60 ألف أستاذ معني .. وزارة التربية تسرّع تنزيل تعويض المناطق النائية    اختلالات "التصدير المؤقت" تضع شركات مغربية تحت مجهر الجمارك    كوريا الشمالية تختبر إطلاق عدة صواريخ بالستية باتجاه البحر وفق سول    عملية جراحية تبعد المودن عن آسفي    الصويرة تختتم الدورة الرابعة لمهرجان "لا دولتشي فيتا" وسط آفاق واعدة    المفوضية الأفريقية تدين قرار إسرائيليا    مشروع التطهير السائل..الرواية الأخرى.    بعد ربع قرن من الانتظار.. يوسف شيبو يحتفي بعودة ناديه الأسبق لقسم الأضواء    اقاليم الناظور والحسيمة والدريوش على موعد مع انتخابات جزئية    الجيش اللبناني يعيد فتح طريق وجسر في الجنوب تضررا جراء الغارات الإسرائيلية    خبرة الجبال تهدي ابن إمليل "بشقي" وبطلة الرمال "الراجي" لقب ألترا ترايل الأطلس الكبير    انهيار منزل يودي بحياة طفلين بتطوان ويعيد ملف المنازل الآيلة للسقوط إلى الواجهة    الصيادلة يخاطبون مجلس المنافسة بمذكرة مفصلة:    أخنوش يعيد الاعتبار لحراس الأمن الخاص ويقرر تخفيض ساعات عملهم اليومية من 12 إلى 8 ساعات    تفكيك شبكة للنصب الهاتفي بجرسيف والعيون.. توقيف خمسة مشتبه فيهم بعد استهداف ضحايا عبر انتحال صفات رسمية    حادث سير بطنجة يُصيب رجال أمن ويستنفر المصالح    كلاب "بيت بول" تودي بحياة صاحبها داخل منزله ب"حومة إسبانيول" بطنجة    فوضى "الاستعراض" تنتهي بتوقيفات... أمن الرحمة يضع حداً لسياقة خطيرة بالدار البيضاء    مع اقتراب العيد.. المغاربة يتوجسون من غلاء الأضاحي    النمسا: العثور على سم فئران في عبوة طعام أطفال من شركة هيب    طقس الأحد.. أجواء حارة مع تشكل كتل ضبابية    طهران تواصل إغلاق مضيق هرمز وتؤكد أن الاتفاق النهائي مع واشنطن ما زال "بعيدا"    شوارع خالية وسياحة منهارة .. أزمة الطاقة تُغرق كوبا في الظلام    طهران ترفض الحرمان من حق النووي    بدء توافد ضيوف الرحمن إلى السعودية لأداء فريضة الحج    "الحلزون" في قبضة درك القصر الكبير    سوسيداد يظفر بالكأس أمام الأتلتيكو    الحسيمة.. توقيف جزائريين بشاطئ أصفيحة بشبهة الهجرة غير النظامية    الراحولي: إقصاء الوداد منحنا الثقة وسنلعب بكامل حظوظنا أمام اتحاد العاصمة    بنكيران يعلن عن بدء التداول في تزكيات مرشحي "العدالة والتنمية" لانتخابات 2026    الجيش الملكي يبلغ نهائي دوري أبطال إفريقيا رغم خسارته أمام نهضة بركان    ‪الارتقاء البرلماني يجمع المغرب والإمارات    معراج الحلاج    ليالي وليلي    فاعلون يتداولون في توسيع آفاق الشراكة السينمائية بين المغرب وإيطاليا        بورصة الدار البيضاء تنهي تداولات الأسبوع بأداء إيجابي    مهنيون يعلّقون توقيف توزيع "البوطا" ويفاوضون الحكومة حول هامش الربح    الحكومة تزف خبرا سارا لحراس الأمن    مستثمرون إكوادوريون يكتشفون فرص الاستثمار بجهة طنجة    مكتبة جماعية.. فضاء ثقافي جديد ببني عمارت يدعم القراءة وتنمية المعرفة لدى التلاميذ والطلبة    وفاة والدة يسار لمغاري بعد صراع طويل مع المرض    الإفراج عن 3 مشجعين سنغاليين المحاكمين في قضية الشغب بالنهائي الإفريقي وأحدهم يصرخ: "ديما مغرب"    أغاني اليوم وإلى الأبد ومسرحية أتون فاتر تختتمان برنامج ابريل برياض السلطان    المغرب والولايات المتحدة يبحثان بواشنطن تعزيز التعاون الدفاعي والأمن السيبراني    "لوفتهانزا" تستأنف التحليق عقب انتهاء الإضرابات    سيولة الخطاب وثبات الطبيعة في قصيدة محمد بلمو "شغب الماء"    نقابات النقل الطرقي للبضائع تنتقد ارتفاع أسعار المحروقات وتطالب برفع الدعم وتسقيف الأسعار    الممثلة الفرنسية المغربية نادية فارس تغادر الحياة عن 57 عاما    إيران تعلن إعادة إغلاق مضيق هرمز وسط تصاعد التوتر مع واشنطن    السلطات الإسبانية تحذر مستهلكي سبتة من منتوج سلمون ملوث    أخنوش: الحوار الاجتماعي خيار سياسي واضح والحكومة أوفت بالتزاماتها            بسيدي قاسم : يوم تحسيسي حول التغذية السليمة لفائدة الحوامل والمرضعات بالخنيشات        وزارة الأوقاف تطلق تطبيق "المصحف المحمدي الرقمي" بخدمات علمية وتقنية شاملة        







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



القيم الجمالية والإنسانية في كتابة «لطيفة باقا» القصصية
دراسة في مجموعة «منذ تلك الحياة»
نشر في العلم يوم 07 - 06 - 2013

كان أول ظهور أدبي للكاتبة المغربية لطيفة باقا عام 1992 عندما فازت بجائزة اتحاد كتاب المغرب للأدباء الشباب، عن مجموعتها القصصية «ما الذي نفعله؟». ومنذ هذه المجموعة وهي تجترح، في لعبة الحكي الجميل، قيما جمالية وإنسانية، وقد بلغت في مجموعتها القصصية الثانية «منذ تلك الحياة1»مرحلة متقدمة من الوعي بقضايا الإنسان ومشاكله وهمومه والتحديات التي تعترضه في سبيل البلوغ إلى مجتمع راق جماليا وإنسانيا. إذن، يحق لنا أن نتساءل الآن بصدد الحديث عن هذه المجموعة الثانية: ما هي القيم الجمالية والإنسانية التي تسري في تضاعيف قصصها التسع؟ ما الذي تضيفه هذه المجموعة في سياق الأدب النسائي المغربي والعربي؟ هل ثمة في المجوعة ما ينم عن الإبداعية والجمالية؟ هذه أسئلة صرحنا بها وأخرى استضمرناها سنحاول أن نجيب عليها في ما يأتي.... أولا: القيم الجمالية
1 التجديد والتحديث
أول ما يلفت النظر في كتابة لطيفة باقا القصصية أنها تنزع إلى التجديد والتحديث، إذ هي تبتكر في كل قصة طريقة حديثة من طرائق الحكي الحداثية المتعددة منها استخدام ضمير المتكلم (الأنا الساردة) بكثرة إيهاما بصدق المحكي وكأنه سيرة وليس قصة هذا ما تبدأ به مجموعة «منذ تلك الحياة» في القصة الأولى المسماة (آيلات إلى الخيبة) تبدأ هذه القصة بالجملة الحكائية التالية: «استوقفتني المرأة لتخبرني أن زهيرة جنت» (ص 5) ثم يتوالى السرد متدفقا بضمير الأنا ، مزدانا بآليات الصنعة الحكائية الحداثية، حيث المزج بين الحاضر والماضي يتم في توليفة سردية وكأنه سدى لحمة واحدة.
وهذه الطريقة الحكائية الحداثية تتكرر في القصص الموالية كلها، وكمثال على ذلك نجتزئ هذه البداية من القصة الثانية المسماة: (لأن الوجود كان أضيق من يتسع لروحها..) نقرأ في بداية هذه القصة : «كنت أعتقد، إذن، أنني أبدأ بالضبط من حيث ينتهي العالم... كنت أنتظر كما يمكن لقطرة ماء أن تنتظر داخل حذاء مبلل في ليلة باردة.» (ص 19).بعد ذلك تتوالى أحداث القصة في ست فقرات تبدأ كل واحدة منها بفعل (أتذكر) هذا الفعل الذي يمنح للقصة قوتها المدهشة على تأثيت عوالم المحكي وربطها بعضها ببعض لتصب في سياق واحد هو معاناة المرأة الساردة، التي تقول في صلب هذه القصة: «لقد حدثت هنا ..حياتي..هنا في هذا العالم. سأكبتها. إذن داخل علب الثقاب الكثيرة التي أحتفظ بها لهذه الغاية بالذات في خزانة المطبخ ..»(ص 21). لم يعد شأن المرأة إذن المعاناة المقرونة بالصمت والألم، بل أضحت المرأة منخرطة في عصرها، تكتب عن حياتها، وهي إذ تفعل ذلك تتوسل التجديد والتحديث بكل آلياتهما المعروفة من تطويع للغة الحكي وجعلها حيوية متدفقة منسابة، تتدفق وتنساب على إثرها الأحداث والوقائع، وتصبح الحياة المحكي عنها حيوية جذابة مفعمة بالتشويق والإثارة.
2 المحاكاة والتخييل
من القيم الجمالية اللافتة في مجموعة لطيفة باقا «منذ تلك الحياة» قيمة (المحاكاة والتخييل) ونعني بالمحاكاة هذا المسعى الدؤوب الذي تنهجه الكاتبة في تصوير واقع الحياة الإنسانية من حولها، وهي في تصويرها تتكئ على آلية المحاكاة التي لا تعني نقل الواقع نقلا فوتوغرافيا كما يمكن أن يذهب إلى ذلك ظن القارئ وإنما هي تضخ في هذه المحاكاة القصصية التخييل الذي يجعل الواقع المحاكى جديدا بالنظر إلى ما بثه التخييل فيه من حيوية وعرامة واحتشاد بالحياة الكائنة والممكنة، للتمثيل على ما نذهب إليه هنا، نقتطف هذا المقطع الحكائي من قصة (زازيا): «زازيا تنتظر.. لا تزال تنتظر الحب الجامح المتوهج الذي سيتدفق في شرايين كيانها فيقوضه تماما لتبعث من جديد..أنا أفهمها من خلال هذا الحزن المترامي كبحيرة زرقاء صافية يزورها الوحيدون عندما يدركون أنهم وحيدون جدا..»أعرفك من خلال صمتك .. من خلال الصخب الذي يزرعه هذا الصمت في جسدي» .. أخبرت ذات حلم رجلا كتوما كنت قد صادفته..وأحببته خلال نفس الحلم.. ثم كتبت له رسالة طويلة عندما استيقظت (..هل ستصله؟). « (ص ص 30/31). إن محاكاة الواقع برصدد تفاصيل مجانينه وعقلائه، فقرائه وأغنيائه لا يعني عند لطيفة باقا استعادة هذا الواقع كما هو والتسليم بما فيه بل إنها تسعى سعيا دؤوبا إلى شحن هذا الواقع بما ينبغي أن يكون عليه، ويبحقق عندها هذ ا باتكائها على التخييل لما ينطوي عليه التخييل من حرية في الحكي والكتابة للحظة الراهنة وللمستقبل...
3 التساوق الحكائي
هذه القيمة الجمالية، التي أسميناها بالتساوق الحكائيتجد مظهرها البارز في العلاقات القائمة بين الأحداث المروية وطرائق اشتغال المكونات الحكائية التي تجسدها، إذ أن أن التساوق الحكائي يطفح في القصص التسع كلها، وهذا يعني أن القاصة المغربية لطيفة باقا التي انتظرت ثلاثة عشر سنة لتصدر مجموعتها الثانية هاته، قد أفادها هذا الانتظار في التمكن من آليات الكتابة القصصية ومهاراتها الجمالية.
إن قصة (البرد) وهي الرابعة في ترتيب قصص مجموعة منذ تلك الحياة كتبت بطريقة الشذرات وحين ننظر إليها نظرة (برانية) تبدو وكأنها مقتطفات من يوميات كتبت (هنا وهناك) لكن التأمل الدقيق يرينا أن هذه الشذرات تتصل بعرى وثيقة فيما بينها وأنها تعطينا صورة صادقة لتشظي الحياة الاجتماعية وتفككها وانفراط عقدها، وأن القاصة لطيفة باقا عندما تقول ذلك في قصتها إنما تقوله لنعيد النظر في حياتنا وعلاقتنا بعضنا ببعض.
4 الانسجام والتناغم
من بين أكثر ما ألح عليه علماء الجمال،في حديثهم عن الأعمال الفنية والأدبية،ضرورة توافر الانسجام والتناغم،أو ما كانوا يسمونه(الهارموني)،ويكون الانسجام في القصة القصيرة،عندما يصبح صعبا على القارئ حذف فقرة أو مشهد أو حتى كلمة من مكانها،إذ ذاك نكون إزاء(هارمونيا)في العمل الأدبي القصصي،وهذ جلي في قصص مجموعة منذ تلك الحياة للطيفة باقا.إن قصة(البرد)الآنفة الذكرتجلو ما نقول بوضوح،فرغم التناوب الحكائي على مستويي الضمير والشخصية:(هي ضمير الغائب،هوالغائب)(المرأةالرجل)فإن الهارمونيا جلية بشكل سلس دقيق،لأن القصة تصور في نهاية المطاف الحياة الإنسانية الصعبة لكل من المرأة والرجل.وسأجتزئ الورقة الأولى من هذه القصة القائمة على تقنية الشذرية:»كانت وحدها وكان ينبغي أن تتذكر ما حدث للطائر البطرسي في قصيدة بودلير :
نظر إلى نبتة»الدالية»العريقة وهي تتسلق جدار غرفته بإصرار..ولم يعرف كيف يفرح.
سمعت صوت الستارة وهي تنسحب من النافذة ومرة واحدة اكتسحت الحياة المقرفة غرفتها الصغيرة.
أنصت قليلا إلى صداعه الصباحي المعتاد قبل أن يعدي نفسه مرة أخرى بكون الأرق بذخا لا يصيب سوى الأحياء. (ص51)
إن التناوب الحكائي واضح هنا في الحديث مرة عن المرأة ومرة عن الرجل،لكن ما يجمع الحكي عنهما هو معاناتهما من الوحدة والأرق.وعلى هذه الشاكلة أو الطريقة تتلاحم شذرات هذه القصة وتتضافر مشكلة في النهاية هارمونيا،منسجمة متناغمة،تصور المعاناة الإنسانية المعاصرة،وفي هذا سر جاذبية الأدب،وهنا تكمن وظيفته في التأثير والتغيير...وظيفته في ترسيخ القيم الإنسانية السامية.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.