طرق الانتحار عديدة، منها الراقي ومنها المنحط.. فمن المنتحرين من يضع فوهة مسدس في فمه ثم يضغط على الزناد، ومنهم من يشنق نفسه بحبل ملفوف حول غصن شجرة أو مربوط إلى سقف بيت، فيما يلجأ طرف ثالث إلى طريقة «الشعالة» بسكبه قنينة أو صفيحة بنزين قبل إشعاله عودَ ثقابٍ في جسده. وعلى خلفية الربيع العربي، غدا الانتحار ظاهرة مبتذلة وبلا حدود. فيما مضى، كان الطلبة -ذكورا وإناثا- يشربون ماء جافيل أو «دوا البرغوث»، وفي أسوأ الحالات «الما القاطع»، على إثر رسوبهم في امتحانات الباكلوريا. اليوم، بما أنه حتى الدكاترة «كاينشو الدبان»، فلم تعد للباكلوريا الهالة الأسطورية التي كانت تحظى بها من قبل، وبالتالي لم يعد الطلبة ينتحرون جراء رسوبهم في «الباك». غير أن انتحار محمد البوعزيزي رفع هذا الفعل إلى مقام رمز سياسي وازن لينزع عنه في نفس الوقت هالة القداسة، إذ يقدم المنتحر على فعلته بعد أن يتأكد له أن الحياة الدنيا جحيم وأن الآخرة ستكون جحيما مضاعفا. وأسباب الانتحار عديدة: منها ما هو عاطفي ومنها ما هو اجتماعي-اقتصادي (الحكرة والزلط)، ومنها ما هو نفسي... وأصبحنا نعاين في المجتمع المغربي انبثاق وتعايش جميع هذه الأشكال. غير أن الانتحار الذي تتسبب فيه المسلسلات التركية، وبالأخص مسلسل «ماتنسانيش» المدبلج بالدارجة، هو من الظواهر الشاذة. ويؤول المحللون النفسيون (وما أقلهم في مجتمعنا) مثل هذه الظاهرة على أنها مرآة ناصعة للألينة وللتماهي الصبياني وضعف الشخصية الذي أصبح يعيشه المجتمع مع غياب قدرته على وضع مسافة بينه وبين العالم الفانتازمي للفيلم. ونحن صغار، وكان ذلك في زمن «الخلعة الكبرى» أو ما يعرف بسنوات الرصاص، تحمسنا لصيحات وركلات بروس لي أو طلقات مسدس «دجانغو»، لكن لم يصل بنا الحد إلى شنق أو إحراق أنفسنا. نعيش اليوم زمنا آخر.. من احتلال المسلسلات الأمريكية إلى المصرية ثم «التيلي نوفيلا» المكسيكية والبرازيلية، انتقلنا إلى هيمنة المسلسلات التركية المدبلجة. إن كان المغرب البلد الوحيد من بين دول المغرب العربي الذي أفلت من الاحتلال التركي، فإن المسلسلات ستصحح وتعوض هذه الهفوة، إذ دخلت تركيا البيت المغربي قبل أن يصبح حزب العدالة والتنمية على رأس السلطة. ولربما هي المرة الأولى التي تتسبب فيها مسلسلات في انتحار أو موت مغاربة. ولا زال الحادث الذي أودى بحياة فتى في التاسعة من عمره بقبيلة ولاد الطالب في ناحية اليوسفية طريا في الأذهان. هذه البلدة، التي يصعب التقاطها على خارطة «غوغل إيرت»، قفزت في شهر ماي إلى واجهة الأحداث، وذلك على خلفية هذه الواقعة؛ فبعد أن شاهد الفتى عبد السلام حلقَةً حاولت فيها إحدى شخصيات المسلسل الانتحار، أمسك بحبل ليقلد المنتحر الافتراضي وليشنق نفسه. «ماغاديش ننساوك»! الحادث الثاني هو وفاة رضيع بأزيلال بسبب «نسيان» ممرضة كانت تتابع مسلسل «ماتنسانيش»، ولم تتدخل في الوقت المناسب لإنقاذه. هل يعاني المغاربة من خصاص عاطفي وسيكولوجي وعقلي حتى يقبلوا بمثل هذا الوله على مسلسل وردي تافه؟ هل سقطوا في المرض الطفولي للهوية ليستهلكوا بنهم هذا المسلسل؟ مسؤولية علماء النفس هي التباحث في هذه المسألة التي تهم سيكولوجية مجتمع وتوازنه. وفي انتظار أن يعكف هؤلاء على دراسة المشكل، أقترح على إحدى القنوات المغربية إنتاج سيناريو مسلسل مغربي مائة في المائة صالح لفوازير رمضان كتبته تحت عنوان: «ما فاهمينش»، وهو عبارة عن سكيتشات هزلية يقوم فيها عبد الإله بنكيران بدور لحلايقي في شوارع إسطنبول، يتحدث فيها عن المغاربة ويختمها دائما بالعبارة: «هادوك الناس ما فاهمينش». السيناريو جاهز، وإن رغب مدراء القناتين «يفوجو» على هموم المغاربة في زمن الصهد و«الزلط»، فما عليهم سوى الاتصال بي على العنوان المذكور.