لم يقدم الفيلسوف كارل ماركس طرحًا غريبًا حين صاغ نظرية الحتمية التاريخية، كما أننا نُعد واهمين حين نؤمن بإطلاقها في عصر تجاوز الماركسية نحو مسارات الواقعية السياسية، مستفيدًا في الوقت ذاته من نقاط قوة تنظيرات الماركسيين، ومتجاوزًا جوانب قصورها. لذلك يصرح هذا المقال منذ بدايته بأنه محاولة أولية لبناء نموذج تفسيري يبرر التنبؤ الذي يتضمنه. يُظهر التاريخ السياسي للمغرب أن هناك ايمانًا عميقًا لدى المغاربة بسلطة الملكية بشكل ثابت ومترسخ إلى حد يصعب تصوره. ويتجلى هذا بوضوح في مسار الفعل الاحتجاجي المغربي، حيث تتعرض معظم المؤسسات الرسمية للنقد اللاذع، باستثناء المؤسسة الملكية التي تحظى باحترام وتقدير واسعين. ومع ذلك، يُلاحظ أحيانًا صدور تصريحات محدودة تشجع المؤسسة الملكية على تبني مواقف أكثر صرامة تجاه الفساد ومن يقفون وراءه. تُبرز الاحتجاجات التحول الاجتماعي والسياسي الذي يعيشه المغاربة، خصوصًا الجيل الجديد الذي اعتقدت بعض الأجندات السياسية أنها نجحت في ترويضه وضمان ولائه الدائم. غير أن الواقع السياسي الراهن يكشف عن صراع خفي داخل ما يمكن تسميته ب"العلبة السوداء"، صراع لا يمكن تحديد طبيعته أو الخوض في تفاصيله لغياب المعطيات الميدانية الدقيقة. فالباحث العلمي لا يبني استنتاجاته على الانطباعات أو الميول الشخصية، حتى وإن كان يشعر بوجود حراك غامض يثير تساؤلاته حول اتجاهات القوى الفاعلة في المشهد السياسي المغربي. في هذا السياق المحلي وتشابكاته الدولية بما تحمله من ضغوط وتأثيرات، تدرك الدولة وخبراؤها مفهوم الحتمية التاريخية التي تؤكد أن ما يجري اليوم في المغرب ليس صدفة، بل نتيجة منطقية لتفاعل العوامل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي رافقت تطور المجتمع المغربي. هذه الصورة التي تبدو في ظاهرها مبعثرة تزداد وضوحًا عندما يترسخ الاعتقاد بأن التاريخ يسير وفق منطق يمكن استشرافه متى أُدركت القوى المحركة له. انطلاقًا من هذا الفهم، لا يُعتبر الفعل الاحتجاجي المغربي هو المحرك الأساس للتاريخ، كما أشار إلى ذلك الخطاب الملكي الأخير الذي لم يتناول الاحتجاجات بشكل مباشر، وهو ما يعكس مجددًا مركزية المؤسسة الملكية وثبات موقعها في البنية السياسية. إن المحرك الفعلي للتاريخ هو الظروف المادية والاقتصادية التي يعيشها المواطنون، والتي تشكّل الأساس الموضوعي لسلوكهم الجماعي. فالجماهير غالبًا ما تتحرك بدافع المشاعر والانفعالات لا بحسابات عقلانية أو براغماتية دقيقة لمآلات الأحداث. من هذا المنظور، لم يكن مستغربًا أن يتوقع بعض المحتجين أن يقدم الملك على إقالة الحكومة، رغم أن هذا الإجراء يظل معقدًا من الناحية الدستورية والسياسية. وأي نقاش حوله يتطلب قراءة متعمقة للدستور من زاوية علم السياسة بما يحمله من اعتبارات عملية واستراتيجية، لا من منظور قانوني صرف يكتفي بالنصوص دون سياقاتها الفعلية. نترك جانبًا الوضع العام لننتقل، بشكل مقصود ومباشر، إلى قضية الصحراء وخصوصياتها المعقدة. يمكن في هذا السياق تسجيل ثلاث ملاحظات أساسية: أولًا: أصبح المغرب اليوم يتعامل مع الصحراء بوصفها جزءًا عاديا من ترابه الوطني، لا باعتبارها إقليمًا استثنائيًا أو ذا وضع خاص. هذا التحول في المقاربة واضح من خلال السياسات العمومية والممارسات الإدارية التي تسعى إلى دمج هذه الأقاليم الجنوبية في المنظومة الوطنية بنفس المعايير المطبقة على باقي الجهات. ولعل المثال البسيط المعبر عن هذا التوجه ما حدث بعد جائحة كورونا، حيث كان العديد من السائقين في مدن الصحراء لا يلتزمون بوضع حزام الأمان، إلى أن صدر قرار صارم بفرض العقوبات، فاستقرت هذه المدن على نفس درجة الانضباط التي تعرفها باقي مناطق البلاد. هذا المثال، وإن بدا بسيطًا، يكشف عن تحول رمزي يعكس إرادة الدولة في نزع الطابع الاستثنائي عن المنطقة، ويؤكد انتقالها إلى مرحلة ترسيخ قوة القانون وآليات الردع باعتبارها أدوات انتظام واندماج. ثانيًا: وصلت القوى التقليدية المهيمنة في الأقاليم الجنوبية، تحت إشراف الدولة، إلى ذروة نفوذها السياسي والاجتماعي. هذا الوضع ينسجم مع ما طرحه ابن خلدون حول الدورة الطبيعية للعصبيات، إذ تعقب ذروة القوة مرحلة الاضمحلال، حين تبدأ هذه القوى بمنافسة السلطة المركزية على الشرعية السياسية وعلى احتكار الموارد الاقتصادية والاجتماعية. يُظهر التاريخ السياسي المغربي أن الدولة لا تتسامح مع ظهور "المنافس الخادم"، أي تلك القوى التي تُبدي ولاءً ظاهريًا للدولة بينما تمارس، في الواقع، نفوذًا ميدانيًا ينازعها السلطة في المستويات المحلية. فهذه البُنى التقليدية تمتلك مفاتيح المال والسلطة وتوزعهما على من تختار، وتحجبهما عمن تشاء، مما يمنحها قدرة على التحكم في المجالين السياسي والاجتماعي. كما أن قدرتها على التأثير في الإدارات المحلية أو استمالة المراقبين الرسميين –سواء بالمال أو بضغط الشارع– تعمق من استقلاليتها غير المعلنة. ويُعد حدث "مخيم إكديم إزيك" نموذجًا دالًا على هذا الصراع الرمزي بين سلطة مركزية تسعى إلى ضبط المجال، وسلطة محلية تسعى إلى ترسيخ نفوذها ومشروعية وجودها. ثالثًا: تفكر الدولة اليوم، بمعية خبرائها، في بلورة بدائل جديدة على المستوى الوطني، وتعمل على اختبارها تدريجيًا في الصحراء. هذا التوجه يشبه –على نحو رمزي– إلقاء حجر في بحر الصحراء العميق لقياس عمقه قبل اتخاذ قرار الغوص الكامل فيه. فالمقاربة الحالية تقوم على الحذر المنهجي، أي اختبار البدائل قبل تعميمها، لضمان الانتقال الآمن من مرحلة إلى أخرى دون صدمات سياسية أو اجتماعية غير محسوبة. يدور داخل مؤسسات الدولة نقاش مستمر حول سبل تجاوز إرث الماضي وبناء مقاربة جديدة تقوم على الاستباق لا على ردّ الفعل. من خلال ذلك، تسعى الدولة إلى التأكيد على قدرتها على التغيير وفق منطقها الخاص، لا تحت ضغط أي قوة داخلية أو خارجية، مهما كان حجمها أو تأثيرها. على هذا الأساس، يمكن صياغة ثلاث استنتاجات محورية تسعى إلى مقاومة الزمن لتتحول إلى فرضيات علمية قابلة للاختبار في المستقبل: أولًا: يبين التاريخ السياسي المغربي أن الدولة، ومعها خبراؤها، تُظهر إعجابًا خاصًا بالمثقفين المستقلين الذين يمتلكون وعيًا نقديًا يمكنهم من فهم طبيعة اللعبة السياسية دون الانخراط المباشر فيها. غير أن هذا الإعجاب يترافق دائمًا مع قدر من الحذر، بل الخشية، من صعوبة إخضاع هؤلاء المثقفين لسلطة الدولة. فالنظام السياسي في المغرب –كما في أغلب الملكيات التنفيذية– لا يفضل المثقف المستقل أو صاحب المسار العلمي المتميز بقدر ما يميل إلى استقطاب الكفاءات التكنوقراطية والسياسيين الذين يجيدون تنفيذ التوجيهات دون مناقشتها، حتى في سرهم. ويبرز هذا النمط من العلاقة في تجارب متعددة، من أبرزها تجربة الوزير إدريس البصري الذي شكل نموذجًا واضحًا لاحتكار القرار والتعامل المباشر مع الملفات الحساسة باسم الدولة. غير أن تجربته تُظهر أيضًا حدود هذا النموذج، إذ ما إن تعارضت مصالحه مع التوجهات السياسية للنظام حتى انتقل إلى موقع المعارضة من خارج المغرب، في تحول يعكس هشاشة الولاء عندما يُبنى على الامتياز لا على القناعة الفكرية. ثانيًا: اللحظة الفاصلة على الصعيدين المحلي والدولي لم تعد بعيدة بالنسبة لتطلعات صناع القرار السياسي في ملف الصحراء. هؤلاء لا يمكنهم تقديم بدائل فعالة من خلال آليات تقليدية أو جلباب سياسي قديم، بل ستُفرض إعادة بناء المشهد السياسي في المنطقة نتيجة ضغوط خارجية. وستوفر الانتخابات المقبلة في 2026 مؤشرًا واضحًا للمسار الذي ستتبناه الدولة وخبراؤها، والوسائل التي سيعتمدونها لمعالجة الوضع قبل وأثناء وبعد اعتماد أي بديل. كثير من المحللين يغفلون عن الدينامية المتبادلة بين الوضع في الصحراء والوضع في المغرب ككل. أي حركة احتجاجية بسيطة في الصحراء، إذا تفاعل معها المواطنين، قد تُحدث تغييرات في التفسيرات الإعلامية وفي الخطاب العام. وقد أشار أحد المشاركين في ندوة مركز عبد الرحمن بوعبيد إلى أن الديمقراطية الحقيقية في المغرب يمكن أن توفر أدوات لحل معظم الأزمات، بما في ذلك ملف الصحراء. يبقى الوضع معقدًا بسبب استمرار هيمنة القوى التقليدية المسيطرة والعسكريين وممثلي القرار المركزي والمسؤولين المدنيين. هذا التشابك يجعل فهم الملف تحديًا بحد ذاته، ناهيك عن إمكانية التوصل إلى حلول عملية. ثالثًا: تتجه الدولة، بمعية خبرائها، نحو إعادة صياغة نموذج السلطة والحكم في المغرب من خلال تجديد النخب، وصناعة بدائل أكثر مرونة، والتأقلم مع التحولات الوطنية والدولية المتسارعة. غير أن السؤال الجوهري يظل: كيف يمكن تحقيق ذلك؟ تتعدد الرؤى، وتتباين المقاربات، ويزداد معها القلق من حجم التحولات المطلوبة. في المقابل، يتصاعد الطلب المجتمعي على تجديد الحياة السياسية في الصحراء، إذ لم يعد مقبولًا أن تبقى المنطقة رهينة نفس النخبة التقليدية المسيطرة دون بروز كفاءات جديدة تعبر عن الجيل الصحراوي الصاعد وتمثل تطلعاته. إن التأخر في التفاعل الواقعي مع المستجدات الوطنية والإقليمية قد يؤدي إلى بروز موجات احتجاج جديدة في الصحراء، تستعيد روح التعبئة الجماهيرية واستغلال الفضاء العمومي كمنصة للتعبير السياسي. هذا الاحتمال يجد تفسيره ضمن منطق الحتمية التاريخية الذي يؤكد أن أي تباطؤ في الاستجابة لمطالب المجتمع يخلق بالضرورة ديناميات احتجاجية جديدة. لذا، فإن الرهان الحقيقي أمام الدولة وخبرائها هو الانتقال من إدارة الأزمات إلى صناعة الحلول، عبر بناء بدائل اجتماعية واقتصادية وسياسية واقعية، والتعامل مع ملف الصحراء بمنطق تفاوضي فعلي يتجاوز الخطابات الشعبوية الموجهة للاستهلاك الإعلامي.