المحامون يعودون الاثنين المقبل إلى استئناف العمل ووقف الاحتجاج ضد مشروع قانون المهنة لوزارة العدل    جريمة قتل داخل مستشفى محمد الخامس بطنجة    دعوة بيت الصحافة لحضور أمسية مع أدباء وباحثين وجمعويين من حاضرة القصر الكبير    إصابات وإجلاء آلاف السكان جراء اضطرابات جوية بإسبانيا والبرتغال    الوجه الشيطاني لجيفري إبستين .. أسرار جزيرة الرعب    بتعليمات ملكية سامية الحكومة تضع برنامجا واسعا للمساعدة والدعم لفائدة الاسر والساكنة المتضررة من الاضطرابات الجوية بميزانية توقعية تبلغ 3 ملايير درهم    أتلتيكو يُذلّ برشلونة في كأس إسبانيا    تفاؤل حذر من صندوق النقد الدولي تجاه الاقتصاد المغربي    تعليق الدراسة ليومين بإقليم تطوان        تفاصيل جدول أعمال اجتماع "الكاف"    الحروف تجمع بلمو وأجماع في ديوان فلسطينيات ضد الإبادة والنسيان    وجان: عناصر الوقاية المدنية تنتشل جثة ستيني من داخل "مطفية"    "نقوش على الخواء"..إصدار جديد يحتفي بالمرأة قضية للحياة        محمد الطوزي يرسم خريطة أزمة السياسة ومستقبل الإسلام السياسي في المغرب        هذا ما قالته مندوبية السجون حول محاصرة مياه الفيضانات لسجن طنجة 2    متضررو القصر الكبير يشيدون بإعلان المنطقة منكوبة ويطالبون بالشفافية    مهرجان برلين الدولي للفيلم 2026.. مديرة السوق الأوروبية للفيلم: المغرب مركز استراتيجي للإنتاجات السينمائية الدولية    محمد امشيشو مديرا عاما للمصالح بمقاطعة طنجة المدينة    بورصة البيضاء تنهي تداولاتها على أداء إيجابي    توقعات ببلوغ دين الخزينة 1163 مليار درهم سنة 2025    مجلس المنافسة: ثلاثة فاعلين كبار يسيطرون على سوق الإسمنت المغربي    برمجة رمضانية.. العصبة تكشف عن جدول الجولة الأخيرة (15) من مرحلة ذهاب البطولة الاحترافية    المغرب ينافس العالم... 5 ملاعب مرشحة للقب الأفضل عالميًا في 2025    لجنة تبحث اختيار الرباط عاصمة للإعلام    قيوح: المغرب يعتبر التعاون مع الدول الإسلامية في قطاعي النقل واللوجستيك خيارا استراتيجيا    نشرة إنذارية.. تساقطات مطرية قوية وتساقطات ثلجية ورياح قوية يومي الجمعة والسبت    تقرير: الفيضانات كشفت عن اختلالات في البنية التحتية ومخططات التعمير وآليات التعويض    الكونفدرالية الأفريقية.. أولمبيك آسفي يشدّ الرحال إلى الجزائر لمواجهة اتحاد العاصمة في صراع الصدارة    الصبيب يتراجع بسد وادي المخازن .. ونسبة الملء تعادل 158 في المائة    تمديد عقد مدرب منتخب إنجلترا توماس توخل    فيلم عن "مصورة أفغانية" يفتتح مهرجان برلين    الجزائر ‬و ‬تمرين ‬التحول ‬الاضطراري ‬المرهق ‬في ‬الموقف ‬تجاه ‬نزاع ‬الصحراء ‮«‬فكها ‬يا ‬من ‬وحلتيها...!!!!»    أبحاث أمريكية: النوم المتأخر يهدد صحة القلب    إبراهيمي: "الفراقشية" في كل القطاعات.. والمقربون من الحكومة استفادوا من إعفاءات ضريبية وجمركية        نوتنغهام فوريست يقيل مدربه دايش بعد التعادل مع ولفرهامبتون    المغرب والإمارات يرسمان خارطة طريق لشراكة صحية استراتيجية    "رايتس ووتش": تجديد أمير سعودي قصره بطنجة يضع مقاولات مغربية على حافة الإفلاس بعد رفض أداء 5 ملايير دولار        نتنياهو: إسرائيل ستنضم إلى "مجلس سلام" ترامب    موسكو تتحرك لتزويد هافانا بالوقود    دعم متكامل بضغطة زر.. الصين تطلق بوابة إلكترونية لخدمة شركاتها عبر العالم    مرتدية العلم الفلسطيني.. مسؤولة بالبيت الأبيض تنتقد الصهيونية السياسية وتقول: أفضل أن أموت على أن أركع لإسرائيل    كأس ألمانيا: بايرن يفوز على لايبزيغ ويتأهل لنصف النهاية    وأخيرا.. واشنطن ستسدد ديونها المتأخرة للأمم المتحدة خلال أسابيع وتطالب بإصلاح المنظمة الدولية    موقع إسباني ينشر تفاصيل مقترح الحكم الذاتي الموسع.. يتكون من 40 صفحة ويتضمن 42 بنداً تفصيلياً    دراسة علمية تكشف طريقة فعالة لتقليل آثار الحرمان من النوم    منظمة الصحة العالمية تدعو لتوسيع نطاق جراحات العيون للحد من حالات العمى الممكن تجنبها    القناة الأولى تكشف عن شبكة برامج متنوعة لرمضان تجمع بين الدراما والكوميديا والوثائقي والترفيه    قطاع البر والإحسان يتصدر منظومة الاقتصاد الإسلامي في ندوة البركة ال46    رمضان 2026: أين ستُسجل أطول وأقصر ساعات الصيام حول العالم؟    صادم.. المغرب ضمن قائمة العشر دول الأكثر احتضانا في العالم لمرضى السكري من النوع الأول    اللّيْل... ماهو وما لونه؟    ظلمات ومثالب الحداثة    الفيضانات موعظة من السماء أم اختبار من الله؟    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



حور عين .. مقاربات للحد من الشبهات
نشر في هسبريس يوم 16 - 12 - 2016

وردت عبارة "حور عين" في القرآن ثلاث مرات: مرتين بصيغة "وزوجناهم بحور عين" في سورتي: الدخان 54 وفي سورة الطور 20، ومرة بصيغة "وحور عين" في سورة الواقعة 22. و"حور" في سورة الرحمان 72. لكن توجد مجموعة من العبارات الأخرى في القرآن التي ترتبط بها، مثل "أزواج مطهرة" و"قاصرات الطرف" و"أترابا" و"أبكارا" و"كواعبا"...والتي يستند عليها القائلون إن "حور عين" هن جميلات الجنة التي أعدهن الله للمتقين أو بالأحرى "للمحاربين". وقد بالغ المفسرون السابقون في وصف ذلك الجمال والتفصيل فيه، إلى حد خدش الحياء الذي هو من الإيمان ومن القيم الإنسانية لدى كل الشعوب وعبر الأزمنة والعصور.. وبفعلهم ذلك أساءوا إلى الإسلام وجعلوا أرواح فئة كبيرة من المسلمين لا تتعدى قيمتها بضع كلمات من صنف: "حور العين تناديني فدعيني أماه دعيني. لا تبكي دموعك يا أمي عن دربي لا لن تثنيني".
ودون التفسير الخرافي أعلاه، هناك تفاسير أخرى يمكن أن يستوعبها العقل البشري. وهذه التفاسير تشترك في ما بينها في المعنى العام "لزوجناهم بحور عين"، وإن كانت تختلف من حيث المنطلقات وحول بعض الجزئيات. وقد اختصرنا تلك التفاسير في تيارين هما:
1) التيار الأول والانطلاق من فعل يحور:
انطلق اجتهاد هذا التيار في تفسير "حور عين" من عبارة جاءت في القرآن وهي "لا يحور"، بمعنى لا يعود. وبالتالي يحور هي يعود، وقالوا يتجدد. وعين هي رمز للفيض والجريان، ومنه "فحور عين" تكون هي التجدد والغزارة. وهي صفة لموصوف سابق، وهي الفاكهة. ويقيسون تفسيرهم هذا على أساس النص التالي: "وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة"، سورة الواقعة 32/33. أما عن "قاصرات الطرف" "وأزواج مطهرة" و"عربا أترابا" و"أبكارا" و"كواعب"، فلا يختلفون مع التيار الثاني.
2) التيار الثاني وإضافة المدخل الآرامي/السريالي:
خاصية هذا التيار هي أن منهجه يقوم على البعدين التاريخي واللغوي مما جعله يستحضر اللغة السريالية كإحدى المرجعيات لفهم القرآن، لكونها تشكل مكونا من مكونات سياقه التاريخي.. فقد كانت هي اللغة المكتوبة السائدة في المنطقة في مرحلة تدوين القرآن. وهذا التيار له حصيلة فكرية مهمة تتمثل في مجموعة من القواميس والدراسات.
وتبقى دراسة لوكسمبورغ نموذجا لهذا التيار، خاصة ما يتعلق بمنهجه الذي يسمح له بتقليب العبارة المبحوث عن معناها على عدة أوجه تاريخية ولغوية، مستحضرا مبدأ الشمولية ومواءمة العبارة مع سياقاتها المختلفة. فمثلا في تفسيره ل"زوجناهم بحور عين"، توصل إلى أن "زوجناهم" هي في الأصل "روحناهم". ويستدل بوجود فعل روح في القرآن وأن الجنة هي مكان للراحة. أما حور فهي الأبيض أو "البيضاء" التي تطلق على العنب الأبيض لدى السرياليين. وعين هي اللامع أو الوضاء. فحصل على المعنى التالي: "سنجعلكم ترتاحون تحت- ظلال كرمة- العنب الأبيض/ اللامع أو الوضاء".
ويرجع صاحب البحث وأزواجه السبب في هذا الخطأ إلى أن الكتابة الآرامية/ السريالية التي دون بها القرآن في البداية كانت دون تنقيط ولا حركة، كما تشهد على ذلك الوثائق التاريخية، خاصة النقوش والرقع، ما أدى إلى وقوع الكتبة والنساخ في بعض الأخطاء خلال النقل من الرسم الأول إلى الرسم العربي، وكذلك عند وضع النقط والحركات بعد ذلك، مثل كتابة "زوجناهم" عوض "روحناهم".
ومن التيار نفسه نستحضر نموذجا آخرا لتفسير عبارة "زوجناهم بحور عين". قال غابريال صوما، المختص في اللغات السامية، ما يلي: "زوجو Zugo" تعني"الزبيب"/ العنب. و"هومو" هي هم، وحور "حيوورو" معناها الأبيض. وعين "عينو" وتعني مجرى الماء". ليكون المعنى النهائي حسب صاحبه هو: "الزبيب الأبيض ومجاري المياه". ولنا عودة لهذه النقطة.
وإذا رجعنا إلى تفسير لوكسمبورغ، فإننا نجد أنه لم يقف عند تحديد معنى "زوجناهم بحور عين" منعزلة، وإنما فسر كل النصوص والعبارات التي تصلها بعلاقة مثل: "أزواج مطهرة"، التي فسرها على أنها أصناف الفواكه النقية. "وقاصرات الطرف" التي أعطاها معنى الأغصان والثمار الدانية والمنخفضة. أما معنى عبارة "لم يطمثهن إنس ولا جان" فهي عدم لمسهن أو تلويثهن من أي مخلوق. وعن "مقصورات في الخيام" فمعناها هي أن الفواكه تحميها قشورها.. ووقف كذلك على معنى الأبكار والكواعب، مبينا أنها هي الثمار الباكرة النضج أو الباكورة. والأتراب هي كل ما هو يافع ويانع. كما فسر النص 19 من سورة الإنسان. قال تعالى: "وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَّنثُوراً". أما الولدان المخلدون، وحسب كريستوف لوكسمبورغ، فمرادف ولدان في اللغة السريالية هو "يلدا"، أي الثمار، ومخلدون، في الأصل هي مجلدون، أي أن ثمار الجنة تؤكل باردة بخلاف أهل الجحيم. وتحليله كان مدعوما بشهادات لا يتسع المجال للوقوف عليها.
والخلاصة، تبعا له، هي أن كل تلك النعوت والصفات سالفة الذكر من حور عين وأزواج مطهرة وكواعب وأبكار وأتراب وولدان مخلدون، وغيرها، مرتبطة بالفواكه ونعم الجنة ولا علاقة لها "بالنساء"، لأن "النساء"، حسب قوله، سينعمن بخيرات الجنة مع أزواجهم.. واستشهد على ذلك بنصين هما: النص 70 من سورة الزخرف، قال تعالى: "0دْخُلُواْ0لْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ". والنص 56 من سورة يس، حيث قال العزيز الكريم: "هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلاَلٍ عَلَى 0لأَرَآئِكِ مُتَّكِئُونَ".
إذا حاولنا فهم ما جاء بصدد زوجناهم بحور عين لدى كل من التيارين، نجد أن التيار الأول قد
خطا خطوة جريئة بتجاوزه للتفاسير الخرافية، من خلال وعيه بأن "حور عين" هي صفة لفواكه ونعم الجنة (متجددة ونضاخة أو غزيرة). وهو يلتقي في ذلك مع التيار الثاني. لكن المشكل يكمن في طبيعة خطتهم التي لم تكن واضحة ودقيقة بما فيه الكفاية، ما جعل كلامهم عاما وفضفاضا. فمثلا، إذا أخذنا عبارة "متجددة ونضاخة"، ووضعناها في أماكن حور عين في النصوص القرآنية فإنها لا تتناسب مع سياق تلك النصوص. لأنهم اعتبروا "حور عين" صفة؛ ولكن إذا أخذنا كمثال سورة الواقعة نجد ما يلي "وحور عين". أي هناك واو عطف، وبالتالي فإن "حور عين" هي معطوفة على ما سبقها. أما النعت في تلك الجملة فهو: "كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ". إضافة إلى أن هناك فئة من هذا التيار لم تفسر مفهوم "زوجناهم بحور عين" في سورتي الطور والدخان، ما قلص من مجال تمكنها من المصطلح...أما تلك التي فسرته فقد توصلت إلى أن "زوجناهم بحور عين" هي قران العنب الأبيض بباقي الفواكه. وهو كذلك فهم لا يتناسب والسياق.
أما ف يما يخص التيار الثاني، كمنهج وكآليات وأدوات البحث الحديثة والرؤية الشمولية والسياقية للموضوع، فهي حوامل لها أهميتها في تحقيق الموضوعية وتحري الدقة في البحث والدراسة. أما في ما يتعلق بحصيلة ما توصل إليه نموذج لوكسمبورغ وصوما في تفسير "زوجناهم بحور عين"، فكما نلاحظ، وإن اتفق الاثنان حول الأصل السريالي للنص، وكذلك في كون الموضوع يهم الفواكه وليس "النساء"، كما ساد الاعتقاد، فإنهما اختلفا في تفسير عبارتي "زوجناهم وعين". فزوجناهم التي فسرها الأول على أنها روحناهم، فغابريال صوما فسرها على أنها الزبيب zugo أما "عين" فصوما أعطاها معناها الحقيقي كمجرى مائي، أما لوكسمبورغ فأعطاها المعنى المجازي، وهو الضياء واللمعان، ما فتح المجال لقول آخر انطلق من قول صوما ولوكسمبورغ، إضافة إلى ما ورد في أحد القواميس السريالية الفرنسية: Raisins secs (pluriel) ‘ouSoro';'epshoto' (pluriel)
Zugo: (Grappe de raisin)؛ ما يعني أن زوجوzugo هي عنقود العنب. وحسب غابريال، "هومو" تعني هم، أي صيغة للجمع. ليكون المعنى هو عناقيد من العنب، يقول صاحب التفسير الأخير، والذي أضاف أن إعطاء صوما لكلمة "عين" معناها الحقيقي كمجرى مائي فلا يوافق السياق.
ويبقى المعنى المجازي الذي أعطاه لوكسمبورغ لعين هو الأصح، لأن عين من جهة تشغل محل نعت لحور، ومن جهة أخرى فالمعنى الحقيقي لعين (جنات وعيون) جاءت قريبة من حور عين في سورة الدخان. وبذلك يكون الاحتمال الثالث لزوجناهم بحور عين هو: "عناقيد من العنب الأبيض اللامع".
ومهما كان الاختلاف فالمهم أن هناك اجتهاد من أجل الابتعاد عن الخرافة والأسطورة، والوصول إلى معان قرآنية تشرف الإسلام والمسلمين في إطار مقاصد الإسلام وعقيدته، مع تسييد العقل ورفع الوصاية عنه وعن دين وحياة خلق الله التي يجب أن ينظمها القانون والعدالة وليس الخرافة وسيف الجهالة، الذي يعتبر كل اجتهاد وتجديد بدعة ومروق. وكل مجتهد خارج اجترار القديم هو عدو للإسلام ويستهدف داره. وهذا بالضبط ما حصل مع كريستوف لوكسمبورغ وأمثاله من الباحثين، الذين كفرهم المضاربون في الدين وتجار الجهالة وأهدروا دمائهم، لا لشيء سوى لأنهم استعملوا العقل في فهم وتدبر القرآن كما أمرنا الله سبحانه وتعالى؛ بل حتى ما قالوه من حقائق فهي توافق ما جاء عند بعض السلف ذوي الألباب.
بمعنى أن ما قاله لوكسمبورغ أو غيره في مسألة "زوجناهم بحور عين"، على أن لها جذورا سريالية، وأن الكتبة أخطؤوا وقت نقلها فهي ليست سابقة من نوعها؛ فالكلام عن الكلمات الغريبة في القرآن حاضر في التراث. ومشكل أخطاء الكتبة في نقل القرآن من الخط السريالي إلى الخط العربي، وعند وضع التنقيط لاحقا، كذلك، هي حقيقة تاريخية معروفة، أثيرت منذ عهد عثمان، الذي كان له فيها رأي، لكنه لم يكفر أو يهدر دم أحد. ناهيك عن أن الأخطاء الإملائية والنحوية الموجودة في القرآن، وهي وظاهرة للعيان وتصحيحها لا يمس بقدسية القرآن، بل بالعكس سيمكن من فهمه فهما صحيحا، ما سيخرج المجتمعات الإسلامية من الظلام إلى النور. وحتى من أخطأ من الكتبة فهو معذور لضعف الإمكانيات في ذلك الوقت. وكذلك لغياب التنقيط والحركة آنذاك، مع تشابه مجموعة من الحروف مثل (ر وز)و(خ وج وح) كسبب لوضع زوجناهم، مثلا، عوض روحناهم. وخباز عوض جبار. أما تشابه "ط وص وض" فنجم عنه مثلا وضع حضب محل حطب.
أما عن إعادة النظر في معاني الجنة ونعمها، فهو أمر ليس بجديد كذلك؛ لأننا نجد في التراث الإسلامي أن بعض مفكري الإسلام المبكرين كان لهم رأي يتوافق مع الحداثيين ويخالف معاصريهم، ولنا في تفسير "زوجناهم بحور عين" بعض الشهادات، يتقدمها نفي الأصفهاني اعتبار أن "زوجناهم" معناها النكاح.. قال: "ولم يجئ في القرآن "زوجناهم حوراً"، كما يقال: زوجته امرأة؛ تنبيهاً أن ذلك لا يكون على حسب المتعارف في ما بيننا من المناكحة؛. أما الرازي فقال في شرحه للنص 24 من سورة الطور ما يلي: ""وَحُورٌ عِينٌ" بمعنى ولهم حور عين، وثانيهما، وهو أن يقال ليست الحور منحصرات في جنس، بل لأهل الجنة". وهذا يخالف ما قالته الجماعة حينها في مسألة طبيعة الجنة ونعمها، بما فيها "زوجناهم بحور عين". فالأصفهاني والرازي يقران بأن طبيعة الأمور في الجنة تختلف عما هو معروف في الدنيا، ونعمها تختلف عن نعم الدنيا. والجنة ليس بها تمييز جنسي.
ويحضرني هنا ما قاله ابن عباس في الموضوع: "ليس في الجنة شيءٌ يشبه ما في الدنيا إلا الأسماء...هو تشابه في الأسماء واختلاف في الحقائق، وعرف ب"القدر المشترك"؛ رواه أبو نُعَيْم في "صفة الجنة" (21/ والبيهقي، وآخرون وصحَّحه الألباني). ويؤكد صحة هذا الاتجاه الذي يشترك فيه ثلة من الأولين وثلة من الآخرين، وجود نصوص قرآنية قطعية، سواء في اختلاف زواج الدنيا عن الآخرة مثل قوله تعالى: "...وإذا النفوس زوجت..."، سورة ص، النص 7. وقوله تعالى كذلك: "احشروا الذين ظلموا وأزواجهم" سورة الصافات، النص 22. فالزواج هنا هو بمعنى قران وجمع لأهل الجنة في ما بينهم كأرواح ونفوس، وليس كمادة أو جنس. أما ما جاء في كون الإناث لن يكن متعة للذكور في الجنة، وأنهم معا متساوون في التمتع بنعم الجنة. قال تعالى في سورة النساء، النصوص 122/ 123/124 "وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا *لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا* وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا".
ولا تفوتني في هذه النقطة الإشارة إلى أن النصين اللذين استشهد بهما لوكسمبورغ في هذا الباب، فربما لم يحسن الاختيار. ليس هذا فقط، وإنما حتى في تفسيره للنص 19 من سورة الإنسان. قال تعالى: "وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَّنثُوراً". هناك تفسير آخر يرى أن كلما جاء من آيات تتكلم عن نعم الجنة باستعمال أسماء وأوصاف دنيوية مثل الحرير والاستبرق والكؤوس والأباريق واللؤلؤ والولدان المخلدين...هي صور بلاغية من نوع المجاز، الهدف منها توضيح وتبسيط نعم الجنة لكل فئات بني البشر، وحسب المتداول بينهم من لغة وصور وخيال وتمثلات، لأنه يتعذر أن تدرك كل فئات "العالمين" الغايات والمعاني المجردة للجنة.
وقد ترجم رسول الإسلام ص الوحي كإلهام ومعان إلى نصوص قرآنية تعبر عن صور في منتهى الروعة والجمال مثل قوله تعالى: "مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ"، النص 76 من سورة الرحمان. ومفهومها أن في الجنة يوجد رفرف أو فراش (رفارف أو أفرشة) أو بساط من أغصان الأشجار وأوراقها الملتفة، كأنه زربية منسوجة بتفنن وعبقرية وجمال.. وفوق هذا الرفرف أو الزربية الرائعة تستلقي الثمار والفواكه. وكي لا يظل المجتهدون والباحثون في القرآن يخبطون خبط عشواء، لا بد أن يسلموا بقضاء إلهي، وهو أن نعم الجنة تختلف وتتميز عن نعم الدنيا كما تم توضيح ذلك انطلاقا من عبارة "وزوجناهم بحور عين". فنعم الدنيا مجرد زينة ولهو ولعب وشهوات. أما الجنة فأهلها ليسوا أجسادا وأشكالا فانية؛ وإنما هم عبارة عن نفوس وأرواح خالدة، ونعمها ليست مادة منظورة.
وحتى وإن كنا نجهل طبيعتها، فالقرآن قد أخبرنا بالغايات التي تحققها، والتي هي إشباع كل رغبات وأماني وطلبات أهل الجنة؛ إذ توفر لهم الراحة والهناء والسلم والسلام والأمن والاطمئنان والألفة والأنس واللذة والحسن والجمال .... وفي الغايات فقط تشبه نعم الدنيا نعم الآخرة، وإن كان الشبه بينهما كالشبه بين قطرة ماء والمحيط.
ولنختم هذا المقال بجزء من سورة الرحمان (46 78)، وإن كنا للضرورة سنذكر النص دون "الآية" الكريمة: "فبأي آلاء ربكما تكذبان". قال تعالى: "وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴿46﴾... ذَوَاتَا أَفْنَانٍ ﴿48﴾ فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ ﴿50﴾ فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ ﴿52﴾ مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ ﴿54﴾ فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ ﴿56﴾ كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ ﴿58﴾ هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ ﴿60﴾ وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ ﴿62﴾ مُدْهَامَّتَانِ ﴿64﴾ فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ ﴿66﴾ فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ ﴿68﴾ فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ ﴿70﴾ حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ ﴿72﴾ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ ﴿74﴾ مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ ﴿76﴾ تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴿78﴾.
يتضح إذن أن التفسير الأكثر موضوعية ل"زوجناهم بحور عين"، والذي يناسب مختلف السياقات التي جاءت فيها تلك العبارة هو أن، "زوجناهم بحور عين" وما ارتبط بها من تعابير هي أوصاف لفواكه ونعم الجنة.. وكل ما جاء من وصف فاحش "للنساء" في هذا السياق فهو مجرد إسقاط للفكر الأبوي مع كل الأوهام والنزوات التي كانت سائدة في مجتمع بدوي يصعب عليه إدراك المعاني والقيم الروحية الراقية. أما ما جاء من تشابه بين أسماء الأشياء في الدنيا والآخرة فهو بلاغة ومجاز، وتلك خاصية من خصائص القرآن الذي في جانب منه يعتبر مرجعا تعليميا وتربويا.
* باحثة في الديانات وقضايا المرأة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.