تطوان تدخل شبكة العواصم الأوروبية    الأمم المتحدة تدين "الفصل العنصري" الإسرائيلي و"خنق" حقوق الفلسطينيين في الضفة الغربية    ٪7 في المائة من الأميركيين قلقون من تورط واشنطن في فنزويلا        مقاييس الثلوج والأمطار في المغرب    مهرجان "حلالة العربي".. صرخة إبداع في وجه الفقر الثقافي    رمضان بلا "سيتكومات".. التلفزة المغربية تطوي صفحة كوميديا الانتقادات    عاصفة ثلجية تضرب أوروبا الغربية وتشُلّ الطيران والقطارات    المغرب يحظر تصدير السردين المجمد اعتبارا من فبراير    نادي الوداد يتعاقد مع الفرنسي وسام بن يدر    "كاف": دياز يقود سباق هدافي "الكان"    كيف تحوّل طنجة المتوسط إلى أحد عمالقة الموانئ الدولية؟    وجدة تكتسي بالبياض .. عوامل جوية استثنائية وراء تساقطات ثلجية نادرة    أكبر جمعية حقوقية بالمغرب تطالب بالسحب الفوري لمشروع قانون المحاماة وإعادته لطاولة الحوار    بورصة الدار البيضاء تستهل تداولاتها بأداء إيجابي    هيئات تطالب الداخلية والثقافة بالتحقيق في أبحاث أثرية سرية غير مرخصة جنوب المغرب    الشبيبة الديمقراطية الوطنية تدعو إلى الابتعاد عن التوظيف الانتخابي لإمكانيات الدولة وتعزيز مشاركة الشباب في الاستحقاقات المقبلة    "حماية المستهلك" يحذر من "عمليات احتيال" بسبب التشابه البصري بين ورقتين نقديتين    حادثة سير تنهي حياة شخص بإقليم الجديدة    النفط يتراجع بعد إعلان ترامب أن فنزويلا ستصدر الخام إلى أمريكا    مدرب كوت ديفوار: الانضباط الدفاعي والفاعلية الهجومية صنعت الفارق    مدرب بوركينافاسو: "لم نكن في المستوى أمام كوت ديفوار"    50 مليون برميل نفط فنزويلي لأمريكا    كيوسك الأربعاء | جامعة المقاهي ضد الزيادة في أسعار المشروبات والمأكولات    بحضور الوزير السعدي..افتتاح معرض «الالتقاء» بالمتحف الوطني للحلي بالرباط.    توقعات أحوال الطقس اليوم الأربعاء    أوسيمين باق مع فريقه في المغرب بعد خلافه مع لقمان    الثلوج تلغي 140 رحلة جوية في باريس    مادورو وزوجته أصيبا أثناء محاولة اعتقالهما من قبل القوات الأمريكية    أجواء باردة في توقعات اليوم الأربعاء بالمغرب    تعيين نائبة رئيس الوزراء الكندي السابق مستشارة اقتصادية للرئيس الأوكراني    جهود بطولية لشباب المنطقة تُنهي ساعات من القلق بالعثور على شاب مفقود بجبل تلاسمطان بإقليم شفشاون    عرض إنجليزي ضخم يضع مستقبل إبراهيم دياز مع ريال مدريد على المحك    بالتزامن مع فعاليات "الكان" .. المغرب يحتفي بالصناعة التقليدية والقفطان    وفد من "FBI" بملعب مولاي الحسن    أعيدوا ‬لنا ‬أعداءنا ‬القدامى ‬أو ‬امنحونا ‬آخرين ‬جددا ‬حتى ‬يظل ‬‮..‬ ‬وطني ‬دوما ‬على ‬خطأ‮!‬ 2/1    نشرة إنذارية: تساقطات ثلجية وموجة برد وهبات رياح من الثلاثاء إلى الخميس    الصحافة في ميزان الدستور حين تُصبح المحكمة الدستورية خطَّ الدفاع الأخير عن حرية الصحافة    مع من تقف هذه الحكومة؟    تطوان بين «فرصة الكان» وتعثر المشاريع المهيكلة: حين يُهدر الزمن وتغيب الجرأة    27 قتيلا على الأقل في قمع الاحتجاجات في إيران    لوحات المليحي والشعيبية في أبوظبي    المخرج والكاتب قاسم حول يكشف: كيف أُنقذت ذاكرة العراق السينمائية من تحت الأنقاض؟    الإضراب الوطني للمحامين يشل المحاكم المغربية احتجاجاً على مشروع قانون المهنة    نستله تسحب حليب أطفال من أسواق أوروبية بعد رصد خلل في الجودة    الجزء الثالث من "أفاتار" يتجاوز عتبة المليار دولار في شباك التذاكر    دراسة علمية تبرز قدرة الدماغ على التنسيق بين المعلومات السريعة والبطيئة    بريطانيا تحظر إعلانات الأطعمة غير الصحية نهاراً لمكافحة سمنة الأطفال        الأطعمة فائقة المعالجة تزيد خطر الإصابة بسرطان الرئة    دراسة: أدوية خفض الكوليسترول تقلّل خطر الإصابة بسرطان القولون    الحق في المعلومة حق في القدسية!    جائزة الملك فيصل بالتعاون مع الرابطة المحمدية للعلماء تنظمان محاضرة علمية بعنوان: "أعلام الفقه المالكي والذاكرة المكانية من خلال علم الأطالس"    رهبة الكون تسحق غرور البشر    بلاغ بحمّى الكلام    فجيج في عيون وثائقها    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



«دليل المسرح المغربي، نصف قرن من الإبداع المسرحي بالمغرب « (*):
نشر في الاتحاد الاشتراكي يوم 16 - 05 - 2014

من طبيعة المسرح أن يعيش بيننا بذاكرة ناقصة، بالنظر إلى وجوده العابر الذي يجعلنا غير قادرين على أن نشاهد العرض الواحد مرتين .ولذلك يرى المسرحيون دائما «أن ما يهدد المسرح هو المسرح ذاته»، ولذلك أيضا نتساءل بأسى عما تبقى لنا، ويتبقى من منجزنا على الخشبات غير الصور والذكريات التي تتعرض هي الأخرى للتلاشي بتأثير استرسال الزمن؟
من هنا أهمية هذا الدليل الذي يأتي إسهاما من المؤلف في إنقاذ هذه الذاكرة وإنعاشها من جديد، ولو من زاوية المكتوب والمصور. لقد كان إنجاز مثل هذا الدليل من المطالب الحيوية للحركة المسرحية، ولذلك يعتبر إصداره فعلا تأسيسيا غير مسبوق، خاصة أن الأستاذ أحمد مسعية له كل المؤهلات للتصدي لهذه المهمة. فهو رجل البحث الأكاديمي، عاشق للفن ومواكب عميق لتطورات الحقل الثقافي، وذلك من المواقع المتعددة التي سبق أن شغلها، سواء كمدير للمعهد العالي للفن المسرحي (1993-2004)، أو كعضو في لجن دعم المسرح، وفي عدد من لجن التحكيم والمنتديات المسرحية المغربية والدولية، إضافة إلى تمتعه بشرط موضوعي يقيمه على مسافة نقدية مع الإبداع لأنه غير «متورط» بالانتساب الذاتي لهذه الفرقة أو تلك.
هذه المسافة هي التي جعلت المعيار التقني الصرف يتحكم في منهجية التجميع والتبويب ضمن مقاربة تاريخية للمنجز المسرحي، بدءا من صورته الأولى في فجر الاستقلال (1956) إلى تاريخ إنهاء البحث والتجميع (2010)، وذلك وفق خطية موثقة بالإشارات المتعلقة بأسماء المسرحيات وأعضاء الفرق ومهامهم التقنية، وبالملصقات والصور على الخشبات.
إن هذا الاختيار المنهجي يحفظ الدليل من السقوط في بعض القضايا الخلافية من قبيل التمييز بين الهواية والاحتراف. ذلك أن الخوض في مثل هذه القضايا قد يوقع كل مشروع من هذا النوع في الارتباك المنهجي، بالنظر إلى أن مسار تكون المسرح المغربي جعل هذا التمييز مشوشا، وغير ممكن في كل المنعطفات التي عبرتها حركتنا المسرحية، على اعتبار أن فعل التأسيس للمسرح المغربي لم يحسم في إمكانية ذلك على مستوى النصوص القانونية، وعلى مستوى البنيات والهياكل.
وعيا بحساسية هذا الإشكال المنهجي، حسم أحمد مسعية في الأمر باختيار واضح: النظر إلى هذه التجارب باعتبار انخراطها في مشروع إثراء الممارسة، وباعتبارها أعمالا فنية من حيث مستواها التقني والأدبي، ولنفس الاعتبار جمع في الدليل كل التجارب بمختلف حساسياتها بدون أن يميز بين ما ينتمي إلى مسرح البحث والتجريب، وما ينتمي إلى مسرح الجمهور الواسع.
ومع ذلك فهذا الاختيار يطرح السؤال حول ما إذا كان المؤلف قد تمكن فعلا من تجميع كل العروض المسرحية التي شهدتها الخشبات المغربية. هنا يصعب الرد بالإيجاب بالنظر إلى شساعة الحيز الزمني المغطى في الدليل، وإلى اعتماد المؤلف على الاتصالات الشخصية في غياب إمكانية التوثيق المؤسساتي. وباستحضار هذا المعطى نتوقع أن يحول العائق الموضوعي عن استحضار كل التجارب والأسماء التي ساهمت في تشكيل المشهد الوطني.
على مستوى ثان، يقسم المؤلف الذخيرة المتوفرة لديه إلى ثلاث مراحل:
- من سنة 1956 إلى سنة 1970 ، حيث تمت الإشارة إلى تأسيس 28 فرقة مسرحية.
- من سنة 1970 إلى سنة 1990 ، حيث تمت الإشارة إلى تأسيس 28 فرقة مسرحية.
- من سنة 1990 إلى سنة 2010 ، حيث تمت الإشارة إلى تأسيس 54 فرقة مسرحية.
ومع ذلك ينبغي قراءة هذه الأرقام في بعدها الدينامي، بما يفيد في تقديم فكرة عن بعض مناحي الإبداع المسرحي ببلادنا من حيث المردودية الإنتاجية، أو التوزع الجهوي، أو التنوع اللغوي:
-نصف قرن من الإبداع المسرحي عرف، حسب الدليل، تأسيس 109 فرقة، توقف منها ربع العدد تقريبا لأسباب ذاتية مرتبطة أساسا بظروف العمل وبمسارات الأفراد، باستثناء فرقتي المعمورة والقناع الصغير اللتين توقفتا بقرار إداري من الجهة الوصية ( وزارة الشبيبة والرياضة بالنسبة إلى الأولى، ووزارة الشؤون الثقافية والتعليم الأصيل بالنسبة إلى الثانية)، فيما استمر عمل باقي الفرق بإيقاعات متواصلة أحيانا، ومتقطعة أحيانا أخرى.
أما بخصوص إيقاع التأسيس القانوني للفرق فيتبين أنه ظل يتحرك، على امتداد نصف قرن بمعدل يترواح بين تأسيس فرقة إلى ثلاث أو أربع في السنة، باستثناء سنة 1956 التي عرفت تأسيس تسع فرق: اثنتان في الدار البيضاء (البشير العلج والعروبة)، وفي فاس (اللواء وهواة المسرح الوطني)، فرقة واحدة في كل من الرباط (التمثيل المغربي)، ومراكش (نادي كوميديا)، وتطوان (المسرح الأدبي)، ومكناس (العمل المسرحي )، وطنجة (المسرح القومي).
ويعود سبب ارتفاع المعدل إلى طبيعة المرحلة التي تميزت باحتداد الحماس الوطني إثر حصول المغرب على الاستقلال. وتصاعد إيقاع التأسيس خلال سنوات 1997 و1998 و2000 ارتباطا بالأمل الذي فجره إقرار وزارة الثقافة لنظام دعم الإنتاج والترويج بدءا من سنة 1998، وإطلاق تجربة الفرق الجهوية في ثماني جهات: الدار البيضاء الكبرى، مكناس تافيلالت، عبدة دكالة، مراكش تانسيفت الحوز، الرباط سلا زمور زعير، طنجة تطوان (سنة 2000)، وادي الذهب الكويرة (سنة 2001) وسوس ماسة درعة (سنة 2003).
قرءة «الدليل» تؤشر أيضا على وجود مشكل تواجد الفرق على الصعيد الجهوي، بحيث تتأكد سيادة المركز ممثلا في المدن الكبرى التي ظلت، تاريخيا، تحتضن وحدها العمل المسرحي مثل الدار البيضاء، الرباط، فاس، مكناس، تطوان، مراكش...
أما على مستوى أشكال التعبيرات اللغوية، ف «الدليل» يؤكد تنامي التنوع والتعدد بتفاعل مع تطورات الشرط السوسيو ثقافي بدءا من سنة 1956 إلى اليوم. ذلك أن العقد الأول من تاريخ المغرب المستقل (1956 1966) قد عرفت تقديم مسرحيات أغلبها بالدارجة المغربية، تليها اللغة العربية الفصحى، إضافة إلى ثلاث مسرحيات باللغة الفرنسية، وواحدة إيمائية.
أما العقد الأخير (2000 2010) فقد عرف تقديم أغلبية المسرحيات بالدارجة ثم الفصحى، إضافة إلى عشر مسرحيات بالأمازيغية، وعشر مسرحيات بالحسانية، فيما تم تقديم خمس بالدارجة والفرنسية، أو بالدارجة والأمازيغية.
لقد أثرى أحمد مسعية البيبليوغرافيا المغربية بكتاب يهيىء السبل لدراسات لاحقة قد تختار مسارات التصنيف بمعايير موضوعاتية أو فنية أو نقدية أو غيرها، وبذلك ينتمي الدليل إلى عمل المؤسسات في غياب فعلي لمراكز البحث والتوثيق على الصعيد الوطني، وعلى صعيد الفرق المسرحية ذاتها. ولأنه أعطى لكتابه هذا الطابع المؤسسي فسيكون من الضروري أن يتحين هذا الكتاب، من حين لآخر، لتملأ البياضات التي تتصل بغياب بعض التجارب والأسماء. وبدون شك فإن التداول بشكل واسع سيساعد المؤلف على إمكانية الاستدراك حتى يظل الدليل مواكبا للإبداع المسرحي بالشكل الذي يوثق للذاكرة في الماضي وفي الامتداد.
الذاكرة ليست فقط الزمن والأمكنة والأشخاص والصور ، بل أيضا تلك الروح التي تحلق في سماء مسرحنا على الدوام. وهذا الدليل خطوة أولى لاستعادة هذه الذاكرة، ولترميمها في مواجهة النسيان.
---
(*) أحمد مسعية: «دليل المسرح المغربي، نصف قرن من الإبداع المسرحي بالمغرب» (550 صفحة)، منشورات وزارة الثقافة، مطبعة المناهل، الرباط، المغرب 2013، وقد صدر في نسختين: الأولى باللغة الفرنسية (الصيغة الأصلية) ، والثانية باللغة العربية بترجمة حسن بحراوي.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.