بوريطة ولافروف يناقشان "تعزيز السلم"    ردود واسعة داخل الشبيبة التجمعية بعد تصريحات الاعلامي عزيز بوستة    بورصة البيضاء تنهي التداول بأداء سلبي    وهبي يقود مرحلة جديدة ل"الأسود" بين تثبيت المكتسبات وطموح المونديال            ترامب: "الاستسلام غير المشروط" لإيران وحده ينهي الحرب    المغربي عيسى حبري يوقع لنادي ستاد رين إلى غاية 2028    عملية الإحصاء المتعلق بالخدمة العسكرية من 2 مارس إلى 30 أبريل 2026 (بلاغ لوزير الداخلية)    إسرائيل تقصف الضاحية الجنوبية لبيروت وتصدر إنذارات بإخلاء بلدات لبنانية في البقاع    تعليق الرحلات البحرية بين طريفة وطنجة    مختل يقتل إماما داخل مسجد بالدريوش    هذه الليلة في برنامج "مدارات" بالاذاعة الوطنية: لمحات من سيرة المؤرخ والأديب محمد بوجندار    وزارة الثقافة تسطر برنامجا فنيا وطنيا متنوعا بمناسبة اليوم العالمي للمسرح    المعهد الفرنسي بالجديدة يفتتح سهرات ليالي رمضان بحضور جماهيري لافت    الرجاء الرياضي ضد أولمبيك آسفي ..المواجهة المفتوحة بين مقدمة و أسفل الترتيب    نقاشات تنبش في الأبعاد الدستورية والسياسية لإصلاح العدالة بالمغرب    إيران تعلن مهاجمة قواعد أمريكية في الكويت وتتوعد ب"مواصلة" الضربات        ارتفاع أسعار الذهب مع تزايد الطلب نتيجة الصراع في الشرق الأوسط    المجلس الوطني لحقوق الإنسان يوصي بوقف اعتقال المدونين ويدعو لحماية الصحافيين من الاعتداءات    حكيمي يودع الركراكي برسالة إشادة بعد إنهاء مهامه مدرباً ل "الأسود"    جامعة الدول العربية تعقد اجتماعا طارئا    وهبي يختار البرتغالي جواو ساكرامنتو مساعداً له في تدريب المنتخب المغربي    لِي مَا لَيْسَ لِي    السعودية تعلن اعتراض ثلاث مسيّرات    سلسلة انفجارات قوية تهز تل أبيب    جبهة إنقاذ "سامير" تحذر من تداعيات حرب الشرق الأوسط وتدعو لإحياء تكرير البيترول وتنظيم أسعار المحروقات    متحدث عسكري: الدفاعات الجوية الكويتية تصدت لهجوم صاروخي اخترق أجواء البلاد    قصف إسرائيلي يستهدف جنوب لبنان        الصيدليات تتمسك بالإضراب الوطني        منتجع مازاغان: سنة حافلة بالجوائز المرموقة.. .    11سنة سجنا لشبكة تهريب المخدرات بالجديدة . .    40 مليون لدراسة تهيئة فضاءات موسم مولاي عبد الله وسط دعوات لإصلاح طريقة تدبيره    لقاء أكاديمي يوصي بضرورة تغيير الثقافة المؤسساتية لتعزيز ثقة المواطنين    دفعة قوية للفلاحة التضامنية بشفشاون.. كرمة يكشف تفاصيل توقيع اتفاقيات جديدة لفائدة ثلاث جماعات قروية    الفنون تحفز "داخليات القصر الكبير"    مغربي ومصري يختفيان أثناء محاولة الوصول إلى سبتة سباحةً    لوبوان الفرنسية: الجزائر تختبئ خلف "الحياد الدبلوماسي" في أزمة الشرق الأوسط... حسابات النظام تعلو على المواقف الواضحة    وهبي: فخور بقيادة المنتخب المغربي وسنعمل لإسعاد الجماهير    وهبي يشيد بالركراكي: ترك لنا منتخبا قويا بلا عقد    البحرية الإسبانية تنقذ شخصاً جرفه التيار على متن "جيتسكي" بين طنجة وطريفة    هالة بنسعيد وحميد الحضري في رمضانيات مسرح رياض السلطان    ظلال رقمية    تحديد ‬الكلفة ‬النهائية ‬للحج ‬في ‬63 ‬ألف ‬درهم ‬تشمل ‬لأول ‬مرة ‬واجب ‬‮«‬الهدي‮»‬        دراسة تحذر: ضوضاء الشوارع تؤثر على صحة القلب سريعا    حقن إنقاص الوزن .. دراسة تحذر من استعادة الكيلوغرامات بعد التوقف            اللجنة الملكية للحج تحدد كلفة حج 1447 في 63 ألف درهم وتشمل الهدي لأول مرة... وإرجاع 1979 درهما للحجاج        أطباء العيون يدعون إلى إصلاحات من أجل مستقبل أفضل للرعاية البصرية في المغرب        القلادة التي أبكت النبي... قصة حب انتصرت على الحرب    الشريعة للآخر والحرية للأنا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



نعم لدولة – الحرية .. الإسلاميون المغاربة وفخاخ "الهوية"
نشر في هسبريس يوم 04 - 06 - 2015


بسم الله الرحمن الرحيم
يعيش المغرب هذه الأيام على وقع أحداث فنية وثقافية مثيرة، أحدثت انقساما حادا في الرأي العام المغربي، الحادثة الأولى، وتتعلق بعرض فيلم مغربي في مهرجان كان السينمائي «الزين اللي فيك» لمخرجه نبيل عيوش، يعالج موضوع دعارة المغربيات، وبأسلوب – أقل ما يقال عنه – أنه صادم لمشاعر قطاع عريض من المغاربة؛ والحادثة الثانية، تتعلق بمهرجان «موازين إيقاعات العالم»، الذي تحتضنه العاصمة الرباط، ويستضيف مشاهير الفن، وتتميز بعض عروضه بالميوعة والانحلال من وجهة نظر عدد كبير من المغاربة أيضا، وقد استضاف هذه السنة الفنانة الأمريكية «جينيفر لوبيز» (Jennifer Lopez)، التي تشتهر بعروضها الساخنة. ولا أجد حاجة في هذه المناسبة أن أعرض موقفي من هذين الحدثين، وأن أسابق المنكرين في استدعاء بلاغة الاستنكار، ويكفيني القول أن هذه الثقافة وهذا النوع من الفن يصادم قناعاتي الأخلاقية.
إن المغاربة متعودون على هذا النقاش، وخاضوا معمعانه في أكثر من مناسبة في السنوات الأخيرة، وخاصة بعد بروز القوى الإسلامية على الساحة السياسية، وهو يعكس - من جهة - أجواء الحرية السائدة بالمملكة الشريفة، ويعكس – من جهة ثانية - حدة التدافع بين الحساسيات الحداثية والإسلامية على أرضية الثقافة، غير أن الجديد هذه المرة هو أن هذا النقاش يدور في ظل حكومة يقودها إسلاميون، حملتهم رياح الربيع إلى السلطة.
وإذا أردت أن أجمل أهم الإشكالات التي أثارتها هذان الحدثان في هذا السياق الجديد، ومن خلال بضع أسئلة، جاز لي ذلك من خلال الأتي:
هل يحق للدولة والسلطات العمومية فرض نمط ثقافي معين باعتباره ثقافة البلد وخصوصياته؟، وكيف لها أن تحقق ذلك؟؛
هل يحق للمواطنين الذين يوصفون بالمتغربين أن يكون لهم نشاط ثقافي عمومي؟؛
هل يجوز للدولة وقنواتها العمومية دعم وتغطية فعاليات الفئات المتغربة؟؛
ما مفهوم دولة الحرية في هذا السياق؟، هل مفهومها إطلاق حرية المواطنين بلا قيود ولا ضوابط؟؛
هل يجوز في بلد على رأسه أمير المؤمنين أن يسمح بعرض مضامين مخلة بالأخلاق الإسلامية على أنظار الجمهور العام؟.
إن هذه الإشكالات وما يتفرع عنها تدور في الجوهر حول مفهوم الدولة الذي نتطلع إليه، فأغلب الذين اعترضوا على الفيلم السينمائي وعروض مهرجان موازين يريدون دولة - رقابة، تلزم العموم ببرنامج سلوك معين، وهو ما يقتضي استعادة أو إنتاج أو تقوية أنظمة الرقابة على السياسة، والإعلام، والإنترنيت، والفن، والثقافة، والصحافة..، معتقدين أن الرقابة على الراشدين تنتج الاستقامة والصلاح، ويغرون حكومة بن كيران باقتراف هذه الخطيئة، أما المتسامحون مع الفيلم السينمائي وعروض موازين، وإن اختلفوا مع مضامينهما، وانتقدوهما بشدة، فإنهم يتطلعون إلى دولة – الحرية، التي ينعم فيها سائر المواطنين على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم، وميولاتهم بالحرية في ممارسة قناعاتهم إلا ما حرمه القانون، وفي هذا الإطار يحق للأقلية الاستفادة من إمكانات الدولة شأنها شأن الأغلبية والتمتع بحقوق المواطنة السياسية والثقافية.. إلخ.
فإذا، السؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق، ما هو مفهوم الدولة الذي يتطلع إليه المغاربة، والذي سيساعدهم على تحقيق طموحاتهم في التحرر، والديمقراطية، والعدالة؟.
في سياق الجواب عن هذا السؤال نقول: يجب أن يدرك جمهور الإسلاميين بالمغرب أن هؤلاء الذين تطالبون اليوم بإلغاء مهرجاناتهم، وتسعوا إلى أن تقيدوا حرياتهم الصحفية، وتمنعوا سينماهم..، هم الذين كانوا قبل مدة ليست بالطويلة يحرضون على منع أحزابكم، ويطالبون باستئصالكم، ويعتبرونكم كائنات غير سوية لا تستحق الوجود، ولا زال بإمكانهم فعل شيء من هذا، وذلك اقتناعا منهم بدور الدولة في التهذيب وتحقيق الحداثة المنشودة، واليوم أنتم ومن حيث لا تشعرون تسعون لتكرار نفس الأخطاء، وتستعملون نفس المنطق..، يجب الاقتناع بأن هناك تعدد حقيقي في الواقع، وهناك – بالمقابل - إمكانية للعيش المشترك، هناك إمكانية للاختلاف الثقافي والاجتماعي دون حاجة لاستعمال الدولة وتوريطها في حوض لا تحسن السباحة فيه، ومن ثم فالواجب العمل - كل من جهته - على بناء «العيش المشترك».
إن الذي عانى من ويلات الاستبداد والتمييز الثقافي أولى به اليوم أن يكون نصيرا للحرية مهما كانت قاسية، وحذِرا من أي دعوة لإحياء دولة الرقابة، ومدح محاكم التفتيش الافتراضية في عقائد الناس، ومعاملاتهم، وعباداتهم..، والقضاء فيهم وعليهم..، فبدل أن ينشغل البعض بالإنكار على شركائه في الوطن ممارسة قناعاتهم وفنونهم، فليتوجه لزرع المعروف، وتوسيع دائرته بحسب قناعاته هو أيضا.
إن المغرب يعيش طورا متقدما في التحول السياسي والثقافي والاجتماعي من دولة – الرقابة، المُتَبَّلَة بالآداب السلطانية، وروح النموذج التسلُّطي الحداثي، إلى دولة – الحرية، التي يتقلص فيها دورها إلى رعاية المصالح الاقتصادية وجلب أسباب الرفاه، وتحقيق الأمن، والدفاع.. إلخ، وتتخلى تدريجيا عن الوظائف الثقافية لصالح المجتمع المدني. ومن المفهوم جدا في أطوار انتقالية – كهاته - نشوء عدد من النزاعات بين الفاعلين المدنيين والسياسيين حول قضايا الهوية والثقافة، واستدعاء الدولة للحكم فيها والاستقواء بها خطأ جسيم، وخطر قاتل. وتشكل هذه النزاعات مناسبة لتحقيق التوازن، وتحصيل التفاهمات الثقافية الكبرى، لأن المسألة في نهاية المطاف ليست بالغلبة، ولن تحسم بالقهر، بل بالحوار المدني، العقلاني، والهادئ، القائم على الاعتراف المتبادل بين جميع الأطراف.
إن مستقبل المغرب، وازدهاره الحضاري متعلق بتحقق نموذج دولة – الحرية، ولا يتصل بصلة بالنموذج البئيس الآخر، مهما كانت «ضروراته»، وما ينشأ من صدام بين المكونات الثقافية والاجتماعية بالمغرب على هامش عدد من الأحداث الثقافية هو تمرين مدني، وبيداغوجي من شأنه أن يقرب المغاربة بكافة أطيافهم من بعضهم البعض، ويقربهم أيضا من غاياتهم الكبرى، ومن ثم إقرار حياة ديمقراطية على المستوى الثقافي والاجتماعي، وأسوء ما يهدد هذا التمرين هو أن تستجيب الدولة لنزعاتها التسلطية، وتتدخل لصالح هذا الطرف أو ذاك، وأقصى ما يطلب منها في مثل هذه الحالة هو البقاء على مسافة واحدة من الطرفين، راعية لتكافؤ الفرص والحظوظ، وداعمة للحوار الثقافي المدني.
وأخيرا؛ إن المقولة التي يحتج بها كثير من الناس وهي «إن حريتك تنتهي حيث تبدأ حرية الآخرين» ليست دالة، ولا حجة فيها، كما يتصور الكثيرون، بل هي ملتبسة غاية الالتباس، فما مفهوم «حريتكَ»؟ وما هي حدودها؟، ونفس السؤال يطرح حول «حرية الآخرين»، ما مفهومها؟، وما هي حدودها؟. فما أرى فيه - أنا - مسًّا بحريتي، لا يراه كثير من الناس كذلك، وفي كثير من الحالات، ونحن في قمة الضجر من وقائع وأحداث.. نُفاجأ بأجوبة باردة من بعض الناس، من قبيل عادي، «ما فيه مشكلة»..إلخ، كما أن «حرية الآخرين»، هي متحركة الحدود وليست ثابتة، ففي حالات تتيح لك مجالا رحبا لممارسة كينونتك، وفي حالات أخرى تُضَيِّق عليك، حتى تكاد تَخْنقك..، ومن ثم فالتنزيل السليم لهذا المثل الذي سار في الناس هو القانون، ولا شيء آخر غير القانون.
-أستاذ باحث – المغرب


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.