شوكي: "مسار المستقبل" لحظة سياسية تعكس نضج التجمع الوطني للأحرار    حزب الله: قصف إسرائيل عمل دفاعي    إدانة طبيب مغتصب بالسجن 20 سنة    مقتل 6 جنود أمريكيين منذ بدء الحرب على إيران    إمارة المؤمنين وولاية الفقيه، الحصانة التي منعت إختراق الوجدان المغربي.    أمن عين السبع ينهي نشاط مروج "البوفا" و"الشيرا" بمقبرة الحي المحمدي        إثر تراشق بالحجارة بالبيضاء.. ضبط 42 مهاجرا غير شرعي من جنسيات مختلفة ومباشرة إجراءات ترحيلهم        1348 مليار درهم.. ودائع الأسر والمقاولات بالأبناك ترتفع بنسبة 8,6%    منخفض جوي قوي يربك طقس المغرب خلال 72 ساعة    من جنيف.. 40 دولة تجدد تأكيد دعمها لمبادرة الحكم الذاتي للصحراء تحت السيادة المغربية    أمن الدار البيضاء يوقف مهاجرا سودانيا للاشتباه في تورطه في أعمال عنف وشغب    توقيف أجنبي في وضعية غير قانونية بعد أعمال عنف وتخريب بالدار البيضاء        خديجة أمّي    شرطة تطوان تحقق في عمليات نصب رقمي تستهدف زبناء الأبناك    أداء سلبي لتداولات بورصة البيضاء    نشرة إنذارية.. تساقطات ثلجية وزخات رعدية ورياح عاصفية قوية وطقس بارد من الاثنين إلى الخميس    مواطنون يحتجون على غلاء اسعار السمك نواحي اقليم الحسيمة            الحزب الاشتراكي الموحد يدين العدوان الصهيو-أمريكي على الشعب الإيراني        أسعار الغاز في أوروبا ترتفع بأكثر من 50 في المائة بعد وقف قطر إنتاج الغاز الطبيعي المسال    الموقف السياسي من النظام الإيراني بين المعقولية والعقلانية    دفاعات الإمارات تعترض صواريخ ودرونات        الجامعة الملكية لكرة القدم تتضامن مع عمر الهلالي بعد حادثة عنصرية أمام إلتشي    الباحث عبد الحميد بريري يصدر كتاب"لالة منانة المصباحية دفينة العرائش: مقاربة تاريخية"    الدورة الأولى لإقامة كتابة سيناريوهات الأفلام الروائية وأفلام سينما التحريك القصيرة شهري مارس وأبريل    أمن الرباط يجهض عملية للتهريب الدولي لشحنة من مخدر الشيرا    حين تكلّم الصمت    حين يؤرخ الشعر للتاريخ: الريف بين الاستعمار والقصيدة .. قراءة في كتاب « شعر أهل الريف على عهد الحماية» للباحث عمر القاضي    الدار البيضاء.. افتتاح معرض جماعي تحت عنوان «لا نهاية»    جنيف.. المغرب يعلن دعما ماليا ولقاء أمميا حول الوقاية من التعذيب    "إلتراس إيمازيغن" يرفع تيفو تخليدًا لذكرى مؤسس "الحسنية" وأحد رموز المقاومة في أكادير        إضراب 3 و4 مارس يشلّ الجامعات... "التعليم العالي" يدخل جولة شدّ الحبل حول قانون 59.24    القلادة التي أبكت النبي... قصة حب انتصرت على الحرب    ليفاندوفسكي يغيب أمام أتلتيكو مدريد في نصف نهائي كأس ملك إسبانيا    تحذيرات من ارتفاع أسعار السردين بعد قرار إغلاق منطقة الصيد جنوب المغرب        منير الحدادي يتمكن من مغادرة إيران    مخاوف اضطراب الإمدادات ترفع أسعار الغاز الأوروبي بنسبة 25% مع تصاعد التوتر في الشرق الأوسط    المغرب ‬يعزز ‬جاذبيته ‬المنجمية ‬ويصعد ‬إلى ‬المرتبة ‬15 ‬عالميا ‬    إعفاء مدير ثانوية بتارودانت يثير احتجاجات نقابية ودعوات للتحقيق    الكويت تعلن سقوط طائرات حربية أمريكية ونجاة أطقمها وفتح تحقيق في ملابسات الحادث    هل ‬تذعن ‬الجزائر ‬للإرادة ‬الأمريكية ‬و ‬تنخرط ‬دون ‬هواجس ‬أو ‬مناورات ‬في ‬خطة ‬التسوية ‬على ‬قاعدة ‬خطة ‬الحكم ‬الذاتي؟ ‬    الشريعة للآخر والحرية للأنا    قراءة في كتاب شبار    أزيد من 550 جهاز قياس سكر توزَّع بمراكش في حملة تحسيسية استعداداً لرمضان    عمرو خالد: سورة التوبة في القرآن تفتح للمؤمن أبواب العودة إلى الرحمان    إسبانيا تبلغ الصحة العالمية بالاشتباه في انتقال متحور لإنفلونزا الخنازير بين البشر        نور لا يطفأ    المرتبة الأولى عالميا.. المغرب يسجل أفضل أداء في مؤشر يربط نمط العيش والبيئة بقوة المناعة    جهة درعة تافيلالت تكافح الليشمانيا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



نظرات في التصوف مخايلات الدنيا والآخرة (10)

يعود الفضل في تقديم أجمل تأويل لإشكال العلاقة بين الحلم والتّضحية في الإسلام إلى المتصوّف الأندلسيّ ابن عربيّ (القرن الثّاني عشر). فقد أدرج هذا الإشكال في إطار نظريّته عن "حضرة الخيال".
انطلق ابن عربيّ من جواب الابن : "يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ" ليُخضع مسألة التّضحية بأكملها إلى رهان تأويل الحلم، فهو يقول : "والولد عين أبيه. فما رأى [الوالد] يذبح سوى نفسه."وفداه بذبح عظيم"فظهر بصورة كبش من ظهر بصورة إنسان. وظهر بصورة ولد، بل بحكم ولد من هو عين الوالد." وهكذا، فإنّ موضوع الحرمان الذي يخضع إليه الأب من حيث ماهيّته، وعن طريق الابن، هو الطّفل. ولا شكّ أنّ هذا التّأويل الذي قدّمه ابن عربيّ يندرج في إطار تقليد عريق في التّصوّف يقوم على اعتبار "التّضحية الكبرى" تضحية بالنّفس. والنّفس هي la psyché، وهي الجزء الحيوانيّ الفاني من الرّوح، وهي التي تظهر في صورة الحمل الوديع المقدّم قربانا، وعلى هذا النّحو يسلم الغنوصيّ نفسه إلى الفناء في الإلهيّ.
إلاّ أنّ طرافة ابن عربيّ تكمن في النّظريّة التي قدّمها في "الفصّ" المتعلّق بإسحاق. فهي من أرقى وألطف النّظريّات المؤوّلة للحلم المتعلّق بما يعتمل في الأب من شوق إلى قتل الطّفل، وللمرور من الفعل الخياليّ إلى الواقع :
لحظة الانتباه، لحظة فارقة في التجربة الصوفية، بين استلاب الغفلة الدنيوية للذات التي لم تكن تعي عمق غفلتها وغياب وعيها، من جانب، واليقظة الذاتية للمرء حين يواجه مأزقه الوجودي، وشقائه المعرفي، ويدرك مدى عمق اغترابه المؤسي عن ذاته الحقة، ووجوده الأصيل من جانب آخر. بعبارة أخرى، يمكننا القول إن لحظة الانتباه، هي لحظة مواجهة مصيرية، إذ يستفيق الوعي، وينقسم على ذاته، محاورا نفسه، في لحظة تقييم قاسية لمجمل حياته، ما كان منها، وما هو كائن، وما سوف يكون أو ينبغي أن يكون. وبالطبع، فإن هذا لا يحدث فجأة وبصورة مباغتة، وعبر هاتف سماوي، فيما تصوره لنا الرواية، بل لعله وعي يمور بهواجسه واضطراباته وقلقه منذ زمن بعيد، وتجسد هذه اللحظة الفريدة، بلوغ هذا الوعي ذروته، ووصوله إلى اللحظة الحاسمة التي ينبغي أن تحدث فيها المواجهة الحتمية القاسية، ويحدث التحول العنيف من النقيض إلي النقيض في أغلب الأحيان.
ترى هل كان هاتف الشيخ، ظلا انبثق من داخله ليتجسد صوتا ينبهه، ويذكره بمدى العبث الذي يمارسه في حياة دنيوية تافهة ووهمية وزائلة. يا إبراهيم ليس لهذا خلقت، ولا بهذا أمرت. ولعلنا نلاحظ هذا الجمع بين الأمرين، أمر التكوين (الخلق، حيث قال الحق للكائنات كن فيكون) وأمر التشريع، أو التكليف الديني. ولعل هذا ما جعل إبراهيم يرى الصوت نذيرا من رب العالمين، وليس بشيرا، وجعله يقسم أن لا يعصي الله بعد يومه هذا، إذا ما عصمه ربه.
ذات تستحي من إعلان حضورها وفاعليتها وتخشى أن تتبدى وكأنها اختارت هذا الطريق، وتخلت عن الدنيا بإرادتها ووعيها الحر، إنما الأمر كله رهين التنبيه الإلهي، ولن يكتمل ويتحقق بصفائه التام إلا في ظل العصمة الإلهية، أو الحفظ الإلهي لوليه المختار من الزلل والانتكاس والسقوط الدنيوي مرة أخرى. الله يختار أولياءه وينبههم ويحميهم. مثلما يصطفي أنبيائه ورسله ويعدهم لتأدية رسالاته وهداية البشر ونشر شرائعه الإلهية.
تحرر الشيخ من خيلاء الدنيا وملكها، ليسقط في خيلاء القداسة والولاية الإلهية المختارة. وها هو في رواية لافتة يحكي أنه التقى في البادية بالنبي الملك داود، وعلمه "اسم الله الأعظم" ثم غاب عنه، وتركه وحده، وبينما هو ذات يوم مستوحش من الوحدة، دعا الله تعالى بهذا الاسم الأعظم، فإذا بشخص آخذ بحجزته، وقال: سل تعطه، فراعني قوله، فقال: لا روع عليك... أنا أخوك الخضر.. إن أخي داود علمك اسم الله الأعظم... فلا تدع به على أحد" (أبو عبد الرحمن السلمي : طبقات الصوفية، ص 30،31).
أي سطوة وأي خيلاء، بل أي ملك وسلطة توازي هذه السلطة القداسية المستمدة من اسم الله الأعظم، الاسم السري الذي لا يعرفه أحد إلا أصحاب الهمم، لأن من عرفه قدر على الخوارق والمعجزات، وقد رويت حكايات كثيرة عن كرامات الشيخ الأدهمي في هذا الصدد. يرتحل الشيخ من غربة لأخرى لا يهدأ بحثا عن الحلال الصافي المحض، وبالطبع لن يجده في العراق، ففيها مستقر طغاة بني العباس، وتاريخها الدموي لا يخفى على أحد. ولكن لماذا قال المشايخ أن طرسوس هي موطن الحلال الصافي، وهل لهذا علاقة بكونها ثغرا على البحر، ونحن نعرف أن الكثير من العباد والزهاد الأوائل كان يرابطون في الثغور البحرية بغية الجهاد والاستشهاد، وقد رويت العديد من الحكايات عن جهاد الشيخ في سبيل حماية حدود أمة الإسلام؟!
أيا كان الأمر، فقد حدث في طرسوس، ما يثير الانتباه والحيرة في آن، كان الشيخ يرعى بستانا لأحد الرجال، ويرويه فلما طلب منه أن يأتي ببعض من فاكهة البستان اليانعة، وخاصة الرمان، وفعل ما طُلب منه، وجد الطالبون الثمار حامضة، وحين سُئل، كيف لا يعرف هذا، وهو يرعى البستان من زمن، ويأكل من ثماره اليانعة قال: أنه لم يأكل منها شيئا، وكانت هذه علامته التي عُرف بها، وشُهر عبرها أمره، وأتاه الناس، ففر هاربا منهم.
ترى هل كان هذا البستان رمزا مومئا لهذه الدنيا، الجنة الزائفة بفاكهتها وثمارها حسنة المنظر، خبيثة المخبر، الفاسدة الحامضة، لهذا امتنع الشيخ عن أكلها لأنه يعرفها حقيقتها المرة؟! إن الشيخ يعمل عمل الدنيا سعيا لرزق الآخرة، ولا يستلبه هذا الرزق الدنيوي الفاسد. لم يكن الحلال الصافي هو ما يزرع الشيخ ويحصد من ثمار في بستان طرسوس، لكنه كان لحظة الإفاقة الثانية حيث الفرار من شاهق إلي شاهق بدينه، وكأنه موسوس. أو بعبارة أخرى لعل الشيخ انتبه إلى خطر أكبر، وغواية أعظم، وسلطة أشد هيمنة علي القلوب والأرواح، وهي سلطة المبارك المقدس، وخيلاء الذات الصوفية التي تستمد حضورها وقوتها وسطوتها مباشرة من الحق أو الاختيار الإلهي، ومن ثم، فربما كان الشيخ يسعى جهدا للفرار من هذه الوضعية المقدسة، مصارعا غواية الخيلاء القداسي داخله، آخذا بحجزه ذاته، ومحذرا إياها من السقوط في فخ البهاء الإلهي، والتباهي بسطوة الاسم الأعظم!!


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.