حين قال فيلسوف فرنسا الأكبر ، ديكارت ، مقولته الشهيرة "أفكر ، إذن أنا موجود" ، كان في الحقيقة يعبّر عن حالة من الحالات الوجودية التي تنتاب الإنسان كلما ضاق به الحال والمجال ، وهو يبحث عن حلّ لمسألة الوجود . تلك المقولة تتأسّس عليها ما سمّاه "فكرة الكوجيتو" ، وهي المقولة الواردة في مؤلّفه الشهير "خطاب المنهج " الذي يسرد فيه حياته وكذا الطريقة التي اعتمدها من أجل إثبات يقين وجوده ، وُصُولاً إلى تأسيس ميتا فيزيقيته. كان الرجل يبحث عن الحقيقة :حقيقة وجوده ؛ حقيقة معرفته وحقيقة "الحقائق" التي ظل يقرأها ويسمعها وتدخل إلى رأسه ،وتتسرّب إلى دماغه ، بدون استئذان ، حتى أصبح خاضعا لها كل الخضوع ، وهو لا يعرف أيّ شيء عنها سوى أنه تلقّاها من البيت والشارع والمدرسة . هذا الوضع خلق لديه عِراكاً داخليا، مع نفسه، لا شكّ أنه كان توطئة لما ظهر بعد ديكارت من أفكار ومدارس فلسفية وجودية . في هذا السبيل، سيأخذ ديكارت على نفسه إقامة أساس يبني عليه المعرفة بهدف الوصول إلى مجموعة ما تلقّاه من "حقائق " من الآخر من دون أدنى تفكير ولا تمحيص ولا تدقيق فيها .ولكي يصل إلى هدفه اختار منهجين : الأول هو منهج الشّكّ الشك المنهجي وليس الدوغمائي ثم شك الزئقبية العبقرية (إذا جاز التعبير). كل هذا لكي يصل في الأخير إلى يقين الوجود الذاتي أو وجود الذاتية . بمعنى آخر ، وضع ديكارت كل ما تلقاه من معارف ومعلومات وآراء موضع شك ، ليتّضح له أنه لم يبق له أمامه سوى نفسه ذاته التي تشك. ولكي تشك ينبغي أن تفكر. والنتيجة: أنا أشك، أنا موجود.وأنا أفكر، فأنا موجود . هذه الجدلية هي التي سينتج عنها "الكوجيتو" الديكارتي المعروف. مع ذلك ، لن يقف ديكارت عند هذا الحد ، بل سيفترض أن هناك قوة غير ظاهرة تخدعه إلى حد أنها تجعل من التصورات الخاطئة شيئا حقيقيا .وما دام أنه يمكن خداع (الشخص) بهذا الشكل ، فإن له القدرة على استبعاد وإلغاء الأحكام الخاطئة . وهذا الإلغاء هو عملية فكرية تؤكد الوجود الذاتي للشخص الذي لا يمكن الشك أو الطعن فيه . مرت قرون على جدلية ديكارت (المثالية ) التي أثبت من خلالها وجوده من خلال تفكيره ، لتطفو على السطح في يوم من أيام القرن الحادي والعشرين جريدة مغمورة ومحدودة النشر والانتشار ، تحمل اسم "شارلي إيبدو"، من نفس الأرض التي أنجبت عباقرة في الفكر والفن والآداب الفرنسي في أبعاده الإنسانية ، وتتحمّل عِبْءَ نقل باريس الأنوار إلى باريس الظلام . لم تحاول "شارلي" أبدا أن تطرح السؤال : هل أنا أفكّر؟ وإذا كنت أفكر ، هل أنا موجود ؟ وكيف تُثْبِتُ وجودها ؟ لقد اختارت الطريق السهل الذي لا مكان فيه للتساؤل فبالأحرى التفكير والبحث والتأمُّل . لم تستطع أن تخوض غمار الشكّ المنهجي ، فسقطت في فوضى وعبثية الشك المذهبي الذي لا يفيد شيئا بقدر ما يدفع إلى المزيد من التّطرُّف والغُلُوّ. ولعلّ النفخ فيها من خلال إخراج شعار "أنا شارلي" ، في حملة ظاهرها الحق وباطنها الباطل ، ساهم في تأليب الرأي العام على المسلمين في فرنسا ،بلد الأنوار ، وفي باقي العواصم الغربية التي لا تنطفئ فيها الأنوار . لو دعت "شارلي" يوما الفرنسيين وأنَّى لها هذه القدرة إلى إعادة سؤال جَدِّهِم ديكارت "أنا أفكر " ، ولو بذلت مجهودا من أجل تجديد "الكوجيتو" الديكارتي ،لوصلت معهم إلى اليقين : إِثْبَاتِ وجودها الحقيقي وليس الافتراضي أو الْمُتَخَيَّل ، وإلى إثبات مثاليتها وجدارتها . لأنّها عجزت عن ذلك لانعدام الأدوات المعرفية الضرورية ، فقد وجدت في "أنا شارلي" طوق النجاة الذي أنقذها ممّا كانت فيه من تيه وتلف وعبث جعل أنوار باريس تُطْفَأ ،وتعيد الفرنسيين إلى عهود الظلمات الغابرة .هكذا تم تحويل مقولة "أنا أفكر ، إذن أنا موجود " إلى شعار "أنا افكر اذن انا شارلي ،وبالتالي انا شارلي اذن أنا فرنسي" .وشتّان بين النور والظلام . من هذه الظلامية استدعاء طفل ، لا يتجاوز عمرة ثمان سنوات ، للاستماع إليه من طرف شرطة مدينة نيس الفرنسية ، لأنه رفض الوقوف دقيقة صمت والمشاركة في تجمّع تضامني ،داخل المدرسة ، مع العزيزة "شارلي ".وتقرر متابعته بتهمة الإشادة بالإرهاب . ولا يهم أن يعيش الطفل وأسرته تحت وقع الصدمة بسبب هذا التعامل "الإنساني" الذي يدل على الهيستيريا الجماعية التي سقطت فيها فرنسا بسبب ... "شارلي" في الوقت الذي كان عليها البحث عن وجودها على المنهجية الدّيكارتية المثالية وليس العبثية .