منذ مدة، يلاحظ المتتبعون للشأن المحلي بإقليمتيزنيت غياب عامل الإقليم عبد الرحمن الجوهري عن الواجهة، بعد أن كان قد جال الإقليم طولا وعرضا مباشرة عقب تعيينه، في حضور ميداني مكثف رافقته وعود بالحزم وربط المسؤولية بالمحاسبة، قبل أن يتوارى هذا الحضور في لحظات دقيقة يعيشها الإقليم على وقع اختلالات بنيوية وتداعيات التساقطات المطرية الأخيرة. الأمطار الأخيرة لم تكن مجرد اختبار للبنية التحتية، بل تحولت إلى مرآة عاكسة لغياب السلطة الترابية الأولى بالإقليم، مقارنة بعمال أقاليم أخرى خرجوا إلى الميدان، عاينوا الأضرار، وأصدروا تعليماتهم العاجلة، في تجسيد فعلي لمفهوم القرب وربط المسؤولية بالمحاسبة. غياب العامل الجوهري لم يمر دون إثارة تساؤلات لدى الرأي العام المحلي، خاصة وأنه، مباشرة بعد تنصيبه، قدم نفسه كرجل حزم، متعهدا بالتصدي لكل أشكال الفوضى وخرق القانون، دون تمييز أو مجاملة. بل ذهب أبعد من ذلك حين وزع رقم هاتفه الشخصي خلال لقاءات رسمية بعدد من الجماعات، مصرحا بالحرف: "الباب مفتوح، والتلفون مفتوح ، واللي عندو شي ملف مرحبا به". غير أن مرور الوقت كشف، تراجعا واضحا عن تلك الوعود. لا هاتف يستقبل الشكايات، ولا باب مفتوح كما تم الترويج له، ولا زيارات ميدانية منتظمة للوقوف على أوضاع الساكنة . كما لوحظ غياب عامل الإقليم عن عدد من الاجتماعات الرسمية، آخرها دورة المجلس الإقليمي، حيث كلف الكاتب العام بالحضور نيابة عنه. مواطنون حضروا لقاءات ما بعد التنصيب، استبشروا خيرا بما سمعوه، وشرعوا في إعداد ملفات تتعلق بشبهات اختلالات وفساد، على أمل عرضها على عامل الإقليم. في البداية، تم استقبال بعض حاملي الملفات والتفاعل مع عدد محدود منها، قبل أن تتغير الصورة، ليصبح مكتب الضبط وجهة يومية لعشرات الشكايات القادمة من مواطنين ومستثمرين، انتهى مصيرها، حسب تعبير أصحابها، إلى رفوف الانتظار الطويل. وفي هذا السياق، كشف شاب من شباب مدينة تيزنيت، خلال نشاط رسمي خُصص لتوزيع تجهيزات لفائدة شباب حاملي المشاريع، معطيات خطيرة ، تتعلق بتجهيزات تسلمها المستفيد، والممولة من المال العام. وأكد الشاب، أمام عامل الإقليم، أن هذه التجهيزات لا ترقى من حيث الجودة ولا المواصفات إلى القيمة المالية المرصودة لها، واصفاً إياها بتجهيزات ضعيفة وذات جودة رديئة، مقابل أثمنة مرتفعة تثير شكوكا حول مساطر الاقتناء والمراقبة. عامل الإقليم وعده باستقباله لاحقاً من أجل الاستماع إليه والوقوف على مكمن الخلل وفتح تحقيق في الموضوع، غير أن ذلك الوعد لم يُفَعَّل على أرض الواقع، إذ لم يتم فتح أي تحقيق معلن، كما لم تتم معالجة الإشكال المطروح. بل إن الشاب، وفق ما أفاد به، تعرض لاحقاً لمضايقات بعد إثارته لهذا الملف، ما يطرح علامات استفهام حول واقع حماية المبلغين عن شبهات الفساد. وفي ملف آخر لا يقل دلالة، كشفت شكايات مواطنين عن خطر انهيار منزل في طور الإنجاز بإحدى التجزئات السكنية، ما استدعى تدخل السلطات وتشميع البناء. غير أن الاكتفاء بإجراء التشميع، دون فتح تحقيق معمق في ظروف الترخيص ومساطر التعمير، فوت فرصة كشف "غابة من الاختلالات" التي تطبع قطاع التعمير بالإقليم، خاصة وأن الملف، كان كفيلا بفضح شبكات تستفيد من خروقات ممنهجة. ويذهب بعض الفاعلين المحليين إلى اعتبار أن تراجع عامل الإقليم عن بعض القرارات التي سبق أن اتخذها في ملفات معينة، يشكل مؤشرا إضافيا على حجم الضغوط التي تمارسها لوبيات نافذة، نجحت، بحسبهم، في التأثير على مسار عدد من القضايا، وإفراغ قرارات كانت توحي بالحزم من مضمونها. وأمام هذا الوضع، يظل سؤال الحكامة الترابية وحضور السلطة في لحظات الأزمات مطروحا بقوة، كما يظل الرأي العام المحلي في انتظار توضيحات رسمية تضع حدا لحالة الغموض، وتعيد الثقة في دور الإدارة الترابية، خاصة في إقليم يزخر بالمؤهلات، لكنه يئن تحت وطأة اختلالات مزمنة، لم يعد الصمت بشأنها مقبولا.