التعادل يحسم مباراة المغرب وزامبيا في كأس إفريقيا U17    "حفل العيد" في طنجة يُثير الغضب والأمن يُباشر التحقيقات والاستماع للمعنيين    ثلاثي مغربي ضمن أفضل الهدافين في الدوريات الكبرى عالميا لعام 2025    مجلس الحكومة يصادق على مشروع مرسوم متعلق برواتب الزمانة أو الشيخوخة التي يصرفها ال"CNSS"    المفوضة الأوروبية دوبرافكا سويكا: الاتحاد الأوروبي عازم على توطيد "شراكته الاستراتيجية"مع المغرب    العيون: مجلس المستشارين وبرلمان الأنديز يثمنان المسار المتميز للعلاقات البرلمانية بين الطرفين (إعلان مشترك)    الحكومة تحدد تاريخ دخول قانون العقوبات البديلة حيز التنفيذ    فرنسا تجدد دعمها لسيادة المغرب على صحرائه    حادثة سير وسط الدريوش تُرسل سائقين إلى المستشفى    تكريم المغرب في المؤتمر الأوروبي لطب الأشعة.. فخر لأفريقيا والعالم العربي    مجلس الحكومة يصادق على مشروع قانون يتعلق بالتعليم المدرسي    سطات: إحداث مصلحة أمنية جديدة لمعاينة حوادث السير    طنجة.. النيابة العامة تأمر بتقديم مغنٍ شعبي ظهر في فيديو يحرض القاصرين على شرب الخمر والرذيلة    طقس الجمعة.. تساقطات مطرية مرتقبة بالريف وغرب الواجهة المتوسطية    العثور على جثة دركي داخل غابة يستنفر كبار مسؤولي الدرك الملكي    الإمارات تدعم متضرري زلزال ميانمار    سقوط 31 شهيدا على الأقل بضربة إسرائيلية على مركز للنازحين في غزة    صابري: الملك يرعى الحماية الاجتماعية    المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي.. تسليم السلط بين الحبيب المالكي و رحمة بورقية    الترخيص لداني أولمو وباو فيكتور باللعب مع برشلونة حتى نهاية الموسم    الاتحاد الاشتراكي المغربي يندد ب"تقويض الديمقراطية" في تركيا ويهاجم حكومة أردوغان !    ارتفاع حصيلة ضحايا الزلزال في ميانمار إلى 3085 شخصا    تقرير.. هكذا يواصل مستوردو الماشية مراكمة ملايير الدراهم من الأموال العمومية في غياب أثر حقيقي على المواطن ودون حساب    إطلاق نسخة جديدة من Maroc.ma    المغرب يعتبر "علاقاته الاستراتيجية" مع الولايات المتحدة سببا في وجوده ضمن قائمة "الحد الأدنى" للرسوم الجمركية لترامب    الجسد في الثقافة الغربية -27- الدولة : إنسان اصطناعي في خدمة الإنسان الطبيعي    أعلن عنه المكتب الوطني للمطارات ..5.4 مليار درهم رقم معاملات المطارات السنة الماضية و13.2 مليار درهم استثمارات مرتقبة وعدد المسافرين يصل إلى 32,7 مليون مسافر    سفارة السلفادور بالمغرب تنظم أكبر معرض تشكيلي بإفريقيا في معهد ثيربانتيس بطنجة    نقابي يكشف السعر المعقول لبيع المحروقات في المغرب خلال النصف الأول من أبريل    إطلاق النسخة الجديدة من البوابة الوطنية "Maroc.ma"    الوداد يعلن حضور جماهيره لمساندة الفريق بتطوان    هيئة مراقبة التأمينات والاحتياط الاجتماعي تطلق برنامج "EMERGENCE" لمواكبة التحول الرقمي في قطاع التأمينات    المجر تعلن انسحابها من المحكمة الجنائية بالتزامن مع زيارة نتنياهو    المنتخب المغربي يرتقي إلى المركز ال12 عالمياً في تصنيف الفيفا    ملف هدم وافراغ ساكنة حي المحيط بالرباط على طاولة وسيط المملكة    جماعة أكادير: حقّقنا فائضا ماليا يُناهز 450 مليون درهم    بورصة الدار البيضاء تخسر 0,45 بالمائة    دراسة: الفن الجماعي يعالج الاكتئاب والقلق لدى كبار السن        مجلس المنافسة يوافق على استحواذ مجموعة أكديطال على مؤسستين صحيتين في العيون    اجتماعات تنسيقية تسبق "الديربي"    أسعار صرف أهم العملات الأجنبية اليوم الخميس    الصين: عدد مركبات الطاقة الجديدة في بكين يتجاوز مليون وحدة    هبوط الأسهم الأوروبية عند الافتتاح    تذاكر مجانية لمساندة لبؤات الأطلس    قمر روسي جديد لاستشعار الأرض عن بعد يدخل الخدمة رسميا    النسخة ال39 لجائزة الحسن الثاني الكبرى للتنس.. تخصيص يوم للأطفال رفقة لاعبين دوليين    بين الحقيقة والواقع: ضبابية الفكر في مجتمعاتنا    مهرجان كان السينمائي.. الإعلان عن مشاريع الأفلام المنتقاة للمشاركة في ورشة الإنتاج المشترك المغرب -فرنسا        دراسة: استخدام المضادات الحيوية في تربية المواشي قد يزيد بنسبة 3% خلال 20 عاما (دراسة)    خبراء الصحة ينفون وجود متحور جديد لفيروس "بوحمرون" في المغرب    بلجيكا تشدد إجراءات الوقاية بعد رصد سلالة حصبة مغربية ببروكسيل    العيد: بين الألم والأمل دعوة للسلام والتسامح    أجواء روحانية في صلاة العيد بالعيون    طواسينُ الخير    تعرف على كيفية أداء صلاة العيد ووقتها الشرعي حسب الهدي النبوي    الكسوف الجزئي يحجب أشعة الشمس بنسبة تقل عن 18% في المغرب    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ضعف الإدارة وتقادم البنيات "يغتالان" التعليم العمومي بالمغرب
نشر في هسبريس يوم 27 - 09 - 2016

حل الموسم الدراسي الجديد وجل المؤسسات التعليمية العمومية تشهد اكتظاظا على مستوى الأقسام، وخصاصا في الأطر المسيرة والأطر التربوية نتيجة للمغادرة الطوعية، وارتفاع نسبة تغيبات رجال التعليم إلى درجة جعلت الوزير المشرف على القطاع نفسه يندد بهذه الظاهرة؛ وذلك إما بسبب عدم الانضباط وضعف التسيير، أو بسبب تكالب نسبة كبيرة من رجال التعليم على مراكمة الساعات الإضافية في المؤسسات التعليمية الخصوصية.
وهنا، نتساءل: هل في ظل هذه الشروط ستتحقق جودة التعليم العمومي؟ وهل يشكل افتقاد قطاع التعليم العمومي لنظام تسييري فعال وضعف البنيات التحتية التعليمية السبب الرئيسي وراء الوضع المتردي لهذا القطاع؟
ضعف النظام التدبيري لقطاع التعليم العمومي
إن الخاصية المثيرة التي ميزت نظام التدبير التعليمي والتربوي في المغرب، منذ الاستقلال إلى الآن، هو اعتماده في تسيير المؤسسة التعليمية، سواء كانت مدرسة ابتدائية أو إعدادية أو ثانوية وحتى جامعية، على تعيين أطره التعليمية التي تكونت أساسا للاضطلاع بأدوار تربوية وتلقينية وتدريسية لشغل مهمة تسيير هذه المؤسسات. إن جل المديرين ورؤساء وقيدومي الجامعات وحتى نواب التعليم ورؤساء الأكاديميات كانوا إما معلمين أو مدرسين أو أساتذة جامعيين سابقين؛ فقد كان يكفي بالنسبة إلى الوزارة المشرفة على القطاع أن تتوفر في من يترشح لمهمة التسيير الإداري بعض الشروط كالأقدمية في التعليم أو التدريس لكي يعين هذا المعلم أو المدرس أو الأستاذ الجامعي لتسيير مؤسسات تعليمية تتوفر على ميزانية، وعلى طاقم تربوي وتعليمي، وعلى مئات أو آلاف من التلاميذ والطلبة، وعلى عدد من الجمعيات بما فيها جمعيات آباء التلاميذ، بالإضافة إلى شبكة متنوعة من التعاملات الإدارية، سواء مع أطراف داخل الهرم التعليمي الجهوي من رؤساء النيابات ورؤساء الأكاديميات أو رؤساء الكليات والجامعات، أو داخل الهرم المركزي من رؤساء مصالح ورؤساء أقسام، ومختلف مديري الوزارة بمن فيهم الوزير، أو مع أطراف خارجية من جمعيات ونواد ثقافية ورياضية وفنية، أو مؤسسات بنكية ومالية، أو جهات أمنية وقضائية.
فبالرغم من أن الوزارة تجد من المنطقي خلق مراكز لتكوين المعلمين والمعلمات وأخرى لتكوين الأساتذة في مختلف المواد العلمية والأدبية وحتى الفنية والرياضية، فإنها لا تجد أية غضاضة من إسناد مهمة التسيير الإداري إلى شريحة من هؤلاء؛ مع أنهم لم يتم تكوينهم لهذه المهمة.
إن التكوين الأساسي الذي تلقاه هؤلاء كان، منذ البداية، للتلقين والتربية، وليس للتدبير والتسيير الإداري؛ فقد جرى تكوين هذه الشريحة وتخريج أفرادها ليكونوا رجال تعليم وتدريس، وليس كأطر للتسيير والتدبير بدليل أن كل المواد التي لقنوها لا تشتمل على أية مادة في التدبير الإداري أو المالي كالقانون الإداري أو المحاسبة أو تسيير المقاولات أو العلاقات العامة.
ورب قائل سيعترض بأن كل الإدارات المغربية لا تسير في أغلبها إلا من لدن موظفين سابقين، إذ إن أغلب المسؤولين في جل دواليب الإدارة المغربية هم بالأساس موظفون وأطر ترقوا إلى رئيس مصلحة ورئيس قسم فمدير دون أن يكون أغلبهم قد تلقى أي تكوين متين في تسيير الموارد البشرية، أو ضبط الحسابات المالية الداخلية، أو له إلمام بطرق الاتصال وفن العلاقات العامة ...
وإن الرد، في رأيي، على هذا الاعتراض يكمن في أنه وبالرغم من سلبيات هذا النظام التي تتجلى في افتقاد جل المسؤولين لتكوين إداري متين وعدم التمرس في تدبير الموارد البشرية؛ فعلى الأقل يتمتع هؤلاء بإلمام ببعض المواد القانونية أو التدبيرية، فأغلبهم قد تخرج من كليات الحقوق أو من مدارس ومعاهد للتكوين الإداري، كالمدرسة الوطنية للإدارة العمومية أو المدرسة العليا لتسيير المقاولات أو المدرسة الحسنية للأشغال العمومية أو المدرسة المحمدية للمهندسين. كما أن جلهم قد تمرس بالعمل الإداري وخبر تقنياته وأساليبه التقنية والعملية.
وفي المجال التعليمي، الذي يعدّ مجالا حساسا وخطيرا ويهم مصير تكوين النشء وتربية عقول وكفاءات مستقبل المغرب، فإنه من الصعب جدا إسناد مهام تدبير هذا القطاع إداريا وماليا ومحاسباتيا إلى أطر تعليمية تنحصر كفاءاتهم بالأساس في أقدمية في التدريس أو في التفتيش أو لاعتبارات حزبية ونقابية تتمثل في انتماءات لهذا الحزب أو ذاك.
وبالرغم من أن ميثاق التربية والتكوين قد انطلق من أرضية تروم تحقيق تسيير جيد للموارد البشرية والتقنية واللوجستكية والمالية، من خلال التنصيص على خلق عدة مجالس (كمجالس التدبير ومجالس الأقسام وغيرها)؛ فقد جرى الحفاظ على هذا النظام الإداري، الذي لا يشترط أية مؤهلات إدارية أو تكوينية في مسيري المؤسسات التعليمية. وهكذا، لا يشترط ميثاق التربية والتكوين الجديد في مادته ال149 إلا (أن يكون المدير قد نال تكوينا أساسيا في مجال الإدارة التربوية) في الوقت الذي ضاعف من صلاحياته ووسّع من مسؤولياته لتشمل عدة مجالات؛ من أهمها الإشراف على التدبير التربوي والإداري والمالي للمؤسسة، ومراقبة العاملين بها، ورئاسة مجالس المؤسسة، واقتراح وسائل العمل الضرورية على الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين، وإبرام اتفاقيات شراكة مع المؤسسات الخاصة، وتمثيل المؤسسة محليا إزاء السلطات العمومية والهيئات المنتخبة، ووضع تقرير عام سنوي حول نشاط وسير المؤسسة وعرضه على مجلس التدبير. في حين قصر مهام مجلس التدبير، الذي يعدّ من أهم مجالس تسيير المؤسسة التعليمية على القيام بأدوار اقتراحية واستشارية، فقد حددت المادة ال17 من النظام الأساسي الخاص بمؤسسات التربية والتعليم العمومي الصادر في 29 شتنبر 2004 اختصاصات هذا الأخير في اقتراح النظام الداخلي للمؤسسة في إطار النصوص التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل، وعرضه على مصادقة مجلس الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين، ودراسة برنامج العمل السنوي الخاص بأنشطة المؤسسة، والتدابير الملائمة لصيانتها، وإبداء الرأي بشأن مشاريع اتفاقيات الشراكة التي تعتزم إبرامها، والمصادقة على التقرير السنوي العام المتعلق بنشاط وسير المؤسسة، والذي يتعين أن يتضمن لزوما المعطيات المتعلقة بالتدبير الإداري والمالي والمحاسبي للمؤسسة في الوقت الذي أسندت مهمة رئاسة هذا المجلس إلى المديرين؛ وهو ما زاد من تقليص صلاحيات أعضاء هذا المجلس الذي يتكون في معظمه من موظفي المؤسسة التعليمية، بالإضافة إلى ممثلين عن هيئة التدريس، ورئيس جمعية آباء وأولياء التلاميذ، وممثل عن المجلس الجماعي التي توجد المؤسسة داخل نفوذه الترابي.
من هنا، يبدو أن الميثاق لم يأت بجديد فيما يتعلق بتحسين المستوى التكويني للطاقم الإداري للمؤسسات التعليم؛ فبالرغم من الاختصاصات والصلاحيات الكبيرة التي أنيطت برؤساء المؤسسات التعليمية، والعدد المتزايد لأعداد التلاميذ، وتعقد ظروف العمل التعليمي ومسالكه، فقد اكتفى الميثاق بالتنصيص على الحفاظ على الوضع الإداري القائم مع اقتراح (تنظيم دورات مكثفة للتكوين المستمر والتأهيل في هذا المجال يستفيد منها المديرون الحاليون في غضون السنوات الخمس المقبلة على أبعد تقدير). وهذا، بالطبع، ما يفسر سوء التسيير الذي يعرفه قطاع التعليم العمومي والذي انعكس من خلال التسيب الإداري الذي يتجلى في الغياب المستمر للأساتذة، وعدم الالتزام بالحصص الدراسية؛ وهو الشيء الذي أدى إلى إصدار مذكرة وزارية بتاريخ 25 مارس 2005 وجهت إلى السادة مديري الأكاديميات الجهوية ونواب الوزارة والمفتشين ومديري المؤسسات التعليمية بشأن وضع برمجة مناسبة تساعد على احترام الحصص الدراسية. كما انعكس هذا الوضع من خلال انعدام الأمن في الفضاءات المدرسية وتردي البنيات التحتية للقطاع التعليمي العمومي.
تردي البنيات التحتية لقطاع التعليم العمومي
لقد لوحظ، منذ أكثر من عقدين، تلاشي وتهالك في جل البنايات التعليمية، خاصة تلك التي توارثناها عن النظام التعليمي لما بعد الاستقلال؛ فنوافذ الحجرات الدراسية مكسرة، أو تم تعويضها بواجهات حديدية، وأبواب الأقسام متهالكة ومتقادمة، والفضاءات الخضراء متلاشية، حتى ليخيل للمرء أنه أمام مؤسسات سجنية وليس أمام مؤسسات تعليمية تربى فيها أجيال المستقبل للاندماج في عولمة القرن الحادي والعشرين.
ولعل جولة سريعة بين بعض المؤسسات التعليمية في وسط العاصمة الاقتصادية، كإعدادية الإدريسي (أو ما كان يطلق عليها سالفا 114)، أو إطلالة سريعة على ثانوية جابر بن حيان، أو ثانويتي إدريس الأول وولادة، وثانوية ابن تومرت... لتؤكد بجلاء الوضعية المزرية التي بلغتها جل الفضاءات التعليمية، ليس فقط في الدار البيضاء؛ بل في كل المدن المغربية. وفي الوقت الذي تعاني فيه أقسام هذه المؤسسات الاكتظاظ، فقد جرى الإجهاز على مجموعة من المؤسسات التعليمية كمدرستي ابن عباد ومحمد عبده التي جرى هدمهما وتفويتهما إلى القطاع الخاص، وثانوية ابن طفيل التي تعرضت بدورها للهدم، إلى جانب مؤسسات أخرى الذي من المنتظر أن يجري هدمها وتحويلها إلى وعاء عقاري.
أما البوادي، فإنه من الصعب جدا إبداء أي تقييم حول فضاءاتها ما دام أن أغلب ما يمكن تسميته بالمقرات الدراسية تفتقد لكل الشروط الهندسية والمعمارية التي ينبغي توفرها في أية بنيات تعليمية تستحق هذا الاسم؛ فأغلب المقرات الدراسية في دواوير هذه البوادي لا تتطابق والعناوين المكتوبة فوق بناياتها، حيث لا تتوفر هذه الأخيرة على حجرات دراسية بالمواصفات القانونية والهندسية أو على ساحات تستوفي الشروط التربوية والترفيهية أو على مرافق صحية، أو حتى على إضاءة مناسبة؛ وهو ما يجعلها فقط عبارة عن اسم بدون مسمى.
وكل ما قيل حول تردي أوضاع المقرات الدراسية، سواء الابتدائية أو الثانوية الإعدادية أو التأهيلية، يمكن أن ينطبق على المقرات الجامعية، خاصة تلك التي شيدت في منتصف الثمانينيات من القرن الماضي، والتي لا يختلف معظمها في شكله ومساحته وهندسته عن المقرات التعليمية للثانويات في المراكز الحضرية الكبرى بالمغرب؛ فالإضافة إلى صغر مساحتها والاكتظاظ الذي تعرفه، فإنها تفتقد لكل شروط الصيانة، حيث إن وزارة التربية الوطنية هي الوزارة الوحيدة التي ما زالت تعتمد في صيانة وتنظيف مرافقها على إمكاناتها الداخلية المحدودة من أعوان وحراس وغيرهم، ولم تلجأ بعد إلى الشركات الخاصة للقيام بهذه المهمة؛ وهو ما يزيد من تفاقم الوضعية المهترئة للبنايات التعليمية.
ولعل هذه الوضعية هي التي جعلت حبيب المالكي، وزير التربية الوطنية السابق، يصدر مذكرة وزارية بتاريخ 28 فبراير 2004 حول (الاعتناء بفضاءات المؤسسات التعليمية) تحث مديري الأكاديميات ونواب الوزارة والمفتشين ورؤساء مؤسسات التربية والتكوين على اتخاذ عدة تدابير من أهمها: إصلاح أبواب ونوافذ وزجاج الحجرات والمكاتب وجميع مرافق المؤسسات، وتنقية ممرات المؤسسة وفضاءاتها وساحاتها أو تخليصها من المتلاشيات، والاعتناء بمرافق الأقسام الداخلية؛ وذلك بالحرص على تنظيف المراقد والمطاعم والنوادي وتبييض الجدران الداخلية والخارجية للحجرات والمكاتب وباقي المرافق وطلاء الأبواب والنوافذ، والقيام بحملات التشجير، والمحافظة على النظام المعماري وجمالية المؤسسة التعليمية ومرافقها وذلك بالتصدي بحزم للخروقات التي تؤدي إلى استغلال غير قانوني للبنايات المدرسية، والحرص على مراقبة البنايات والتجهيزات المدرسية وطرق استعمالها وعلى نظافة المرافق الدراسية وصيانتها، والمحافظة على ممتلكات المؤسسة وتتبع حالتها بالإصلاح والترميم...
ويبدو أن صدور هذه المذكرة لم يغير بشكل كبير من وضعية الفضاءات المدرسية التي ما زالت تعاني التردي والإهمال، بالرغم من كل المحاولات التي بذلت في هذا المجال. فهذا الأمر يرتبط بالأساس بضعف تسيير المؤسسات التعليمية، حيث إن افتقاد المؤسسات التعليمية لمسيرين أكفاء يشكل عاملا أساسيا في استفحال هذه الوضعية. إن تسيير مؤسسة تعليمية لا يتطلب تسيير طاقم تعليمي وإداري فقط؛ بل يتطلب، أيضا وبالأساس، التحكم في الفضاء الذي تتحرك فيه كل الفعاليات التعليمية، سواء كانوا تلاميذ أو أساتذة أو موظفين إداريين.
لذا، فإن أزمة القطاع التعليمي العمومي البنيوية تتمحور بالأساس في النظام التسييري والإداري العتيق الذي ما زالت وزارة التربية الوطنية تسلكه منذ عدة عقود؛ فإسناد مأمورية تسيير مؤسسات هذا القطاع إلى أطر كونت لتلقن وتعلم وتربي وتدرس، وليس لتسير وتدبر الأمور المالية والإدارية والمحاسباتية والعلائقية للمؤسسات التعليمية، هو الذي فاقم وضعية التعليم في المغرب. ومن ثمَّ، فقد أصبح من المحتم الإسراع بخلق مراكز لتكوين مسيرين إداريين يتم اختيارهم من بين حملة شواهد عليا، سواء في الحقوق والاقتصاد أو المحاسبة أو تدبير الموارد البشرية، وإخضاعهم لتداريب خاصة في تسيير المؤسسات التعليمية، لتعيينهم بعد ثلاث سنوات كمديرين في المدارس والثانويات.
أما فيما يخص تسيير المؤسسات الجامعية والمدارس العليا، فمن المفروض تغيير الشروط التي ما زال العمل فيها جاريا في نظام التعليم العالي، حيث يتم وفق ميثاق منطوق المادة ال152 من الميثاق الوطني للتربية والتكوين (تعيين رئيس الجامعة والعمداء، ومديري المدارس العليا والمؤسسات المرتبطة بالجامعة لمدة أربع سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة بعد نداء مفتوح على الترشيحات التي تدرسها لجنة تعينها السلطة الوصية وترفع إلى هذه الأخيرة ثلاثة ترشيحات لتتبع المسطرة المعمول بها في التعيين في المناصب العليا للدولة).
إن هذه الطريقة في التعيين تنعكس سلبا على تسيير المؤسسات الجامعية بالمغرب؛ فشغل أساتذة جامعيين لهذه المهام التسييرية يقلص من عدد الأطر الجامعية التي تكونت أساسا لتدريس الطلبة وتأطيرهم، ويفاقم من الخصاص الكبير الذي يعانيه التعليم العالي. كما أن تعيين أشخاص من بين صفوف الطاقم الجامعي يخلق نوعا من عدم الاستقرار الإداري لهذه المؤسسات يكمن بالأساس في عدم اقتناع باقي الأساتذة بأية سلطة إدارية أو معنوية لشخص يشعرون بأنه لا يتميز عنهم بأية مزايا أو كفاءات تكوينية أو تدبيرية، كما يجعلهم يشعرون بأن الاعتبارات السياسية والحزبية هي التي تختفي وراء إسناد مثل هذه المناصب التسييرية.
من هنا، أصبح من الضروري إعادة النظر جذريا في النظام الإداري لقطاع التعليم العمومي في المغرب؛ فالتكاليف المالية المهمة التي تصرف على هذا القطاع، والمرشحة إلى مزيد من الارتفاع، ينبغي أن يسند تدبيرها إلى مسيرين حقيقيين يكونون ويدربون خصيصا لتسيير مؤسسات تعليمية عصرية أصبحت تتطلب تكوينا حقيقيا في تدبير الموارد البشرية، ومؤهلات خاصة في التسيير المالي والمحاسباتي، وتجربة في التعاملات الإدارية والعلاقات العامة.
كما أصبح من الملح أن يتم الفصل بين التكوين التربوي والتعليمي الذي ينبغي أن يسند إلى الأطر التعليمية التي تم تكوينها لهذا الغرض، وبين التسيير الإداري الذي ينبغي أن يسند إلى أطر إدارية يتم تكوينها لتدبير الشؤون المالية والإدارية للمؤسسات التعليمية ابتدائية كانت أم ثانوية أو جامعية. ولعل القرار المشترك لوزير التربية الوطنية والوزير المكلف بتحديث القطاعات العامة الصادر بتاريخ 16 يونيو 2005 القاضي بإرجاع الأساتذة المكلفين بالمصالح الإدارية إلى أقسام التدريس يعدّ خطوة أولية في هذا السياق.
وبخصوص البنيات التحتية للمؤسسات التعليمية، ينبغي بالأساس أن يتم العمل على الصيانة اليومية لحجراتها الدراسية وساحاتها ومرافقها الصحية والطبية وأبوابها الداخلية والخارجية من خلال إسناد هذه المأمورية إلى شركات خاصة تقوم بالتنظيف والحراسة والصيانة بموجب عقود يتم إبرامها ومراقبة تنفيذ بنودها.
كما ينبغي أن يتم الحرص على تشييد البنايات التعليمية وفق تصاميم هندسية ومعمارية تتناغم والبيئة الثقافية والاجتماعية المحلية، وتتوفر فيها كل المواصفات القانونية وشروط السلامة الصحية والأمنية، وتجهز بكل وسائل التكييف والتدفئة خاصة في بعض المناطق الباردة، كمنطقة الأطلس المتوسط التي يشكو تلامذتها في فصل الشتاء من البرد القارس وشدة الصقيع.
كما ينبغي قبل بداية كل موسم دراسي أن يتم تبييض كل جدران المدارس والثانويات والجامعات وطلاء أبوابها ونوافذها، وتشذيب أشجارها ومساحاتها الخضراء؛ ما سيشعر التلاميذ والطلبة، سواء القدامى والجدد وحتى الأساتذة، بأن مؤسساتهم التعليمية تستقبل موسما دراسيا أو جامعيا جديدا بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى.
وبالنظر إلى أن التصويت في الانتخابات التشريعية ليوم الجمعة 7 أكتوبر 2016 سيتم بلا شك في مختلف هذه المؤسسات التعليمية العمومية؛ فالمواطن أو المواطنة الذي اقتنع بالذهاب للتصويت، إذا كان منطقيا مع نفسه ومنسجما مع ضميره، فإنه لن سيصوت إلا بورقة بيضاء أمام هذا الوضع السوداوي الذي ينخر هذه المؤسسات التعليمية لتنضاف هذه الكتلة إلى مقاطعي الانتخابات في حركة يمكن أن تشكل عصيانا انتخابيا ضمن عصيان مدني يمكن أن يتشكل في المستقبل لمواجهة عبث نخب سياسية تتكالب على المقاعد وتتسابق على المواقع وسط أزمة قطاع تعليمي أثبتت كل البرامج والمواثيق والمناظرات فشلها الدريع في إصلاحه.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.