هيئة المحامين بالدار البيضاء تقرر التوقف الشامل عن العمل احتجاجاً على مشروع قانون المحاماة    بورصة البيضاء .. أقوى انخفاضات وارتفاعات الأسبوع    زياد باها مارسيلياً    "يد المغرب" تبلغ دور الثمانية برواندا    الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية تدعو إلى الحيطة وتأجيل الرحلات بسبب التقلبات الجوية    السيول تحاصر سجن طنجة 2 الذي يضم الزفزافي ورفاقه    المغرب يستعين بأربع قاطرات للسيطرة على سفينة نفط روسية قبالة طنجة        وزير الصحة يعطي انطلاقة خدمات مراكز صحية حضرية وقروية على مستوى جهة فاس    إقامة حواجز لضبط التنقل بإقليم إفران    انخفاضات قياسية في أسعار زيت الزيتون بجهة طنجة    مقاييس الأمطار المسجلة بالمملكة خلال ال24 ساعة الماضية    نشرة إنذارية بالمغرب تمتد إلى الإثنين    توقيف عشريني بطنجة بحوزته أزيد من ألف قرص طبي مخدر    المغرب والشيلي .. نحو آفاق جديدة للتعاون الاقتصادي والتجاري    نشرة إنذارية جديدة تحذر من أمطار قوية وثلوج ورياح قوية بعدد من مناطق المملكة    العصبة تعيد مباراة اتحاد تواركة والرجاء إلى ملعب المدينة بالرباط    طنجة : بيت الصحافة يحتضن الدورة الثانية لجائزة الثقافة والإعلام    مجموعة قصصية جديدة بعنوان حديث التفاصيل الصغيرة للكاتب محيي الدين الوكيلي        تتويج الفائزين في الدورة الثانية من مهرجان مواهب الدار البيضاء للثقافة والفنون المحلية    طنجة : لحاق أفريكا إيكو رايس 2026 يعد بدورة غير مسبوقة    إقليم الدريوش.. الصين تُشيّد أكبر مصنع لإطارات السيارات بإفريقيا يوفّر 1200 منصب شغل    من أستراليا إلى المغرب .. "المسافة البعيدة" تسقط خيار استيراد الماشية    وقف إطلاق النار يثير الجدل بسوريا    سفارة أمريكا بالرباط تحتفي بالذكرى ال250 لتأسيس الولايات المتحدة    البيت الأبيض يرفض "انتقادات لندن"    إصابات إثر تحطم سيارة في مدخل مطار أمريكي    مناهضو التطبيع ينظمون وقفة احتجاجية قرب الحدود مع الجزائر تنديداً برفع العلم الإسرائيلي    فوضى كاميرات المراقبة بتيزنيت: حين يتحول "الأمان" إلى "تجسس"    رسالة مفتوحة إلى الجزائر    نصف سعة السدود تمتلئ في المغرب    المغرب يلعب نهائي "ويك فوتسال"    فضيحة جنسية في نادي "أليانسا ليما" البيروفي    مهرجان مواهب الدار البيضاء يختتم دورته الثانية بتتويج لافت للمواهب الشابة    شكيب الخياري يناقش أطروحة دكتوراه    القضاء الإداري يجرد مستشارين عن حزب "الاستقلال" من عضويتهما بجماعة أيت ملول    آلاف المتظاهرين يحتجون في أمريكا على توقيف طفل مهاجر يبلغ من العمر خمس سنوات    إيران.. إعدام رجلين لتفجير حافلة سنة 2023    علماء يبتكرون مستشعرا فائق السرعة لرصد موجات الصدمة فوق الصوتية    دوري أبطال إفريقيا.. الأهلي المصري يفوز على يانغ أفريكانز التنزاني بهدفين دون رد        الاتحاد الليبي لكرة القدم يهنئ لقجع والجامعة ويشيد بالنجاح التنظيمي لكأس أمم أفريقيا    شاحنات مغربية عالقة بغينيا كوناكري    تيزنيت :هاتف بلا رد وباب موصد...هل نجحت "اللوبيات النافذة" في ترويض حزم العامل الجوهري؟    المجلس الوطني للموسيقى يحتفي بالسنة الأمازيغية في أمسية فنية بالرباط    تحسن مؤشر ثقة الأسر خلال الفصل الرابع من سنة 2025    فرنسا ضيف شرف معرض الكتاب بالرباط    فرنسا.. الباحثة المغربية نبيلة بوعطية تحصل على جائزة أنسيرم عن أبحاثها في علم الوراثة    تافراوت تطلق أول "فرقة دراجين" لحفظ الصحة بالمغرب: استثمار في الوقاية ورقمنة للعمل الميداني    التعرض لتلوث الهواء مبكرا يزيد مخاطر إصابة الأطفال بارتفاع ضغط الدم    علم الأعصاب يفسّر ظاهرة التسويف .. دائرة دماغية تكبح الحافز    دراسة: إنجاب طفلين أو ثلاثة أطفال فقط يطيل عمر المرأة    محاضرة علمية بطنجة تُبرز مركزية الإرث النبوي في النموذج المغربي    الحق في المعلومة حق في القدسية!    جائزة الملك فيصل بالتعاون مع الرابطة المحمدية للعلماء تنظمان محاضرة علمية بعنوان: "أعلام الفقه المالكي والذاكرة المكانية من خلال علم الأطالس"    رهبة الكون تسحق غرور البشر    فجيج في عيون وثائقها    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



القيم الجمالية والإنسانية في كتابة «لطيفة باقا» القصصية
دراسة في مجموعة «منذ تلك الحياة»
نشر في العلم يوم 07 - 06 - 2013

كان أول ظهور أدبي للكاتبة المغربية لطيفة باقا عام 1992 عندما فازت بجائزة اتحاد كتاب المغرب للأدباء الشباب، عن مجموعتها القصصية «ما الذي نفعله؟». ومنذ هذه المجموعة وهي تجترح، في لعبة الحكي الجميل، قيما جمالية وإنسانية، وقد بلغت في مجموعتها القصصية الثانية «منذ تلك الحياة1»مرحلة متقدمة من الوعي بقضايا الإنسان ومشاكله وهمومه والتحديات التي تعترضه في سبيل البلوغ إلى مجتمع راق جماليا وإنسانيا. إذن، يحق لنا أن نتساءل الآن بصدد الحديث عن هذه المجموعة الثانية: ما هي القيم الجمالية والإنسانية التي تسري في تضاعيف قصصها التسع؟ ما الذي تضيفه هذه المجموعة في سياق الأدب النسائي المغربي والعربي؟ هل ثمة في المجوعة ما ينم عن الإبداعية والجمالية؟ هذه أسئلة صرحنا بها وأخرى استضمرناها سنحاول أن نجيب عليها في ما يأتي.... أولا: القيم الجمالية
1 التجديد والتحديث
أول ما يلفت النظر في كتابة لطيفة باقا القصصية أنها تنزع إلى التجديد والتحديث، إذ هي تبتكر في كل قصة طريقة حديثة من طرائق الحكي الحداثية المتعددة منها استخدام ضمير المتكلم (الأنا الساردة) بكثرة إيهاما بصدق المحكي وكأنه سيرة وليس قصة هذا ما تبدأ به مجموعة «منذ تلك الحياة» في القصة الأولى المسماة (آيلات إلى الخيبة) تبدأ هذه القصة بالجملة الحكائية التالية: «استوقفتني المرأة لتخبرني أن زهيرة جنت» (ص 5) ثم يتوالى السرد متدفقا بضمير الأنا ، مزدانا بآليات الصنعة الحكائية الحداثية، حيث المزج بين الحاضر والماضي يتم في توليفة سردية وكأنه سدى لحمة واحدة.
وهذه الطريقة الحكائية الحداثية تتكرر في القصص الموالية كلها، وكمثال على ذلك نجتزئ هذه البداية من القصة الثانية المسماة: (لأن الوجود كان أضيق من يتسع لروحها..) نقرأ في بداية هذه القصة : «كنت أعتقد، إذن، أنني أبدأ بالضبط من حيث ينتهي العالم... كنت أنتظر كما يمكن لقطرة ماء أن تنتظر داخل حذاء مبلل في ليلة باردة.» (ص 19).بعد ذلك تتوالى أحداث القصة في ست فقرات تبدأ كل واحدة منها بفعل (أتذكر) هذا الفعل الذي يمنح للقصة قوتها المدهشة على تأثيت عوالم المحكي وربطها بعضها ببعض لتصب في سياق واحد هو معاناة المرأة الساردة، التي تقول في صلب هذه القصة: «لقد حدثت هنا ..حياتي..هنا في هذا العالم. سأكبتها. إذن داخل علب الثقاب الكثيرة التي أحتفظ بها لهذه الغاية بالذات في خزانة المطبخ ..»(ص 21). لم يعد شأن المرأة إذن المعاناة المقرونة بالصمت والألم، بل أضحت المرأة منخرطة في عصرها، تكتب عن حياتها، وهي إذ تفعل ذلك تتوسل التجديد والتحديث بكل آلياتهما المعروفة من تطويع للغة الحكي وجعلها حيوية متدفقة منسابة، تتدفق وتنساب على إثرها الأحداث والوقائع، وتصبح الحياة المحكي عنها حيوية جذابة مفعمة بالتشويق والإثارة.
2 المحاكاة والتخييل
من القيم الجمالية اللافتة في مجموعة لطيفة باقا «منذ تلك الحياة» قيمة (المحاكاة والتخييل) ونعني بالمحاكاة هذا المسعى الدؤوب الذي تنهجه الكاتبة في تصوير واقع الحياة الإنسانية من حولها، وهي في تصويرها تتكئ على آلية المحاكاة التي لا تعني نقل الواقع نقلا فوتوغرافيا كما يمكن أن يذهب إلى ذلك ظن القارئ وإنما هي تضخ في هذه المحاكاة القصصية التخييل الذي يجعل الواقع المحاكى جديدا بالنظر إلى ما بثه التخييل فيه من حيوية وعرامة واحتشاد بالحياة الكائنة والممكنة، للتمثيل على ما نذهب إليه هنا، نقتطف هذا المقطع الحكائي من قصة (زازيا): «زازيا تنتظر.. لا تزال تنتظر الحب الجامح المتوهج الذي سيتدفق في شرايين كيانها فيقوضه تماما لتبعث من جديد..أنا أفهمها من خلال هذا الحزن المترامي كبحيرة زرقاء صافية يزورها الوحيدون عندما يدركون أنهم وحيدون جدا..»أعرفك من خلال صمتك .. من خلال الصخب الذي يزرعه هذا الصمت في جسدي» .. أخبرت ذات حلم رجلا كتوما كنت قد صادفته..وأحببته خلال نفس الحلم.. ثم كتبت له رسالة طويلة عندما استيقظت (..هل ستصله؟). « (ص ص 30/31). إن محاكاة الواقع برصدد تفاصيل مجانينه وعقلائه، فقرائه وأغنيائه لا يعني عند لطيفة باقا استعادة هذا الواقع كما هو والتسليم بما فيه بل إنها تسعى سعيا دؤوبا إلى شحن هذا الواقع بما ينبغي أن يكون عليه، ويبحقق عندها هذ ا باتكائها على التخييل لما ينطوي عليه التخييل من حرية في الحكي والكتابة للحظة الراهنة وللمستقبل...
3 التساوق الحكائي
هذه القيمة الجمالية، التي أسميناها بالتساوق الحكائيتجد مظهرها البارز في العلاقات القائمة بين الأحداث المروية وطرائق اشتغال المكونات الحكائية التي تجسدها، إذ أن أن التساوق الحكائي يطفح في القصص التسع كلها، وهذا يعني أن القاصة المغربية لطيفة باقا التي انتظرت ثلاثة عشر سنة لتصدر مجموعتها الثانية هاته، قد أفادها هذا الانتظار في التمكن من آليات الكتابة القصصية ومهاراتها الجمالية.
إن قصة (البرد) وهي الرابعة في ترتيب قصص مجموعة منذ تلك الحياة كتبت بطريقة الشذرات وحين ننظر إليها نظرة (برانية) تبدو وكأنها مقتطفات من يوميات كتبت (هنا وهناك) لكن التأمل الدقيق يرينا أن هذه الشذرات تتصل بعرى وثيقة فيما بينها وأنها تعطينا صورة صادقة لتشظي الحياة الاجتماعية وتفككها وانفراط عقدها، وأن القاصة لطيفة باقا عندما تقول ذلك في قصتها إنما تقوله لنعيد النظر في حياتنا وعلاقتنا بعضنا ببعض.
4 الانسجام والتناغم
من بين أكثر ما ألح عليه علماء الجمال،في حديثهم عن الأعمال الفنية والأدبية،ضرورة توافر الانسجام والتناغم،أو ما كانوا يسمونه(الهارموني)،ويكون الانسجام في القصة القصيرة،عندما يصبح صعبا على القارئ حذف فقرة أو مشهد أو حتى كلمة من مكانها،إذ ذاك نكون إزاء(هارمونيا)في العمل الأدبي القصصي،وهذ جلي في قصص مجموعة منذ تلك الحياة للطيفة باقا.إن قصة(البرد)الآنفة الذكرتجلو ما نقول بوضوح،فرغم التناوب الحكائي على مستويي الضمير والشخصية:(هي ضمير الغائب،هوالغائب)(المرأةالرجل)فإن الهارمونيا جلية بشكل سلس دقيق،لأن القصة تصور في نهاية المطاف الحياة الإنسانية الصعبة لكل من المرأة والرجل.وسأجتزئ الورقة الأولى من هذه القصة القائمة على تقنية الشذرية:»كانت وحدها وكان ينبغي أن تتذكر ما حدث للطائر البطرسي في قصيدة بودلير :
نظر إلى نبتة»الدالية»العريقة وهي تتسلق جدار غرفته بإصرار..ولم يعرف كيف يفرح.
سمعت صوت الستارة وهي تنسحب من النافذة ومرة واحدة اكتسحت الحياة المقرفة غرفتها الصغيرة.
أنصت قليلا إلى صداعه الصباحي المعتاد قبل أن يعدي نفسه مرة أخرى بكون الأرق بذخا لا يصيب سوى الأحياء. (ص51)
إن التناوب الحكائي واضح هنا في الحديث مرة عن المرأة ومرة عن الرجل،لكن ما يجمع الحكي عنهما هو معاناتهما من الوحدة والأرق.وعلى هذه الشاكلة أو الطريقة تتلاحم شذرات هذه القصة وتتضافر مشكلة في النهاية هارمونيا،منسجمة متناغمة،تصور المعاناة الإنسانية المعاصرة،وفي هذا سر جاذبية الأدب،وهنا تكمن وظيفته في التأثير والتغيير...وظيفته في ترسيخ القيم الإنسانية السامية.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.