أولمبيك آسفي ينهي ارتباطه بزكرياء عبوب    أمل تيزنيت يواصل نزيف النقاط وشكيليط مطالب بإيجاد الحلول    حموشي يمنح ترقية استثنائية لشهداء حادث سيدي إفني    تيزنيت:بلمسة إنسانية وتوجيهات ملكية..عامل الإقليم ومندوب التعاون الوطني يشرفان على استفادة 14 ألف أسرة من دعم مؤسسة محمد الخامس    المنتخب المغربي النسوي لكرة القدم يخوض تجمعا تدريبيا غدا الاثنين بسلا استعدادا لكأس إفريقيا للأمم    فصائل الرجاء تراهن على الروح القتالية وتعلن عودة قريبة للمدرجات    الصبار وفاكا: دعم الجماهير وروح المجموعة وراء خماسية الدشيرة    توقعات أحوال الطقس ليوم غد الإثنين    ين قصر إيش والفياضانات: رمضان يجمع الألم والأمل    فيضان القصر الكبير : "قفة سيدنا" ليست كباقي القفف…(1)    فلوريدا تحتضن مفاوضات حاسمة حول الصحراء المغربية    بعد تسعة أيام على اختفائها.. العثور على جثة الطفلة هبة ببحيرة بين الويدان            الملك يراسل ولي العهد السعودي        تحذير من تسجيل المكالمات الهاتفية دون موافقة مسبقة    الترويض الإعلامي    ارتفاع أسعار اللحوم يسائل الحكومة حول جدوى الإعفاءات الضريبية    مديرو المؤسسات التعليمية يقاطعون تكوينات مشروع "المؤسسة المندمج" ويحرجون الوزير برادة        استمرار حرب الإبادة في قطاع غزة: إسرائيل تقتل يومياً خمسة فلسطينيين وتصيب 12 آخرين منذ وقف إطلاق النار    أولمبياد 2026.. الصينية إيلين غو تُحرز ذهبية "نصف أنبوب" في التزلج الحر        دراسة: تعرض الرضع للشاشات لفترات طويلة يؤثر على نمو الدماغ    مواعيد    مهاجرون غير نظاميين يثيرون القلق في مدشر بني مزالة... والسكان يطالبون بتدخل عاجل    فرنسا تستدعي السفير الأمريكي على خلفية موقف واشنطن من مقتل الناشط في اليمين المتطرف كونتان دورانك    "ناسا" تؤجل أول رحلة مأهولة إلى القمر بسبب خلل تقني    أولمبيك آسفي يتحرك لتعويض عبوب    السلطات الماليزية توقف رجلاً زعم لقاء الأنبياء في سيلانجور    تنديد عربي حاد بتصريحات سفير أمريكا في تل أبيب بشأن "إسرائيل الكبرى" في الشرق الأوسط    تأييد استئنافي لأحكام بالسجن النافذ في حق متابعين على خلفية أحداث إمزورن    عرض رفات القديس فرنسيس في إيطاليا    قصف باكستاني يخلف قتلى بأفغانستان    صيباري يساهم في فوز آيندهوفن بثلاثية ويعزز صدارته للدوري الهولندي    لولا لترامب: لا نريد حربا باردة جديدة    متى يكون الصداع بعد السقوط مؤشرًا لارتجاج المخ؟    النقابة الوطنية لوكالة التنمية الاجتماعية تراسل الوزيرة بشأن "فضيحة ريع إداري" وتتهم الإدارة بتفصيل منصب على المقاس    علماء يطورون لقاحًا شاملاً ضد نزلات البرد والإنفلونزا و"كوفيد-19″    إنفوغرافيك | أرقام رسمية.. انخفاض الرقم الاستدلالي للأثمان عند الاستهلاك بنسبة 0,8% خلال يناير 2026    شبيبة "البام" تتعهد بمحاربة العزوف السياسي وفتح الأبواب أمام الطاقات الشابة    الدرك الملكي يحجز مخدرات بالجديدة    الدراما الحسّانية تحضر بقوة في رمضان عبر مسلسل "سوق أتاي" على قناة العيون    الاهتمام بسؤال الهوية    عمرو خالد: الضحى والشرح والرحمن .. توليفة من القرآن لتخفيف الأحزان    التونسيون يفتقدون فاكهة الموز في شهر رمضان    انخفاض مفرغات الصيد البحري بميناء الصويرة    رحيل الفنان المغربي إسماعيل أبو القناطر عن عمر ناهز 69 سنة        "مطارات المغرب" تطلق حملتها الجديدة "لننطلق"    هيئة ضبط الكهرباء تحدد تعريفة فائض الإنتاج ابتداء من شهر مارس المقبل    إسماعيل أبو القناطر في ذمة الله بعد صراع مع المرض    القنوات الوطنية تهيمن على نسب المشاهدة في رمضان 2026 ب70.4%    وزارة الأوقاف توحّد خطبة الجمعة حول الصيام والتقوى وإتقان العمل    جمعية الفردوس تنظم المهرجان الوطني للطفل والناشئة بجهة الدار البيضاء–سطات        للحفاظ على جودة العلاجات في طب العيون بالمغرب.. يوم وطني للتشاور ببوزنيقة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



نُبُوَةٌ بلا وَحْي !
نشر في الأحداث المغربية يوم 06 - 06 - 2011

يُعْتَبَر التعليم، أحد أُسُس ما بات يُعِرَف بمجتمع المعرفة. والتعليم، كان، دائماً، القاعدة المعرفية والثقافية التي كانت مِنْ أوْلَويات بناء مجتمعات مُتَضَامِنَة، قوية، وذات امتداد حضاري بعيدٍ، لا تكتفي فيه هذه “الأُمَّةُ “، أو المجتمع العارِف، بمحيطها الجغرافي، بل إنَّها تعمل على تصدير المعرفة لغيرها، ليس باعتبارها غَزْواً، أو سَعْياً للهيمنة على هذا ” الآخر ” الذي يقبل هذه المعرفة، وإنما لكون هذه المعرفة، هي أحد المشتركات الثقافية الإنسانية، التي تصير، بحكم شموليتها، وإجرائيتها، قابلةً للانتقال، من مكان إلى آخر، ومن زمان إلى آخر.
ما أنجزه العرب، في لحظة الانتقال المعرفي، إبَّان فترة الحُكم العباسي، بشكل خاص، جاء نتيجةَ هذا الميل إلى تعميم المعرفة، وانفتاح الثقافة العربية الإسلامية، على غيرها من المعارف والثقافات، والحرص على نقل العلوم المختلفة إلى العربية، من خلال الترجمة، والنقل. لم تقتصر هذه العملية على نقل علم دون آخر، أو الانكباب على مجال دون آخر. بل إنَّ عملية النقل والترجمة شملت كل حقول المعرفة العلمية، وغير العلمية.
حاصِلُ هذا العمل المعرفي الكبير، كان دخول علوم جديدة إلى مجال البحث العلمي عند العرب، وتوسيع مجال الأفكار، التي لم تعد تكتفي بعلوم الدين وحدها. فعلوم الدين، أيضاً، ستتغذَّى من هذه المعارف الجديدة، ومن المفاهيم التي حملتها معها ترجمة الفكر والفلسفة اليونانيين، وعلى رأسها المنطق، الذي عمل الفقهاء على توظيفه، في حل كثير من مشكلات الشَّرع. نفس الأمر حدث في تقعيد اللغة، التي كان فيها للمقولات العشر لأرسطو، دوراً كبيراً في بناء القاعدة، وتثبيتها، أي في بناء الأسس المعيارية للعربية، التي كانت لُغَات، بالمعنى الذي يُعْطيه اللغويون لهذه الكلمة.
لم تكن المدرسة، آنذاك، في مَنْأًى عن هذا الحِرَاك المعرفي، بل إنها كانت المكان الذي ستحرص فيه المعرفة على امتدادها وانتقالها، وعلى توسيع مجال البحث فيها، بما أتاحته الدولة، من حوافز، وإمكانات للقراءة والبحث والإبداع.
يمكن اعتبار هذه الحالة التاريخية، هي إحدى صور مجتمعات المعرفة، في سياق ما كان مُتَاحاً من معارف، وإمكاناتٍ للتواصل والبحث العلميين. والمدرسة، كانت الفضاء الذي يتأسس عليه هذا المجتمع، وأيضاً المكتبات العامة، والمساجد التي كانت بدورها فضاءات للنقاش المعرفي، وحتى الأيديولوجي، بما كانت تقتضيه طبيعة الخلافات المذهبية، والسياسية، وما كان ينشأ من خلافاتٍ في مجال الأفكار، والمُعتقدات.
كانت المدرسة، تعطي الأهميةَ، بالدرجة الأولى، للمعرفة، والاجتهاد، وحين كان الطالب يُجازُ، فهذا معناه أنه أصبح جديراً بحمل صفة العالم، وناقل المعرفة، لكن باجتهاد، وبإضافة أفكار، هي تعبير عن ذات العالِم، وعن خصوصية أفكاره، التي هي خَلْقٌ وابْتِدَاع.
العَالِم المُجَازُ، يصبح صاحب رأي، وصاحب أفكار، لا ناقلَ أفكار فقط، رغم أنَّ ما تتأسَّس عليه معرفته، واجتهادَهُ، هو هذه المعارف والأفكار السابقة، التي هي أرضُ معرفة، وليست هي المعرفةُ، بما تعنيه من اكتفاء بتقليد واستعادة أفكار الآخرين.
هنا بالذات أعود إلى عبد الله القُصيمي، في كتابه ” العرب ظاهرة صوتية “، في نقده لنموذج “العَالِم “، في وضعنا التعليمي الراهن، وما أصبحت عليه المدارس والجامعات العربية من حَرَجٍ، أو من “زيْفٍ”، في إنتاج مثقفين، أو علماء، أو حاملي شواهد، أو أصحاب خبراتٍ، أي أشخاص “بدون موهبة”. يلتقي القصيمي، في هذا مع سقراط، في ما أشار إليه من أهمية الموهبة، ليس عند المثقف، أو الخبير، أو العالِم، وحده، بل وعند السياسي أيضاً، بما عَنَتْهُ الموهبة من خبرةٍ وذكاء، وقُدرةٍ على توليد الأفكار، وابْتِداعِها.
يقول القصيمي؛ “إنه لا عِقَاب ولا تشويهَ ولا إفسادَ لأيِّ إنسانٍ أو مجتمع مثل أن يُعْطَى العاجز عجزاً ذاتياً شهادةً بأنه قد أصبح نبياً أو عبقرياً أو مبدعاً أو خبيراً أو عالماً أو مفكراً أو شيئاً آخر عظيماً .. أليس التعليم العالي لفاقد الموهبة يعني إعطاءه هذه الشهادة، أي يعني تزوير الأنبياء والعباقرة والعلماء والقادة والعظماء والخبراء في كل شيء، أي يعني إعطاء النبوة بلا وحي أو مَجِيء النبي بلا نبوة؟ ”
كان القصيمي يؤكد، في كتاباته على قوة النقد، وعلى ضرورته كآلية من آليات مراقبة الذات، والحرص على صيرورتها، أي على تقويم ضعفها، أي باعتبار النقد “رؤيةً وشَجاعةً، وصدقاً ورغبةً في الانتقال إلى الأفضل “، و”نقد النفس” هذا هو ما ينقصنا، و”لم نتعود قط أن نقوله أو نكتبه أو نقرأه أو نسمعه “.
فما يقوله القصيمي عن وضع المُتَعَلِّمين، في وضعنا الراهن، وعن التعليم، وعن حاملي الشهادات الجامعية العليا، هو من قبيل نقد ما تعرفه الجامعات العربية من تَدَنٍّ في مستويات التكوين، ونقل المعارف، ما سيُفْضِي، حتماً، إلى إنتاج، كما يقول بسخريةٍ لاذعة، وهي إحدى آليات النقد، طبعاً؛ ” نبوة بلا وحي “.
تفريغ الجامعة من المعرفة، من التكوين المعرفي والعلمي، أو تحويلها بالأحرى إلى نوع من معامل إنتاج التقنيين، والمُنَفِّذِين لبرامج، وليس لمبدعي أفكار، وأصحاب مشاريع، هو نقيض الدور الذي من أجله وُجِدَت الجامعة، باعتبارها فضاءً للبحث العلمي، ولاستثمار طاقات الإبداع والخلق عند الإنسان، في جميع مجالات المعرفة. فالجامعات، عندنا، وفي مختلف التخصُّصات، ليست فضاءات للبحث العلمي، وتكوين الأُطُر، فالدولة رفعت يدها عن هذه الجامعات، وما تُخَصِّصُه لها من ميزانياتٍ للبحث والتجهيز، لا يرقى لمستوى طموحات بعض مَنْ ما زالوا يقاومون داخل هذه الجامعات، للحفاظ على طابعها العلمي والمعرفي في البحث وفي التكوين.
لم تعد الجامعة، وهي بلا مالٍ، أو بلا دعم، من قبل الدولة، ومن قبل الشركات والمقاولات، وغيرها ممن يمكن لهم أن يتدخّلُوا لتطوير البحث العلمي، والعمل على دعمه، لم تعد تقوم على ثقافة الابتكار والإبداع، وتنمية ” القدرات الذاتية للبشر على التحليل والنقد ومواجهة المشاكل ” وحَلِّ المُعضلات.
فجداول الإنفاق على التعليم، في العالم العربي، قياساً بما يُنْفَقُ في المجال العسكري، مثلاً تكفي لفضح طبيعة الأنظمة التي تحكم هذه الدول، والكشف عن طبيعة انشغالاتها الأساسية.
الإمارات، تنفق على التعليم 1.3 والإنفاق العسكري 2.0 . عُمان، التعليم 3.6 الإنفاق العسكري 11.9. السعودية، التعليم 6.8 الإنفاق العسكري 8.2. الأردن، التعليم، 4.9 الإنفاق العسكري 5.3. المغرب، التعليم، 6.7 الإنفاق العسكري 4.5، طبعاً، مع ما حدث من تَغَيُّر، بالنسبة للمغرب، في ما عرفه من دعم للبنية العسكرية في الآونة الأخيرة، قد يجعل من النسبة المثبتة في هذا النموذج متجاوزةً.
فالتكوين الأمني لهذه المجتمعات، أو الهاجس الأمني، كان أكثر أهميةً من الهاجس المعرفي، وهو ما كشفت عنه، بوضوح الثورات الجارية في العالم العربي، وتسخير الأحزاب والأنظمة الحاكمة للجيش، كأداة لقمع الشعوب وقتلها، خصوصاً في النموذج الليبي والسوري واليمني.
لم يعد ممكناً، اليوم، وفق ما يجري في العالم العربي من ثوراتٍ، ودعواتٍ للتغيير، ولإعادة تكييف القوانين، وفق ما تجري عليه الأمور في الديمقراطيات العريقة، وبما تفرضه طبيعة الإنسان العربي، الذي أصبح حريصاً على الشراكة في الحُكم، وفي اتخاذ القرارات، أو مناقشتها، في أقل تقدير، وفي تكريس الديمقراطية، كاختيار نهائي، لا بديل عنه، أن تظل هذه المجتمعات عاريةً من المعرفة، ولا تتغذَّى إلاَّ على الهاجس الأمني، الذي تَبَيّنَ أن كل الميزانيات والأموال المُكَرَّسَة له، لم تكن لحماية الشعوب من عَدُوٍّ خارجي مُحْتَمَل، بقدر ما كانت استعداداً لمواجهة أي حِرَاك، أو ثورةٍ ضد هذه الأنظمة، ما جعل المعرفة، لا تكون ضمن أولويات هذه الأنظمة، أو ضمن ما تفكر فيه لتأهيل مجتمعاتها لعصر التقانة والمعلومات، أو لبناء مجتمعات المعرفة.
تدني مستويات المدارس والجامعات، وتدني الأموال والميزانيات المُخَصَّصَة للبحث العلمي، في مقابل ما تقتنيه هذه الأنظمة من أسلحة ووسائل لقمع الشعوب وقتلها، هو أحد أسباب هذا الوضع الكارثي الذي سينعكس على المعلمين والأساتذة وعلى الباحثين، وسيصبح الجميع مُكَبَّلاً بما تفرضه الدول على شعوبها من قهر معرفي، و إفراغ المدارس والجامعات، من المعنى الذي نهضت عليه، أو كان أحد أُسُس وجودها.
أصبحت الجامعات بدون ” وَحْيٍ “، أعني بدون رسالةٍ، وأصبح العزوف عن المعرفة، من المظاهر التي نجحت الأنظمة التوتاليتارية، في بلوغها، كون مجتمع، كهذا، وأعني مجتمع المعرفة، هو مجتمع يتنافى مع طبيعة مثل هذه الأنظمة، فكما هو لا يقبلها، ويسعى لتغييرها، فهي تعمل على استبعاده، وعلى إفراغه من سلاحه، الذي هو ليس سوى سلاح النقد والمواجهة، وسلاح الحداثة والتنوير، وتكريس فكر الاختلاف، أو الفكر الحُر، الذي لا مكان له في نُظُمٍ بهذا المعنى.
لعل أكبر عدو للشعوب هو الجهل؛ وهو قَتْلٌ للمعرفةِ، أو حشرُها في مكان ناءٍ، ووضعُها في آخر جدول أعمال الحكومات والدول. تفرض اللحظة الراهنة أن نلتفت لهذا التدهور الذي نحن عليه، وأن نعمل على وضع الحصان أمام العربة، وننظر إلى التعليم، باعتباره أولوية الأولويات. فمجتمعات بدون معرفة هي مجتمعات، عمياء لا يفضي بها الجهل، في نهاية المطاف، إلا للِضَّلال والتَّطَرُّف، والسِّحْرُ، حتماً، لا ينقلب إلاَّ على السَّاحِر.
(*) أستاذ وشاعر


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.