إيطاليا ترسل دفاعات جوية إلى الخليج    مسيّرة إسرائيلية تغتال قياديا ب "حماس"    أجواء باردة في توقعات اليوم الخميس بالمغرب        قاصرات ك"طُعم" والضحايا في الفخ.. محكمة طنجة تُنهي ملف عصابة الرعب بأحكام ثقيلة        النفط يرتفع في تعاملات آسيا المبكرة    مداهمة منزل مشبوه بطنجة تقود لحجز أزيد من 4 كلغ من المخدرات وتوقيف مروج مبحوث عنه    الحرب الإيرانية-الأمريكية الاسرائيلية تصل سماء تركيا    نادي آسفي يظفر بنقطة في مراكش    حجز 175 وحدة من المفرقعات بمراكش وتوقيف خمسة أشخاص قبل مباراة الكوكب المراكشي وأولمبيك آسفي    توقيف شخص بجرسيف متورط في النصب وانتحال صفة موظفين للاستيلاء على معطيات بنكية    النهضة البركانية تنتصر على الحسنية    تكثيف عمليات مراقبة أسعار وجودة المنتجات الغذائية بعمالة المضيق    ترويج السولوسيون والشيرا يوقع ب «ولد حدادة» وصديقته في قبضة الشرطة القضائية بوزان    العصبة تقترح تقديم مباراة الوداد والفتح المؤجلة    تعيينات جديدة في المسؤولية الأمنية    ليكيب: ياسين جسيم سلاح ستراسبورغ الجديد    من هو مجتبى خامنئي الإسم البارز المطروح ليصبح مرشدا أعلى لإيران؟    الفنان أحمد المصباحي يطلق أغنية "رمضان" احتفاء فنيا بروح الشهر الفضيل    نشرة انذارية : تساقطات مطرية وثلجية وهبات رياح قوية بعدد من مناطق المملكة    بعد تهديد ترامب.. إسبانيا تنفي موافقتها على التعاون مع واشنطن في حرب إيران    وزارة الخارجية: الإمارات تعرضت لأكثر من ألف هجمة وهو عدد يفوق مجموع ما تعرضت له جميع الدول المستهدفة مجتمعة    "مازي" يرفع تداولات بورصة البيضاء    كونفدراليو التعليم: الحكومة والوزارة تنهجان أساليب التسويف والمماطلة في تنفيذ الالتزامات        حسنية أكادير يلجأ للمساطر القانونية ضد المدرب أمير عبدو    عاجل.. محمد وهبي يخلف وليد الركراكي على رأس المنتخب الوطني    الرباط تتصدر المدن في ارتفاع الأسعار.. ومراكش تسجل أعلى نمو في المبيعات العقارية    تركيا تبلغ إيران احتجاجها على صاروخ اتجه نحو أجوائها    بعد أسابيع من الترقب.. سد وادي المخازن يسجل نسبة ملء أقل من 100%    مقاييس الأمطار المسجلة بالمغرب خلال ال24 ساعة الماضية    فلسفة بول ريكور بين واقعية الحرب وغائية السلم، مقاربة سياسية ايتيقية        توقعات أحوال الطقس ليوم غد الخميس    القصف يؤجل تشييع خامنئي في طهران    مفاوضات الصحراء .. واشنطن تفرض على البوليساريو وقف إطلاق النار    بالإجماع.. عبد اللطيف الحبوسي كاتبا إقليميا للنقابة الوطنية لعدول المغرب    انطلاق عملية الإحصاء المتعلق بالخدمة العسكرية من 2 مارس إلى 30 أبريل 2026    بين الشعارات والواقع.. هل فشلت أوروبا في كبح العنصرية الكروية؟    نقابة عمالية تحذر من تداعيات التوترات في الشرق الأوسط على أسعار الطاقة والقدرة الشرائية        ردود ‬الفعل ‬الرافضة ‬للرأي ‬الاستشاري ‬لمجلس ‬المنافسة ‬متواصلة    الزخم ‬الدولي ‬الداعم ‬للوحدة ‬الترابية ‬للمملكة ‬يشهد ‬دفعة ‬حيوية ‬غير ‬مسبوقة:‬    الحلم الأميركي من الداخل    إشكاليات اتخاذ القرار        دار الشعر بمراكش تستقصي تدريسية النص الشعري    اللجنة الملكية للحج تحدد كلفة حج 1447 في 63 ألف درهم وتشمل الهدي لأول مرة... وإرجاع 1979 درهما للحجاج        أطباء العيون يدعون إلى إصلاحات من أجل مستقبل أفضل للرعاية البصرية في المغرب        الدار البيضاء.. افتتاح معرض جماعي تحت عنوان «لا نهاية»    القلادة التي أبكت النبي... قصة حب انتصرت على الحرب    الشريعة للآخر والحرية للأنا    أزيد من 550 جهاز قياس سكر توزَّع بمراكش في حملة تحسيسية استعداداً لرمضان    إسبانيا تبلغ الصحة العالمية بالاشتباه في انتقال متحور لإنفلونزا الخنازير بين البشر        







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



النقابة الوطنية للصحافة المغربية تنعي الزميل سعيد عاهد

ببالغ الحزن والأسى، تلقّت النقابة الوطنية للصحافة المغربية نبأ وفاة الزميل سعيد عاهد، الكاتب والصحفي الملتزم، الذي انتقل إلى جوار ربه بعد مسار مهني مشهود له بالجدية والنزاهة والالتزام بقيم الصحافة المسؤولة.
لقد اشتغل الفقيد في إعلام الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، بشقّيه العربي والفرنسي، حيث بصم حضوره المهني بكلمة رصينة وأداء منضبط، مؤمنًا بدور الصحافة في خدمة الحقيقة والدفاع عن القضايا الوطنية والإنسانية.
وعُرف الزميل الراحل، بين زملائه ورفاقه، بأخلاقه العالية، وتواضعه، واحترامه الصارم لأخلاقيات المهنة، وابتعاده عن كل ما يسيء إلى رسالة الصحافة ومكانتها الاعتبارية داخل المجتمع.
وإذ تنعى النقابة الوطنية للصحافة المغربية هذا القلم الهادئ والمسؤول، فإنها تعتبر رحيله خسارة حقيقية للأسرة الإعلامية الوطنية، وتتقدم بأحرّ التعازي وأصدق مشاعر المواساة إلى أسرته الصغيرة، وإلى زملائه ورفاقه، وكافة معارفه، سائلة الله العلي القدير أن يتغمده بواسع رحمته، ويسكنه فسيح جناته، وأن يلهم ذويه الصبر والسلوان.
« إنا لله وإنا إليه راجعون»

بيت الشعر في المغرب

بحزن كبير، ننعي في بيت الشعر في المغرب الأخ و الصديق سعيد عاهد، الشاعر والمترجم والصحفي الذي كان قريبا منا ومن أفقنا الثقافي والشعري المدني. شرفنا السنة الماضية بديوانه»Reniements جحود» ليصدر ضمن منشورات بيت الشعر في المغرب، وكان حاضرا معنا في حفل تقديمه بمدينة الرباط، علاوة على أنه ساهم، سنة قبل ذلك، في اقتراح المجموعة الشعرية «مدارج الدائرة» التي خلفها وراءه الشاعر الراحل حكيم عنكر قبل أن يختطفه منا وباء كورونا، لتصدر هي الأخرى ضمن منشوراتنا، وهو ما يعكس جانبا من خصال سعيد عاهد التي اتسمت بالنبل والوفاء والركون إلى الصمت الضاج بالحكمة.
اختار الراحل الكتابة الشعرية باللغة الفرنسية التي كان يتقن الترجمة منها وإليها، ليقدم عددا من الترجمات الأنيقة التي أغنت الخزانة الأدبية والثقافية المغربية والعربية.
باسم بيت الشعر في المغرب نتقدم بخالص العزاء وصادق المواساة إلى أسرته الصغيرة في مدينة الجديدة وإلى أصدقائه ومعارفه ومحبيه وقرائه، داعين الله تعالى أن يتغمده بواسع رحمته و مغفرته.
إنا لله و إنا إليه راجعون


الفاتن «الفتّان» سعيد عاهد ..وداعا طفلنا الذي ترك جِرْسا وطِرسا، واعتنق الصمت دليلا

حفيظة الفارسي
أضَعْناهُ وأيّ فتى أضعْنا
بقلوب مكلومة يعتصرها ألم الفقد الكبير، وتحت هول صدمة الغياب القاسي، تنعي هيئة تحرير جريدتي «الاتحاد الاشتراكي» و»ليبراسيون» وكل التقنيين والعاملين بهما، الزميل سعيد عاهد الذي غادرنا في غفلة منا، مساء أول أمس السبت 10 يناير 2025، إثر أزمة قلبية مفاجئة.
هل من وجع أكبر بعد هذا الرحيل؟ !
«بعد الرحيل الكبير، أحببناه أكثر»
ظل سعيد عاهد طيلة مقامه القصير في دنيا الناس، عابرا فينا بالصوت، مقيما بحكمة الصمت، هو «الفتان» بأسرار المحبة الذي يربي المحبة في أعشاش الصداقات الشاهقة، ولا يهمه أن تحلق بعيدا بعد أن تصير لها أجنحة وأشرعة. المهم أن يظل بنفس الحدب يحنو ويربت على قلبه الضاحك رغم الوجع. ذلك القلب الذي خانه في غفلة منا.
سعيد الطفل ذو الثامنة والستين عاما، الذي تمردت فراشاته على حدائق مدينة الزهور وحلقت أسرابا نحو عشها بمازاغان، لتستريح من وعثاء السفر الطويل، عرفته في نهاية التسعينات زميلا صموتا صمت العارفين، يمشي على هدي البصيرة.. رجل بلا عداوات، يعبئ كلماته في قارورة محكمة الإغلاق ربما لغد ما، لا يعرفه إلا هو.. كأنه يُنضج اللحظات والمواقف على مهل لتليق برجل خبر الحياة من باب السياسة الى جرح الكينونة قبل أن يوقن بكيمياء الاستحالة...أو لكأنه غير معني بكل هذا الضجيج الذي اسمه: الحياة
وحينما التحقت للاشتغال تحت إمرته، عفوا معه، أسسنا دولة سميناها الجمهورية الديمقراطية للثقافة. ولو أنني كنت أغيظه دائما بلقب السيد الرئيس. ولأننا كنا اثنين فقط، فقد كان هو الرئيس وأنا الشعب... ولأننا لم نجد أرضا، فقد رسمنا أرضا من ورق.
ولأننا «توحدنا الهشاشة»، كما قال الشاعر محمود درويش، فقد اختار عند اقتراب تقاعده، أن يُقطّر الغياب في كأس الحضور، كي لا يحس به زملاؤه ومحبوه في هيئة التحرير، فبدأ في تصريف عطله القديمة، قطرة قطرة، الى أن غاب عن 33 زنقة الأمير عبد القادر، وكنتُ لحظتها أدرك أنه يخضعنا لتمرين قاس في الغياب، حتى لأذكر أنه لم يودع أحدا ولم يوصني خيرا بالدولة. لكن الغياب هذه المرة، كان طاعنا في القسوة يا صديقي، وسيظل عصيا على جريمة «النسيان».
عزز الشاعر والمترجم والإعلامي سعيد عاهد المكتبة المغربية والعربية بأعمال مميزة شعرا وترجمة وقصة، من بينها «الجريمة والعقاب في مغرب القرن السادس عشر»، و»ذاكرة متشظية: نصوص مزدوجة اللسان مهداة إلى الخطيبي»، و»الفتان: محكيات من سيرة الروگي بوحمارة لصحافيين وكتاب غربيين معاصرين له» و»قصة حب دكالية، وترجم « التبوريدة: فن الفروسية المغربي» للطيب حذيفة، و»رسائل إلى شاب مغربي» (عمل جماعي تحت إشراف عبد الله الطايع)، و»خياطو السلطان» لألبير ساسون، و»كاتارسيس» لمحمد بهجاجي، من العربية إلى الفرنسية، إضافة كتاب الدكتورة ليجي المعنون ب «المعتقدات والطقوس الشعبية للمغاربة قبل مائة عام»، ورواية «السماء تحت أقدامنا» لكاتبتها ليلى باحساين، وكذا ترجمته لكتاب «السحر في المغرب» للكاتب إميل موشان، بالاضافة الى «طعم المربيات «طفولة يهودي في المغرب»، لبوب أوري أبيطبول، «المغرب كما رأيته: فرنسية في مغرب 1908»، للكاتبة والمترجمة والصحفية الفرنسية ماثيلد زييس.
شعرا، كتب الراحل باللغة الفرنسية،: «Un semblant de déraison»، و»Rien... ou presque»، و»Résidus d'un autoportrait». وديوانه الأخير Renements.
كل عبارات العزاء والمواساة عاجزة عن لَأْمِ جرح الغياب الكبير. جميل الصبر والسلوان لأسرته الصغيرة: صباح بلعباس، ونجليه ناظم ونوفل، وأشقائه وشقيقاته ولصهره عبد الله بلعباس ولآل بلعباس ولأصدقائه وعائلته الإعلامية، راجين من المولى عز وجل أن يسكن الفقيد فسيح جنانه وأن يمطره شآبيب رحمته وغفرانه.

شاعر يزرع الموسيقى
في القصيدة
مصطفى العراقي
وداعا صديقي،أخي سعيد عاهد..رحيلك المفاجئ هذا المساء صدمة باغتتنا كما باغتك الموت وأنت تعبر من جلسة أصدقاء الى بيتك لتسلم الروح إلى باريها..
أيها السعيد كنت وكأنك تحمل صمتك معك ولا تتكلم إلا حكمة او فكرة.. وأن العبارة لا تنطق بها إلا بعد أن تستكمل نضجها..
وداعا صديقي أخي سعيد الذي له في كل موقع بصمة ..بصمة مضيئة مشبعة بالالتزام وبالعطاء . مناضلا في الشبيبة الاتحادية..إطارا بلاميج..صحفيا بصحافة الاتحاد بلسانيها ليبراسيون والاتحاد الاشتراكي، حيث كان قلمك لا يكتب إلا بنقاء مهني …شاعرا تزرع الموسيقى في القصيدة ..مترجما تنتقي الكتاب الذي تفتقده المكتبة المغربية…
وداعا يا دائم السؤال عن الأصدقاء.



تنازل عن كل شيء ليحشد نفسه في الآخرين

سعيد منتسب
تنازل عن كل شيء ليحشد نفسه في الآخرين، ومضى بهدوء، خفيفا من كل عبء كما لو أن الأرض لم تكن سوى فكرة عابرة تحت قدميه. كان كثيرا إلى الحد الذي يجعل الواحد فينا يظنه كوكب خيال، وكان نادرا إلى الحد الذي يسلم المرء بأنه يقيم بكامل عدته وعتاده في الظلال.
هكذا عاش الشاعر والمترجم سعيد عاهد، وهكذا يغيب الآن: أثر يتشعب في الأصوات والأرواح والكتب والوجوه.
لم يكن يقيم في ذاته إلا ليغادرها، ولا يكتب عن نفسه إلا حين يتخفى في سيرة الآخرين، ناسخا ومؤلفا في آن، شاهدا ومتخفيا، أصلا وطرسا يتبادلان النخب والقناع. كان يمشي بيننا بنعال من ريح، لا يترك ضجيجا خلفه. وها هو يغادرنا ليترك تحت ضلوعنا فراغا دافئا يشبه المعنى حين يغادر مسكنه ويبقى معلقا في القلب.
هادئا إلى درجة الاشتعال الصامت، متواريا إلى حد الحضور الكثيف، كان يقضي حوائجه بالكتمان، ويخوض معاركه بالذكاء والحلم، ويعبر الخسارات كما يعبر شاعر سطرا حزينا دون أن يكسره.
لم يكن سعيد، كما عرفناه، من أولئك الذين يرفعون أصواتهم ليُروا. يخفض صوته، ويكسره بنبرته المتقطعة، وما على العالم إلا أن يصغي بكل حواسه إلى الدقة الخفيضة والجمال الهائل.
في قاعة التحرير، كان سعيدنا هو نفسه: قليل الضجيج، كثير الانتباه، يمشي بمحاذاة المعنى لا في واجهته، ويختار العتمة الخفيفة كي لا يعميه الضوء. لم يكن الإعلام عنده تمرينا أخلاقيا على الدقة، وعلى إنصاف الوقائع من المبالغة، وتطهير اللغة من بلاغة الابتذال. وبالهدوء اللازم، كان يعيد ترتيب الفوضى العامة في جمل قابلة للحياة والمعنى والنقاش. لم يطارد السبق من أجل السبق، ولم يكتب ليستعرض. ولهذا، وهو يغادر الآن، يترك وراءه أثرا هادئا يشبهه: عميقا، متواريا، وعنيدًطا في دفاعه عن كرامة الكلمة.
سعيد كان شاعرا حين تضيق العبارة، ومترجما حين يتسع المعنى، وقارئا حين يصبح العالم كتابا يستحق العناية، وطفلا كلما ضاقت به الأبواب والمرايا.
أحب سعيد، دائما، الظل أكثر من الجسد، لأن الجسد فانٍ، ولأن الظلال وحدها تعرف كيف تعيش مرتين: مرة في الضوء، ومرة في الذاكرة.
اليوم، إذ نودّعه، لا نقول إنه رحل، بل نقول إنه شاع فينا أكثر. صار في كتبه التي صارت شرفات. في ترجماته التي تحولت إلى اعتراف خفي بالقرابة بين الأرواح. في أصدقائه الذين سيكتشفون متأخرين أنهم كانوا بعضا من سيرته. وفي قرائه الذين سيعثرون عليه فجأة، بين السطور، كمن يعثر على صوته القديم في غرفة مهجورة.
رحل سعيد وقد ترك في قلب أحبابه وأصدقائه ومعارفه حزنا بليغا لا يمحى. مضى كما عاش، عفيف اليد واللسان، خفيفا على الأرض، مثقلا بأسئلته التي يحفظها عن ظهرقلب، متخففا من الأجوبة الجاهزة، موزعا نفسه، عن عمد، في أنداده الآخرين، كأنه كان يدرك أن البقاء لا يتحقق إلا بذلك الأثر في وجوه أصدقائه، وفي جمل تركها عالقة في ذاكرة القراء، وفي ابتسامة خجولة كانت تخفي قلقه العميق من أن يكون واحدا فقط، إذ كان الكثير الذي يقيم علاقات «جمالية» و»ثقافية» مع الأشباه ليعثر فيهم على صورته، وعلى ذاته التي كان يقتطعها من الأبد ليهبها للكتابة.
تلك كانت إقامته بعيدا عن الضجيج العام، قريبا من الهشاشة الخلاقة، ومن صدقه الحريف الذي لا ينضب.
برحيله لا نفقد زميلا أو كاتبا فحسب. نحن نفقد طريقة في النظر إلى العالم، وحساسية خاصة في الإصغاء إلى ما لا يقال، وشغفا عنيدا بتحويل الألم الشخصي إلى معنى مشترك. سيظل سعيد حاضرا في نصوصه الشعرية والسردية والنقدية، في ارتباك عباراته الجميل، وفي ذلك الحزن النبيل الذي كان مادته الأولى والأخيرة، كأنما كان يكتب ليؤجل الغياب، فلما جاء الغياب، ترك لنا ما يكفي من الضوء لنرى به عتمتنا.
وداعا أيها العابر بنعال من ريح.
يا من جعلت الغياب شكلا آخر من أشكال الحضور،
والموت... ترجمة أخيرة لا يتقنها إلا من عاش كثيرا في الآخرين.


سعيد عاهد: القلم الذي يحبّ الحياة
صالح لبريني
(1)
صديقي سعيد
وأنت تجمع ما تبقى لك من أنفاس الحياة، وتنظر إلى السقف المؤثث بنظراتك وتتعطر بآخر أرج اللغة الفياض مجازات واستعارات، وتترك ابتسامتك المحمّلة بإرث الترحال بين شارع وشارع في مدينة (ج) أو عاصمة الجلبة أو هناك على ربوة الوجود. رأيتك تلوّح للعابرين صوب المنافي الداخلية أو في اتجاه مصير مجهول، بيديك النابضتين بسرّ الحروف ودم القبيلة الخافق بنقصان الكريات الحمراء أو نقصان الحديد. ترفّ عيناك ببهجة تعجز ملكة الخيال رسمها واستيعابها، حينها أيقنت أنك من سلالة الرجال الذين يتخلصون من تفاهة الصراعات والحروب المعلنة والسرية والزعامات الوهمية التي تغري الألباب الصغيرة والقلوب الضيّقة المحبة. الرجال الذين ينتسبون للنور والبراري الموحشة والمسالك العسيرة التي لا يشقّ أسرارها إلا من خبروا سرائر الباطن. وأنت كنت منهم أيها القلم الذي يحبّ الحياة وينتبذ غار العزلة لا انتظار الوحي، بل لتلعن الأضواء وتسدل النوافذ التي تأتي منها تلك الرياح السموم واليحموم، لترتكن زاوية العالم وتشعل قنديل خوافقك وتوقظ حواسك وحدوسك لتتقرّى عتمات المظان والأطراس والأسفار حيث القلب يأوّل ويوقع على البياض سيرة الحياة والتاريخ والحضارة والتجارب والمحن والإحن المتناثرة هنا وهناك.
هكذا أراك ولا تراني
أراك متأبّطا حقيبتك السرية المثقلة بخفّة روحك، المحمّلة بأحلامك المأمولة والمغتالة، لا تبالي بجلبة العالم ولا تلتفت جهة اليمين أو اليسار، كنت قبيلة لوحدك تنشد قصائد من دمك الفوّار ورؤاك التي تطارد المستقبل. وتكره الإقامة الواجهة. كم كنت تنفر من صراخ المجالس وعويل الألسنة. لذا تنسل خفية إلى مقامك الدكالي هناك حيث الأولياء ينصبون الفخاخ للغريرين، وأسوار الحي البرتغالي تحرس المدينة من لصوص الوطن، والناس يجوبون الشوارع في عتمة النهار. لتقيم أعراسك البهية في باحة الكتب باحثا ومترجما، شاعرا يرعى استعاراته ويشذّب اللغة من شوائب البيان ناحتا لغتك التي تشبهك.
( وها أنت ياصديقي
تعدو بظلك تتبعك نوارس البحار
تظللك غيوم النهار القادمة من رحم المحيطات
تحمل ما تبقى لك من وهج المدينة
وتتخفّف من ثلج المرحلة…)
(2)
صديقي سعيد
عندما صافحتك أوّل مرّة في أحد معارض الكتاب وأنت محاط بتلة من خلانك في الخيال، أحسست كم كنتَ نبيلاً وإنسانا مفرطا في تواضعك، وحين سألتك: هل عرفتني؟ ودون تلكؤ في اللسان الذي سال بجواب أشفى الغليل أالله أسي صالح نعم المعرفة. فعانقتني وقلت لي: أيها الصالح اكتب ولا تهتم بما يقال ومن يقول. لحظتها شرقت عيناي بفرح لا يوصف، ولذت بالصمت. حينها أدركتُ كم أنت شهم يا ابن دكالة المكان المشع بالرجال الأقحاح والأشاوس. منذ ذاك الحين وأنا أحملك في القلب والذاكرة. وأقرأ لك ما تخطه يداك ويمخضه عقلك من أفكار وتصورات تجعل الجسد يتخلص من أدرانه الممجوجة ويسمو إلى عوالم الطهر والنقاء. لم أجالسك كثيرا ولكني صاحبتُ مقالاتك وترجماتك المتفرقة في التاريخ والسرد والشعر.

الانتصار الهادئ للثقافة والمعرفة
أحمد_بيضي
في خبر مفجع نزل علينا كالصاعقة وعلى الأسرة الإعلامية والثقافية بالمغرب، مساء اليوم السبت 10 يناير 2026، ودعنا الصديق والأخ الصحافي والشاعر والمترجم سعيد عاهد، الذي وافته المنية بعد مسار مهني وإبداعي حافل، ولم يكن رحيله سهل التصديق، فالفقد كبير، والوجع مضاعف حين يتعلق الأمر باسم ارتبط بالوفاء للكلمة، وبالإخلاص لمهنة المتاعب، وبالانتصار الهادئ للثقافة والمعرفة.
عرفته منذ عقود، جمعتنا صداقة قوية بعد مهنة الصحافة والعمل الثقافي بين جريدتي «ليبيراسيون» و»الاتحاد الاشتراكي»، وداخل فضاءات الملحق الثقافي حيث كانت الكلمة مسؤولة، والنقاش عميقا، والرهان دائما على الارتقاء بالوعي والذائقة.
منذ أن عانق سعيد عاهد مهنة المتاعب سنة 1990، ظل وفيا لها إلى حين إحالته على التقاعد، دون أن يتقاعد قلبه عن الكتابة، ولا قلمه عن البحث والتوثيق والترجمة.
إلى جانب عمله الصحافي، كان الراحل عضوا في هيئة تحرير مجلة "الرائد" وأسبوعية "النشرة"، ثم مجلة "آفاق" و"الثقافة الأخرى"، مسهما في ترسيخ تقليد ثقافي نقدي رصين، ومؤمنا بدور الصحافة الثقافية في مساءلة الواقع والانتصار للمعرفة.
كان سعيد عاهد صديقا للمبدعين المغاربة، خلوقا، طيب المعشر، متواضعا، رحل وبجانبه قلمه ومؤلفاته، شاهدة على مسار متشعب جمع بين الصحافة، والبحث، والشعر، والترجمة، وكتابة الذاكرة.
من بين أعماله البارزة إنجازه لمحكيات اليهودي المغربي بول أوري أبيطبول في كتاب «طعم المربيات (طفولة يهودي في المغرب)»، بما يحمله من عمق إنساني ووفاء لذاكرة التعدد الثقافي المغربي.
كما أنجز ترجمة كتاب «المغرب كما رأيته: فرنسية في مغرب 1908»، وهو ترجمة لكتاب «فرنسية في المغرب» للكاتبة والمترجمة والصحفية الفرنسية ماثيلد زييس، مسهما بذلك في إعادة قراءة صورة المغرب في الكتابات الأجنبية المبكرة.
أما على مستوى التأليف باللغة العربية، فقد راكم الراحل أعمالا وازنة، من بينها «الجريمة والعقاب في مغرب القرن السادس عشر»، و»ذاكرة متشظية: نصوص مزدوجة اللسان مهداة إلى الخطيبي»، و»الفتان: محكيات من سيرة الروگي بوحمارة لصحافيين وكتاب غربيين معاصرين له» و»قصة حب دكالية».
وباللغة الفرنسية، صدر له ثلاثة دواوين شعرية هي: «Un semblant de déraison»، و»Rien... ou presque»، و»Résidus d'un autoportrait».
وعلى مستوى الترجمة، راكم سعيد عاهد أعمالا تعكس انشغاله العميق بالذاكرة المغربية وبأسئلة الثقافة والتاريخ، من بينها ترجمة «التبوريدة: فن الفروسية المغربي» للطيب حذيفة، و»رسائل إلى شاب مغربي» (عمل جماعي تحت إشراف عبد الله الطايع)، و»خياطو السلطان» لألبير ساسون، و»كاتارسيس» لمحمد بهجاجي، من العربية إلى الفرنسية، إضافة إلى ترجمة كتاب الدكتورة ليجي المعنون ب «المعتقدات والطقوس الشعبية للمغاربة قبل مائة عام»، الصادر سنة 1926 والمعاد طبعه سنة 2009، فضلا عن ترجمته لرواية «السماء تحت أقدامنا» لكاتبتها ليلى باحساين، وكذا ترجمته لكتاب «السحر في المغرب» للكاتب إميل موشان.
وفات للراحل أن أشرف على إنجاز مؤلف خاص بالفقيد عبد الحكيم عنكر، تحت عنوان «ورود بيضاء على جناحي طائر دكالة»، في لفتة وفاء إنساني وثقافي نادرة.
برحيل سعيد عاهد، يخسر الإعلام المغربي أحد أبنائه الأوفياء، وتفقد الثقافة المغربية قلما اشتغل بصمت، وراكم أثرا، وترك ذاكرة مكتوبة ستظل شاهدة على زمن، وعلى رجل آمن بأن الكلمة مسؤولية، وبأن الترجمة جسر، وبأن الإبداع شكل من أشكال مقاومة النسيان.
رحم الله صديقنا العزيز الفقيد سعيد عاهد وأسكنه فسيح جناته، وإنا لله وإنا إليه راجعون.



حفار أنثروبولوجي في طبقات النصوص
مصطفى غلمان
فُجِعتُ اليوم برحيل صديقٍ كبير، من أولئك الذين لا يُعوَّضون لأنهم لا يتكرّرون. رحل قبل أن يمنحني الزمن فسحةً لإعادة قراءة ما كان يقترحه عليّ من متونٍ مترجمة وأخرى أصلية، وكأن المعرفة نفسها قرّرت أن تختبر هشاشتنا أمام الفقد. آخر ما وصلني منه كان ترجمته الجديدة، التي أهداني إيّاها بمحبة صامتة، بعنوان "أواصر نصية: الكتاب ومترجموهم" لغيوم باجو. كتابٌ بدا، بعد الرحيل، أشبه برسالة وداع غير معلنة، أو أثرٍ أخير تركه في مسار حواراتنا المؤجلة.
لم يكن سعيد عاهد مجرد كاتب أو مترجم أو إعلامي، ولا مجرد صديق وفيّ بمعناه العاطفي المباشر، بل كان حفّارًا أنثروبولوجيًا في طبقات النصوص الأكثر بهاءً وخطورة في آن. كان ينزل إلى عمق السرديات التاريخية المغربية المعاصرة، لا ليستخرج الوقائع، بل ليكشف عن أنساقها الخفية، عن تشكّلاتها السوسيولوجية وارتداداتها الثقافية، وعن تلك المنطقة الرمادية التي يتقاطع فيها التاريخ بالذاكرة، والمعرفة بالسلطة.
في حضرته، كان النص يستعيد تواضعه الأول، ويغدو فعلُ القراءة تمرينًا أخلاقيًا قبل أن يكون اشتغالًا ذهنيًا. اللقاءات الثقافية والفكرية التي جمعتني به، طيلة سنوات اشتغاله في الصحافة والمتابعة الثقافية، لم تكن مجرد مناسبات للنقاش، بل لحظات كشف بطيئة، تعرّفتُ فيها على معدن رجل نادر: ذهبٌ لا يلمع، ومعرفة لا تتعالى، وتواضع إنساني يكاد يكون فضيلة منقرضة في زمن الاستعراض.
برحيله، لا نفقد شخصًا فحسب، بل نخسر طبقة كاملة من الصمت العارف، ومن الحفر الهادئ في معنى الأشياء. يموت الأصدقاء الكبار هكذا: يتركون فينا فراغًا لا يصرخ، لكنه يتّسع، ويعلّمنا أن بعض الغياب أشد حضورًا من أي وجود.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.