الدار البيضاء…توقيف شخصين وحجز ما مجموعة 37 ألف وحدة من المفرقعات والشهب النارية المهربة    مراكش.. توقيف شخص متورط في السرقة باستعمال دراجة نارية لسرقة هاتف محمول بالخطف    وجدة…توقيف شخص يشتبه في تورطه في قضية تتعلق بحيازة وترويج المخدرات والمؤثرات العقلية.    حقوقيون بمراكش يتهمون مستشفى ابن طفيل بحرمان أطفال من العلاج واستخلاص رسوم دون تقديم خدمات    زعيمة المعارضة الفنزويلية ماتشادو تهدي ميدالية جائزة نوبل للسلام إلى ترامب وتحاول التأثير عليه لتنصيبها قائدة للبلد بعد مادورو    العيناوي.. بزوغ نجم جديد في "الأسود"    طقس بارد وممطر في توقعات اليوم الجمعة بالمغرب    غوتيريش ينتقد منتهكي القانون الدولي    مجلس الحكومة يصادق على مقترحات تعيين في مناصب عليا    الطالبي العلمي يجري مباحثات مع وزير الشؤون الخارجية والتجارة الدولية والتعاون بجمهورية سورينام    بايتاس: عدد الأرامل المستفيدات من برنامج الدعم الاجتماعي المباشر بلغ 390 ألف أرملة    المفتش العام للقوات المسلحة الملكية يتباحث مع قائد قوة البعثة الأممية بالأقاليم الجنوبية للمملكة    برادة يعفي مدير التعليم بميدلت    الرباط: توقيع اتفاقية تعاون بين المؤسسة الوطنية للمتاحف ومؤسسة التراث الثقافي البروسي        جماعة أجدير تحتضن نشاطا احتفالياً بمناسبة السنة الأمازيغية الجديدة    نقابات التعليم تدافع عن رؤساء المصالح    بورصة الدار البيضاء تنهي تداولاتها على وقع الانخفاض    كان المغرب 2025... حين صار حلم أحمد فرس "مول البالون" حكاية أمة    حين تُقارن الأحزاب خارج شروط المقارنة    المجلس الحكومي يصادق على إحداث المعهد المغربي لاعتماد هيئات تقييم المطابقة    الاصطدام بالواقع    مساء غير عادي في وداع سعيد عاهد    سعيد عاهد.. الذاكرة الموشومة    ميناء الصويرة : انخفاض مفرغات الصيد البحري خلال سنة 2025    الصحافة الإيطالية تتوج نائل العيناوي أفضل لاعب وسط واكتشاف كأس إفريقيا 2025    الأمازيغ يخلدون رأس سنة 2975    زيادات "فاحشة" في تسعيرة المقاهي تعاكس "لحمة الكان" وتستدعي المراقبة    إضراب المحامين يُربك محاكم البيضاء    الخرتيت.. والخرتتة..!.. قاسم حول    نشرة انذاري : تساقطات ثلجية بعدد من أقاليم المملكة    أسباب صحية تسرع عودة رواد فضاء إلى الأرض    منصة "يوتيوب" تطلق حزمة تحديثات جديدة لمقاطع الفيديو القصيرة    دعوات لتنظيم احتجاجات بالمدن المغربية نصرة للأقصى    أسعار النفط تتراجع    هدم وترحيل غير قانوني ولا إنساني.. مطالب بوقف تشريد الأسر بالدار البيضاء لإنجاز "المحج الملكي"    بؤس الدرس الافتتاحي في الماستر المغربي    دبي تحتفي بنخبة من العلماء والمفكرين في حفل تتويج "نوابغ العرب"        أسعار صرف أهم العملات الأجنبية اليوم الخميس    "نيويورك تايمز": الهجوم الأمريكي المحتمل على إيران قد ينفذ بعد أيام    ترامب يعبر عن شكوكه بشأن قدرة رضا بهلوي على حشد الدعم داخل إيران لتولي السلطة    "غروك" يحد من الاستغلال الجنسي لتوليد الصور    مدرب نيجيريا: المغرب استحق التأهل والخروج بركلات الترجيح مؤلم        الركراكي: التأهل للنهائي ثمرة تركيز ذهني ونهديه للجمهور المغربي        فرحة عارمة تجتاح المغرب بعد تأهل "أسود الأطلس" إلى نهائي كأس إفريقيا    الجمعية الإقليمية لمرضى الصرع والإعاقة بالعرائش تعقد الجمع العام    اكتشاف علمي يفتح باب علاج ارتفاع ضغط الدم عبر الدماغ    تمارين التنفس الواعي وسيلة فعالة للحد من التوتر وتنظيم ضربات القلب (دراسة)    الرضاعة تقلل احتمالات إصابة الأمهات بالاكتئاب    الاتحاد الأوروبي يجيز دواء "تيزيلد" لإبطاء تقدم السكري من النوع الأول    محاضرة علمية بطنجة تُبرز مركزية الإرث النبوي في النموذج المغربي    الحق في المعلومة حق في القدسية!    جائزة الملك فيصل بالتعاون مع الرابطة المحمدية للعلماء تنظمان محاضرة علمية بعنوان: "أعلام الفقه المالكي والذاكرة المكانية من خلال علم الأطالس"    رهبة الكون تسحق غرور البشر    فجيج في عيون وثائقها    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



انفجار بيروت يستدعي تدبيرا إستراتيجيا لحماية المدن من الكوارث
نشر في هسبريس يوم 07 - 08 - 2020

تعرّضت العاصمة اللبنانية بيروت لكارثة حقيقية بكل المقاييس الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية والبيئية، حيث فجع السكان بسبب انفجار مهول امتدت آثاره على كيلومترات عديدة؛ بل سمع دويّه على بُعد مئات الكيلومترات.
وبعيدا عن الدخول في تكهنات حول أسباب الانفجار المادية أو الخفية، سننطلق من الرواية الرسمية القائلة بسوء تخزين مواد شديدة الانفجار "نترات الأمونيوم" طيلة سنوات عديدة.
ويستهدف المقال التنبيه إلى ضرورة تخصيص المدن بإستراتيجيات شاملة لتدبير الأزمات الاستثنائية على اختلاف طبيعتها (بيئية، أمنية، اجتماعية، اقتصادية،...)، لتجنب "موت المدن بالضربات القاضية"، ووضع بعض ملامح وعناصر بناء مدن محصنة ضد الصدمات ومنتجة للفرص.
دمار مهول شبيه بانفجار قنبلة نووية صغيرة
تمكنت عدسات الهواتف والكاميرات من التوثيق المباشر ومن زوايا مختلفة للانفجار الثاني والأوسع الذي ضرب قلب ميناء بيروت مدمرا مرافق الميناء بشكل شبه كامل، ومسويا بعضها بالأرض أو محولا إياها إلى رماد، لتمتد تأثيراته بالتدرج في التأثير على مسافة كيلومترات عديدة فجرت الواجهات الزجاجية لبنايات أحياء بأكملها.
ويظهر تحليل صور الأقمار الاصطناعية للعاصمة اللبنانية المنكوبة أن قلب المدينة يعتبر الأكثر تضررا بفعل الانفجار القريب من أحياء الخدمات الراقية (مطاعم فخمة، فنادق، متاحف، واجهات تجارية كبرى، مستشفيات، سفارات وقنصليات ومؤسسات سيادية ومقرات إعلامية واقتصادية مختلفة...)..
وبمشاهدة عشرات التسجيلات الموثقة للحادث المأساوي، يمكن تشبيهه بانفجار "قنبلة نووية صغيرة" من حيث قوته التدميرية وامتداده الجغرافي وأيضا سماع دويّه على مسافات بعيدة بل حتى من خارج حدود لبنان وفق بعض الروايات.
وقد فتح المتتبعون باب التكهن حول المسببات، إن كانت عبارة عن حادث عرضي مأساوي أو فعل مدبر وهجوم متعمد من داخل أو خارج البلاد.
وعلى الرغم من أن التقارير الرسمية الأولية تفيد بأن الانفجار ناجم عن خلل تخزين مواد خطيرة جدا وشديدة الاشتعال "نترات الأمونيوم"، فإن الدعوات المنطلقة من شخصيات وازنة في لبنان بفتح تحقيق عربي أو دولي في القضية تفتح الباب على جميع الاحتمالات.
خسائر بمختلف المقاييس وتهديد الأمن الغذائي والاجتماعي والاقتصادي
أفادت المعطيات الرسمية اللبنانية بإحصاء حوالي 5 آلاف جريح وأزيد من 130 قتيلا وآلاف المشردين في حصيلة غير نهائية، ناهيك عن تدمير خزانات إستراتيجية للحبوب والأدوية داخل المرفأ، مما يعرض الأمن الغذائي للمدينة خاصة والبلد ككل لخطر المجاعة.
وامتدت الخسائر الفادحة، لتشمل تضرر خطوط الاتصالات والكهرباء وجميع أنواع الشبكات والعربات؛ في حين يحتاج تقدير الخسائر في البنايات المتضررة إلى دراسات مدققة.
ويلعب التوقيت دورا سلبيا للغاية؛ فلبنان يعاني منذ سنوات من أزمات اقتصادية خانقة ومتكررة تزيد من حدتها التوترات السياسية والمحيط الإقليمي المشتعل وتجاذبات أقطاب ومكونات النسيج الاجتماعي المختلط والضغوط الخارجية، مما يعرض السلم الاجتماعي والوحدة الوطنية للبلد إلى مخاطر جمة.
وبهذا، فالكارثة حلت في وقت قاتل يعيش فيه لبنان وضعية هشاشة سياسية واجتماعية واقتصادية تهدد البلد بالانهيار، ويمكن تشبيه الانفجار ب"الضربة القاضية" للمدينة العاصمة على أمل أن لا تكون المميتة.
درس بيروت يستعجل وضع إستراتيجيات تشاركية شاملة لحماية المدن من الأزمات والكوارث
أضحت مدن الألفية الثالثة تجمع معظم السكان بكثافات متزايدة، وتركز أهم الموارد الاقتصادية والبشرية والرقمية؛ لكنها في الوقت نفسه تعيش في سياق دولي خطير بيئي، أمني، اقتصادي، اجتماعي، يضاعف من حدته ثقلها الوطني (العواصم الاقتصادية والسياسية) وارتباطاتها الدولية (علاقات التبعية والتأثير والتأثر)، والمؤامرات التخريبية أحيانا.
وتتوفر فعليا عواصم ومدن أغلب البلدان المتقدمة على إستراتيجيات وخطط استباقية متفاوتة الأهمية، تستهدف توقع ومواجهة مختلف أنواع المخاطر والكوارث والأزمات التي يمكن أن تتعرض لها تلك المدن.
ويخضع وضعها لتحليل تشاركي دقيق لخصوصيات المخاطر المحتملة في علاقة مباشرة بالموقع الجغرافي (خطر انهيارات أرضية، فيضانات، حرائق، زلازل، أمواج عاتية، عواصف وأعاصير،...) والظروف الأمنية (بناء ملاجئ تحت أرضية داخل المدن المعرضة للقصف والنزاعات المسلحة، بناء سياجات ضمن مدن معرضة للهجرة السرية)..
وتسهم تصاميم المدن أيضا في حمايتها المسبقة والمنهجية، عبر استبعاد مخازن السلع والمنتجات الخطيرة خارج المدار الحضري للمدن (محروقات، كيماويات، مواد سريعة الاشتعال أو قابلة للانفجار،..)، السجون الخطيرة، ملاعب كرة القدم (أخطار شغب الجماهير وموجات تخريب الممتلكات وتكسير السيارات وواجهات المحلات)، مخازن ومصانع السلاح والكيماويات والصناعات الثقيلة وغيرها.
ويشكل اختيار مواقع المدن بعيدا عن المواقع والخطوط المعرضة للزلازل أو الفيضانات (تفادي مجاري مصبات الأودية والأنهار وأقدام المنحدرات)، أو البنيات والطبقات الجيولوجية الهشة المعرضة للانهيار (الصخور الهشة)، والابتعاد عن خطوط السواحل بمسافة أمان كافية، وتجنب الأراضي الفلاحية الخصبة والأحزمة الغابوية والمواقع الأثرية والإيكولوجية.
إن إعداد المدن وتحصينها الاستباقي ضد جانب كبير من المخاطر المحتملة يتجاوز بكثير الجوانب التقنية والمعمارية المحضة، ليشمل مختلف الأبعاد الإنسانية (علم نفس المدن وتحليل السلوكيات المضرة "حوادث السرقة والتخريب")، والاجتماعية (تنويع وتكامل وتماسك النسيج الاجتماعي) والاقتصادية (فرص العمل والتنافسية الترابية الوطنية والدولية).
ويعتبر من البديهيات توفير البنيات التحتية والخدماتية القوية والمتطورة والمستدامة (شبكات الماء والكهرباء والاتصالات والأنترنيت، المستشفيات والخدمات التعليمية)، وضمان أمن المواطنين وسلامتهم الشخصية وسلامة أسرتهم وممتلكاتهم واستمرارية موارد أرزاقهم.
ولا تخفى أهمية إعداد الإنسان قبل البنيان، والاهتمام بقاطن المدينة لكي يبني ويراكم الحضارة بجميع تجلياتها المادية والمجردة، ويصبح قادرا ومحصنا ضد الأخطار المحدقة بالمدن، ليس المتوقع منها فقط، وإنما أيضا المخاطر الفجائية والاستثنائية وغير المتوقعة (وباء كورونا)، مع الحرص واليقظة تجاه الأمن الغذائي والدوائي.
في المقابل، تعاني معظم مدن البلدان النامية (تفاديا لاستعمال تسمية "المتخلفة") من ويلات غياب إستراتيجيات وبرامج استباقية مماثلة وفعلية وليست على الورق فقط، تضمن جاهزية هذه المدن وحصانتها؛ مما يوقعها في اختلالات ويجعلها ضحية سهلة للمخاطر المتعددة والأمثلة متعددة ومؤسفة من المدن العربية وآخرها الفاجعة اللبنانية، في حال ثبوت تسبب إهمال مواد خطيرة ضمن مخازن ميناء بيروت لمدة تفوق ست سنوات.
في الختام، لا بد من التأكيد على أهمية البناء التشاركي والتشاوري الحقيقي لمثل هذه الإستراتيجيات والبرامج، وحكامة نفقات المدن بتسبيق الأولويات (البنيات التحتية والخدماتية والفرص الاقتصادية)، على الكماليات اللحظية التي قد تمتص في بعض الحالات ميزانيات ضخمة قد تنقذ أرواح وأرزاق عديدة في حال استثمرت في الأساسيات المناسبة.
ومن جهة ثانية، ينبغي أن نستحضر الأهمية الإستراتيجية للمدن والموارد الحيوية التي تؤمنها، من خلال تجنب "وضع كل البيض في السلة الواحدة"، عبر توزيع أدوار ومنافذ المدن، وتفادي تركيزها في المدينة الواحدة، حماية للاقتصاديات الوطنية من "الإصابة في مقتل" ومن الضربات القاضية، يضاف إلى ذلك أمن الموارد الرقمية والمعطيات الشخصية للمواطنين من كافة أنواع القرصنة والاعتداء، وحفظ المعلومات الحساسة من التسرب إلى جهات معادية داخلية أو خارجية.
* أستاذ شعبة الجغرافيا بجامعة محمد الخامس الرباط – باحث في القضايا الجيواستراتيجية


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.