لم تكن الواقعة التي ظهر فيها والي جهة كلميم وادنون، محمد الناجم بهي، وهو يتجاهل مصافحة أحد منتخبي حزب العدالة والتنمية، حدثاً عابراً في مدينة اعتادت التوتر الصامت بين ممثلي السلطة وسكانها، بل تحولت بسرعة إلى رمز لطريقة تسيير باتت موضع تشكيك واسع، خاصة بعد أن تبين للرأي العام أن هذا السلوك ليس معزولاً، وأنه سبقه قبل أشهر حادث ضبطته الكاميرات داخل اجتماع رسمي حين قام الوالي بوخز رئيسة الجهة بطريقة وصفت بالمهينة والمستفزة، دون أن يصدر عن الولاية أو وزارة الداخلية أي توضيح أو إقرار أو حتى اعتذار. وبينما حاول البعض التقليل من أهمية الواقعتين، تمسّك آخرون باعتبارهما تعبيراً دقيقاً عن علاقة غير صحية بين السلطة الترابية والمنتخبين، علاقة يتداخل فيها الطابع السلطوي القديم بمنطق التحكم في القرار المحلي، وهو منطق يعود بالمدينة، في نظر كثيرين ، إلى عهود لم تكن فيها أصوات المواطنين ولا المؤسسات المنتخبة ذات قيمة تذكر.
هذا الشعور تعمّق أكثر مع توالي الشهادات القادمة من داخل الإقليم نفسه، والتي تصف الوالي بأنه قليل الانخراط في الملفات التقنية، يميل إلى عدم التواصل، ويُعرف بعدم انتظامه الإداري وتفضيله نمط حياة أهل البادية في ثقافة "البيضان"، وهو ما جعل تدبير الشأن الترابي يسير بوتيرة شخصية مزاجية ضيقة بدل منطق المؤسسة. ومع مرور السنوات، أصبح سكان كلميم يتساءلون عن جدوى استمرار نفس الوالي في منصبه لتسع سنوات كاملة، في وقت تشهد فيه المدينة والإقليم عموما تراجعاً واضحاً في مؤشرات التنمية وتفاقماً في نسب البطالة، وتردي للخدمات العمومية، وتدهورا لبنية تحتية مهترئة أصلا، مع "ترقيع" لبعض الواجهات، وفي المقابل تناسلا للمواقع والصفحات على المواقع الاجتماعية التي تمجد الوالي وتشيد بعهده، بينما يرى آخرون أن ما تشهده المدينة والإقليم من سوء تدبير هو امتداداً لسلسلة طويلة من السياسات التدبيرية لمسؤولي السلطة الذين مرّوا على الإقليم وتركوا وراءهم تركة سلبية ثقيلة، من العامل عمر أكوداد الذي طبع مرحلة الثمانينيات بسياسات أمنية قاسية، إلى الوالي علي كبيري الذي ارتبط اسمه بانتشار الفساد وتوسع نفوذ "الأعيان" المحليين. ما بين إرادة التعطيل والخوف من المحاسبة الجدل الذي خلفه حادث "المصافحة"، وردود الفعل الشعبية على منصات التواصل الاجتماعي، ليس سوى القشة التي قصمت ظهر البعير، كما يقال، إذ أظهرت وثائق برلمانية صادرة عن خمسة أحزاب مختلفة هي الاستقلال، العدالة والتنمية، التجمع الوطني للأحرار، الأصالة والمعاصرة ، أن أزمة الثقة بين الولاية والمؤسسات المنتخبة بلغت مستوى مؤسساتياً غير مسبوق في عهد الوالي الحالي. فقد وجّه نواب ومستشارون من مختلف الانتماءات السياسية أسئلة كتابية مباشرة إلى وزير الداخلية، تتساءل جميعها عن الأسباب التي جعلت مشاريع تنموية موجهة لامتصاص بطالة الشباب تُجمّد لسنوات داخل الولاية دون أن تجد طريقها نحو التنفيذ، رغم وجود اعتمادات مالية مرصودة في إطار المرحلة الثالثة من المبادرة الوطنية للتنمية البشرية. وتكشف هذه الأسئلة المتعددة ، التي اطلع عليها موقع "لكم" ويتوفر على نظائر منها، والمتقاربة في مضمونها رغم اختلاف الأحزاب التي صدرت عنها ، عن صورة متكررة مفادها أن "منصة الشباب"، التي تمثل العمود الفقري وآلية تنفيذ سياسة دعم المقاولات الناشئة، بقيت رهينة مكاتب الولاية التي امتنعت عن إحداث مقر مستقل لها في كلميم منذ 2019، في تناقض مع التوجيهات الملكية الواضحة. كما تفيد الوثائق بأن مبالغ مهمة تراكمت لسنوات داخل صندوق المبادرة دون صرف، قدرتها مصادر فعاليات شبابية بملايين الدراهم، وأن صرف الجزء الذي خرج إلى الوجود تم عبر اتفاقيات موجهة إلى جمعيات محددة داخل شبكة علاقات مرتبطة بالولاية، في وقت ظل فيه شباب الإقليم يعيشون أعلى نسب البطالة في المغرب، تتجاوز34 %حسب الأرقام الرسمية للمندوبية السامية للتخطيط، بينما تتصدر كلميم وادنون قائمة أكثر الجهات فقراً وهشاشة في المغرب. أزمة "منصة الشباب"، ليست سوى الجزء الظاهر من جبل الجليد، لأن الأزمات تكاد تطال جميع القطاعات داخل الإقليم، بل وطاولت على جماعة عاصمته كلميم، التي اضطرت بعد أربع سنوات من الصمت وبعد أن طفح بها الكيل، إلى مراسلة وزارة الداخلية لموقف تدخل الوالي في اختصاصاتها القانونية التسييرية والتدبيرية، وتعطيل مشاريعها واستثماراتها الحيوية، ورفض التفاعل مع مراسلاتها وحجز بعض وثائقها الإدارية في مكاتب الولاية منذ انتخاب المجلس سنة 2021، ما اضطر وزارة الداخلية إلى إرسال لجنة تفتيش مركزية، أعقب وصولها إفراج الولاية المفاجئ عن ملفات وإجراءات كانت مجمدة منذ سنوات، في خطوة فسّرها منتخبون باعتبارها دليلاً إضافياً على وجود إرادة لتعطيل عمل المؤسسات المنتخبة وليس مجرد سوء تدبير عرضي. كما فسرها آخرون بكون الوالي الذي يٌنظر إليه بأنه "مدعوم" من جهات في المركز، يخضع هو نفسه للضغط ويستجيب تحت هاجس الخوف من المساءلة والمحاسبة. أرقام رسمية تشهد على سوء التدبير في عرض رسمي حول برنامج التنمية الترابية المندمجة بإقليم كلميم، تم تقديمه مؤخرا بمقر الولاية وبحضور الوالي، كشف عن تراجع مؤشرات التنمية في عدد من القطاعات الأساسية خلال السنوات العشر الأخيرة، وهي الفترة التي تولّى فيها الوالي محمد الناجم بهي الإشراف على الإقليم، وذلك رغم حجم الاستثمارات العمومية التي تجاوزت 10 مليارات درهم ما بين 2015 و2023. وتشير الوثيقة، التي يتوفر موقع "لكم" على مضامينها، إلى أن الإقليم الذي يضم نحو 196 ألف نسمة موزعين على 20 جماعة، استفاد من تنفيذ 1069 مشروعاً في مجالات متعددة، غير أن بعض هذه المشاريع ظل مجرد حبر على ورق مثل "مجزرة المدينة" (المجزرة الحالية قديمة ولا تستجيب لأدنى الشروط الصحية) و"حامة أباينو" (كانت معلمة سياحية في الماضي ياتيها السياح من خارج المغرب)، أو تم تعطيل إنجازها لعدة سنوات لأسباب غامضة مثل المستشفى الجامعي للمدينة، أو مشاريع أنجزت ولم تفتح للاستغلال وتركت تتآكل بناياتها أشعة الشمس وتدروها رياح الشركي القوية والحارة، وحتى تلك الاستثمارات التي نفذت فقد ظلت آثارها محدودة وغير قادرة على تحسين جودة العيش أو معالجة الاختلالات الهيكلية التي تعيق التنمية. ويورد التشخيص أن السياسة التنموية المعتمدة خلال العقد المنصرم لم تُفلح في تعزيز النسيج الاقتصادي المحلي، الذي بقي ضعيفاً وغير قادر على خلق فرص شغل تُواكب ارتفاع معدل البطالة المتجاوز للمعدل الوطني. وينبه التقرير إلى صعوبات مرتبطة بتعبئة العقار المخصص للاستثمار، وبضعف الجاذبية الاقتصادية، على الرغم من الموقع الاستراتيجي للإقليم الرابط بين شمال المبلاد وجنوبها وامتلاكه واجهة بحرية تمتد على 170 كيلومتراً (قامت السلطة بمصادرة جميع أراضي الجموع المطلة والقريبة من الشاطئ ومنعت أي استثمارات بها). وفي قطاع التعليم، ورغم نسب التمدرس المرتفعة، ما يظهر وعي الناس بأهمية تدريس أبنائهم، يحذر التقرير من استمرار الهدر المدرسي، خاصة في السلكين الإعدادي والثانوي، بما يعكس اختلالات في استمرارية التمدرس وجودته، خصوصاً في الوسط القروي. أما الخدمات الصحية، فيسجل التقرير خصاصاً بنيوياً في البنيات والتجهيزات الأساسية، وغياب بنية استشفائية متخصصة في علاج الأورام والأمراض المزمنة، مما يدفع السكان إلى البحث عن الرعاية في مدن أخرى، إلى جانب افتقار عدد من المراكز القروية لبنيات العلاجات الأولية. يحدث هذا في الوقت الذي رخّصت فيه مصالح الولاية لعيادة خاصة أنجزت في ظرف قياسي وحظي افتتاحها باحتفال رسمي رأسه الوالي وكأن الأمر يتعلق بنشاط رسمي عمومي! كما يشير نفس التشخيص، الرسمي، إلى أن الوضعية المائية بالإقليم تعرف عجزاً سنوياً يفوق 44 مليون متر مكعب، نتيجة الاعتماد الكبير على الفرشة الجوفية التي يوجه جزء منها إلى سقي ضيعات فلاحية تنتج مواد زراعية موجهة للتصدير مثل "الطماطم الكرزية" أو "الطماطم الصغيرة"، يملكها ملاك نافذون يقطنون خارج الإقليم، يضاف إلى ذلك توالي سنوات الجفاف، فيما تتزايد آثار التغيرات المناخية على المجال الواحاتي والمراعي بشكل مروع ومخيف. كما يكشف التقرير أن 40 في المئة من شبكة التطهير السائل داخل المجال الحضري تتطلب تأهيلاً، وأن معظم المراكز القروية ما تزال من دون شبكات للصرف الصحي، علما أن نسبة الأربعين في المائة من الشبكة أنجزها المواطنون على حسابهم الخاص وأحيانا بطرق بدائية تستدعي إعادة بنائها لأنها مهددة كل مرة بالتعطل والانفجار في حال تعرض المدينة لفياضانات. في المقابل تبقى المساحات الخضراء والساحات العمومية، داخل عاصمة الإقليم والجماعات التابعة له، أقل بكثير من المعدل الوطني رغم توفره على التربة والملائمة والأشجار التي تلائم طبيعة مناخه الجاف وفرشته المائية الرطبة. أما على مستوى قدرات الإنارة العمومية والمحولات الكهربائية، فقد سجل التقرير ضعفا كبيرا في هذا المجال إضافة إلى خصاص في المنشآت المخصصة للحماية من الفيضانات. ويخلص التقرير الرسمي إلى أن جزءاً كبيراً من المشاريع المنجزة لم يحقق الأثر المرجو على حياة السكان اليومية، إذ يعزو محدودية النتائج إلى اختلالات في المقاربة التدبيرية المتبعة وعدم قدرة البرامج المنفذة على تحويل الاستثمارات العمومية إلى تحسن ملموس في التربية والصحة والشغل والبنيات الأساسية. شباب غاضب ومدينة منهكة بين تعطل منصّة الشباب، وتجميد المشاريع الجماعية، وعدم انعكاس المشاريع التي التهمت ملايير الدراهم على حياة الساكنة، وغياب التواصل المؤسساتي، تراكمت الأسباب التي دفعت الآلاف من شباب كلميم إلى الخروج إلى الشارع خلال احتجاجات "جيل زد"، التي اجتاحت مدناً مغربية عدة في خريف 2025. غير أن كلميم كانت من المدن التي شهدت أقوى موجة احتجاجية في الجنوب، بسبب الخيبة العميقة المتراكمة وسط شبابها الذين ظلوا ينتظرون برامج الدعم المعلنة رسمياً منذ أربع سنوات، دون أن يروا منها سوى إعلانات بلا أثر على الأرض، بينما تستمر الأسعار في الارتفاع ويزداد وضع المدينة هشاشة ما دفع الكثير منهم إلى المغامرة لعبور المحيط الأطلسي في اتجاه جزر الكناري لإنقاذ أنفسهم من براثن الفقر والتهميش والبطالة. وفي غياب موقف رسمي واضح من وزارة الداخلية بشأن استمرار تردي الوضع داخل واحد من أهم الأقاليم التاريخية بالجنوب المغربي، وعدم وجود تفاعل مع الشبهات التي تنتاب طريقة التسيير التي عبرت عنها مراسلات رسمية وأسئلة برلمانية، أو مآل تقرير لجنة التفتيش التي بعثتها الوزارة الوصية، يتسع إحساس عام بأن المدينة أصبحت عالقة بين سلطة ترابية تشتغل خارج منطق الشفافية والرقابة بل وخارج منطق الزمن، ومؤسسات منتخبة هشة وضعيفة تحاول إثبات وجودها، خاصة مع اقتراب الانتخابات، دون أدوات فعلية، وسكان يجدون أنفسهم محاصرين بين البطالة والتهميش والغلاء وغياب الأفق. هكذا، لم تعد القضية مجرد حادثة "مصافحة" لاقت استهجان الرأي العام المحلي والوطني، بل تحولت إلى مرآة تعكس أزمة أعمق تتعلق بمستقبل الحكامة المحلية في الجنوب المغربي، وبقدرة الدولة على إعادة بناء الثقة مع فئات شابة تشعر بأنها تُركت في الهامش، في منطقة ينبغي أن تكون جسراً للتنمية والاستقرار نحو الصحراء، لا بؤرةً للغضب والانتظار. تداعيات على صورة الحكم الذاتي النقاشات المرتبطة بسوء تسيير جهة كلميم واد نون، تأتي في وقت يزداد فيه الاهتمام الدولي بالنموذج التنموي في الأقاليم الجنوبية، وسط تأكيد مجلس الأمن في قراره الأخير على "جدية ومصداقية" المقترح المغربي للحكم الذاتي. ويرى مراقبون أن الاختلالات المسجلة في جهة كلميم،الموصوفة رسمياً ب"باب الصحراء"، لا تساعد على تقديم نموذج محلي يعزز هذا المسار. ويعتبر هؤلاء أن تعثر المشاريع وتوتر العلاقة بين الولاية والمنتخبين وتفاقم البطالة عوامل من شأنها أن تضعف الرسالة التنموية التي تراهن عليها الدولة في المنطقة. وبالنسبة للمراقبين أنفسهم، فإن وضع كلميم "يتجاوز حدود مدينة تعيش صعوبات تنموية" ليطرح سؤالاً أوسع حول قدرة نماذج الحكامة المحلية على مواكبة الدينامية السياسية التي يستند إليها مشروع الحكم الذاتي، في لحظة تُعدّ حساسة بالنسبة لملف "القضية الوطنية الأولى" على الصعيد الدولي.