجزء الثاني من حواره مع «المساء» يقول بوطالب إن الحسن الثاني رحب بانقلاب الهواري بومدين لأن الأمر شأن داخلي يهم الجزائريين. أما عن محمد السادس، فيقول بوطالب، رغم أنه يعطي اهتماما أكبر لقضايا الداخل خلافا لوالده، فإن هذا لا يعني أن هناك تناقضا بين الخيارين. - لماذا رحب الحسن الثاني بالانقلاب الذي قاده الهواري بومدين ضد بنبلة في الجزائر؟ < الحسن الثاني انخدع ببومدين لأنه كان يتوقع منه أن ينهج تجاه المغرب سياسة اليد الممدودة، لكنه فعل العكس. وطبعا، كان الحسن الثاني يعتبر الانقلاب الذي قاده بومدين شأنا داخليا بين الجزائريين، لهذا لم يبد أي موقف عدائي إزاءه رغم أنه كان يمكن ألا يعترف به، ثم إن بومدين بعد الانقلاب صرح بأنه مع المغرب وسيدعمه في كل قضاياه، وأنه ليست له أي مطالب في الصحراء، أنه مستعد لأن يبعث بجيشه ليصطف إلى جانب الجيش المغربي ويشارك معه في تحرير سبتة ومليلية والصحراء المغربية من الاستعمار. ومثل هذا الكلام قاله أيضا للموريطانيين الذين كانوا معنيين بنزاع الصحراء. ولكني أعتقد أن الهواري بومدين كان يراهن على ألا يصل المغرب إلى أي حل، لا في الصحراء ولا في سبتة ومليلية، ولهذا كان يقول مثل ذلك الكلام المطمئن. لكن عندما عقد المغرب صفقة مع موريطانيا، حول منطقة الداخلة ووادي الذهب، فإن بومدين غير موقفه حينها وبعث برسالة تهديد إلى الرئيس الموريطاني يقول له فيها: «لقد تدخلت في ما لا يعنيك، فالصحراء ليست في ملكية المغرب ولا موريطانيا». إذن، بالنسبة إلي فبومدين كانت له سياسة في الظاهر وأخرى في الباطن تجاه المغرب. ويبدو أنه كان يستوحي هذه السياسة من المسؤولين الإسبانيين الذين كانوا يقولون للمغرب إنهم مستعدون للخروج من التراب المغربي، عندما تخرج منه فرنسا، لكن الإسبانيين كانوا واثقين من أن الفرنسيين لن يخرجوا من المغرب. ولهذا فبومدين، فوجئ عندما استرجع المغرب صحراءه من إسبانيا بطريقة سلمية عبر المسيرة الخضراء وعقد اتفاقية مع مدريد سنة 1975، حينها انقلب بومدين على المغرب ولم يعد يقول في المحافل الدولية إن قضية الصحراء لا تعني الجزائر. - هناك من يقول إن هزيمة الجيش الجزائري في حرب الرمال أمام الجيش المغربي ظلت بمثابة العقدة الحاضرة باستمرار في العلاقات بين البلدين. هل هذا صحيح؟ < هذا ممكن، وفي شتى الأحوال، بومدين قلب ظهر المجن للمغرب وأصبحت له مواقف صريحة وواضحة ضد وحدته الترابية بعد أن كان مؤيدا لها. - وبالنسبة إلى مبادرة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب لحل نزاع الصحراء، هل هناك إمكانية لنجاح هذه المبادرة؟ < نعم، شروط نجاح المبادرة المغربية متوفرة، وأول هذه الشروط هو تبني المجتمع الدولي والأمم المتحدة ومجلس الأمن للمقترح المغربي، بل إن الممثل الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة صرح مؤخرا بأن خيار الاستفتاء غير واقعي، ثم إن المغرب كما يرفض الاستفتاء على مراكش فهو يرفضه أيضا على الصحراء. وأعتقد أن الحكم الذاتي الذي اقترحه المغرب لن يشمل فقط مناطق الصحراء، بل قد يشمل حتى بعض الجهات الأخرى في المغرب في سياق ما يسمى بالنظام الجهوي الموسع. - دعا المغرب الجزائر، أكثر من مرة، إلى فتح حدودها مع المغرب، لكن كل هذه الدعوات كانت تقابل من طرف المسؤولين الجزائريين بالرفض. لماذا في نظرك؟ < أعتقد أن المغرب تبنى موقف الحكمة عندما دعا الجزائر إلى فتح الحدود. لكن مع الأسف، فالمسؤولون الجزائريون يرفضون مصافحة اليد الممدودة إليهم من طرف المغرب ويتبنون موقفا يربطون فيه بين فتح الحدود وحل مشكل الصحراء، وفي الوقت نفسه يؤكدون أنهم لا يريدون الإضرار بالمغرب. - وماذا تقول عن السياسة الخارجية للملك محمد السادس خاصة وأن هناك من يلاحظ عليه انشغاله بقضايا الداخل خلافا لوالده الحسن الثاني؟ < كون الحسن الثاني كان له حضور دولي في القضايا العربية والإسلامية، هذا أمر ثابت ومؤكد، لكن دون أن يكون هناك اختلاف بين خيار الحسن الثاني وخيار الملك محمد السادس، إذ يمكن اعتبار الخيارين متكاملين وليس بينهما أي تناقض. صحيح أننا إذا تتبعنا الأنشطة الملكية لمحمد السادس على مدار الأسبوع أو على مدار الشهر كله، فإننا نجده يعطي اهتماما كبيرا لقضايا الداخل، لكن هذا الاهتمام بمشاكل الداخل لا يمنعه من الحضور في القمم العربية والقمم الإسلامية التي يحرص على المشاركة فيها والاتصال برؤساء الدول التي لها مصالح مشتركة مع المغرب. إذن، محمد السادس حاضر على الساحة الدولية وإن بصورة تختلف عن حضور والده. ثم إن إعطاء الأسبقية لقضايا الداخل لا يعني في سياسة محمد السادس إلغاء قضايا الخارج. - دعاك محمد السادس إلى الانضمام إلى هيئة مستشاريه، لكنك اعتذرت له في أدب عن تحمل هذه المهمة. هل يمكن أن نعرف لماذا؟ < اعتذرت مرتين عن أن أكون واحدا من مستشاري الملك محمد السادس. المرة الأولى كانت عندما بويع بعد وفاة والده الحسن الثاني في يوليوز من سنة 1999. وأذكر أني ذهبت إلى القصر الملكي لحضور مراسيم تشييع جنازة الحسن الثاني، وبعدها تم الاتصال بي من طرف مسؤولي التشريفات، وأنا مازلت في الرباط، وطلبوا مني أن ألتحق بمقعدي بهيئة المستشارين للملك محمد السادس دون أن ينادوا علي ويفاتحوني في الموضوع. وفعلا، ذهبت إلى المسجد بالقصر الملكي ووجدت أن مسؤولي التشريفات وضعوا اسمي على رأس لائحة المستشارين، فيما وضع اسم أندري أزولاي في المرتبة الثانية.. كان ترتيبي في هيئة المستشارين بين بنسودة والسيد عواد رحمهما الله، لكن في ذلك اليوم لم يحضرا إلى القصر لأن المرض لم يسمح لهما بالمجيء. وبعد أن أدينا الصلاة في المسجد، طلب منا أن نسلم على الملك. وأنا أسلم عليه، قال لي جلالته «أريدك أن تحضر لي خطاب العرش كما جرت العادة أن تفعل مع والدي»، فكان جوابي «نعم، وبكل سرور»، قبل أن أضيف ملتمسا منه تصحيح خطأ في لائحة المستشارين؟ فقال لي ما هو هذا الخطأ، فأجبت «لقد وضعوا اسمي ضمن لائحة المستشارين وأنا لم أعد مستشارا». فقال لي: «أنت مازلت مستشارا»، فذكرته بأنه سبق لي أن زرته وأخبرته بأني غادرت هيئة المستشارين، فقال لي «ومتى»؟، فقلت له: «تاريخ مغادرتي لهئية المستشارين مدون في الأمانة العامة للحكومة بعد اتفاق مع والدك، وصدر هذا القرار بالجريدة الرسمية»، حينها قال لي إنه لم يطلع على هذا القرار. وعلمت فيما بعد أن الملك محمد السادس بحث في صحة خبر خروجي من هيئة المستشارين وتأكد بالفعل أن ما قلته له صحيح. وبعد مدة من هذه الواقعة، اتصل بي عبر الهاتف محمد منير الشرايبي، المكلف بمهمة في الديوان الملكي، وأخبرني بأنه قادم من الرباط لزيارتي. وفعلا، زارني الشرايبي في بيتي ووجدني أرتدي بذلة رسمية، فقال لي ضاحكا: «إن هذه البذلة تصلح لشاشة التلفزيون، وأنا جئت لأبلغك أن جلالة الملك يريدك أن تلتحقك بهيئة المستشارين»، فقلت له إذا كان لا بد من ذلك، فإني ملزم بأن أشرح لجلالة الملك قبل استلام مهمتي كمستشار رؤيتي لمزاولة هذه المهمة وظروف العمل التي ينبغي أن أعود فيها. وتفهم جلالة الملك موقفي عندما أخبره الشرايبي بمضمون جوابي وقبل اعتذاري. وأنا في الحقيقة زهدت في المناصب لأني أعتبر أن الإنسان عندما يبلغ من الكبر عتيا، فينبغي أن ينسحب بهدوء ومن تلقاء نفسه بدل أن يطرد بالقوة والسوط على رأسه. وأنا جاد في هذه القضية ولا أمزح، مع الأسف أن مفهوم التقاعد عندنا هو أن يظل الإنسان في مقعده إلى أن يتحول إلى إنسان مقعد لا يقوى على النهوض، في حين أن المفهوم السليم للتقاعد هو أن تنسحب من مهمة لتزاول أخرى من موقع آخر. وأنا شخصيا خلال 7 سنوات من تقاعدي تأكد لي أن الإنسان يمكن أن يخدم بلده دون أن يكون لا وزيرا ولا مستشارا. فأنا أحاضر داخل المغرب وخارجه وأدافع عن قضايا بلدي بدون أن يكون لي أي منصب في الدولة. - على ذكر التقاعد، فأنت المستشار الوحيد الذي زهد أيضا في المعاش المخصص للمستشارين، لماذا؟ < أنا لا أتقاضى أي سنتيم من المال العام عن أي منصب رغم أني تقلدت عدة مناصب كبرى في هرم الدولة. وهذا خيار. - كم كنت تتقاضى عن مهمتك كمستشار في عهد الحسن الثاني؟ < كنت أتقاضى 6 ملايين سنتيم في الشهر. - هل التقيت محمد السادس فيما بعد؟ < نعم، وقال لي ماذا تفعل الآن، فقلت له إني أستعد لتأسيس مؤسسة ستحمل اسم «مؤسسة عبد الهادي بوطالب» بعد أن اتصلت بي بعض الشخصيات من المملكة العربية السعودية، فكان جوابه أن تأسيس مؤسسة عبد الهادي بوطالب شأن يخصه هو ولا يخصني أنا. وهكذا أكرمني بفضاء خاص لاحتضان هذه المؤسسة بمسجد الحسن الثاني. والأشغال جارية الآن لإعداد هذا الفضاء. -لماذا اختلفت مع الراحل الحسن الثاني في السنوات الأخيرة من حكمه للبلاد؟ < ليس خلافا. كانت لي علاقة خاصة مع الراحل الحسن الثاني. تعرفت عليه وتعرف علي وأنا أستاذ في المدرسة المولوية، وهو تمليذ فيها. بمعنى أنه كان تلميذا لي في سن مبكرة. وأنا أيضا كنت أستاذا له في سن مبكرة. وكان فارق السن بيني وبينه لا يتجاوز أربع سنوات. كان يتعاطف معي. وكانت غرفتي بالمدرسة المولوية مجاورة لغرفته. وكنت ألتقي به على مائدة الغداء والعشاء. وكان يعجبه أن يتحدث إلي شخص في مثل سنه، لكن بعقلية الشيوخ وأفكار كبار السن. وكنت أنا كذلك بالنسبة إليه. لكن في السنوات الأخيرة من حكمه، أخذ يتضايق من بعض وجهات نظري في بعض القضايا ويقول لي «لماذا تريد أن تختلف معي»، فكنت أرد عليه بالقول ب»أني لا أختلف معك، ولكن ما أقوله مجرد وجهة نظر». وكان ينصت إلي، وأحيانا يعمل بما أقول له وأحيانا لا يعمل. لكن عندما اكتشف أنه مريض لم يعد يستمع إلي أي أحد، ولأني لم أكن أعرف أنه مريض لأنه كان يخفي مرضه، فقد كنت بين الفينة والأخرى أذهب عنده لأقول رأيي في بعض المواضيع، فكان يتضايق من وجهات نظري. عبد الهادي بوطالب < -1943 التحق بالمدرسة المولوية لتدريس الأمير الحسن الذي سيحكم المغرب لمدة 38 سنة. < -1956 شارك في أول حكومة مغربية بعد الاستقلال كوزير للتشغيل. < 1970 - ترأس البرلمان ورفض أن يتقدم لرئاسته لمرة ثانية بعد أن علم أن الحسن الثاني يجري مشاورات مع المعارضة تنتهي بحل البرلمان. < 1971 - أصيب في انقلاب الصخيرات برصاصة في ركبته ووجد نفسه يركب فوق ظهر عبد اللطيف الفيلالي بعد أن تم تجميعهم في ساحة القصر من طرف الانقلابيين. < (1992-1996) عمل مستشارا للحسن الثاني براتب شهري محدد في 6 ملايين سنتيم.