المنتخب المغربي يزيل العياء في ليل    إصابة شخصين بعد استعمال شرطي لسلاحه الوظيفي بحي مسنانة بطنجة    "حوار" تكرم باسو بمدينة أوتريخت    توقيف شخص بفاس وحجز أزيد من 7000 قرص مخدر بمحطة القطار    كلمة المخرج المسرحي طارق بورحيم    المسرح المغربي ينتقل إلى مرحلة جديدة : بنسعيد يؤشر على الرفع من سقف المنح وتدابير جديدة لترسيخ الاحترافية    أوروبا تدعم حرية العبادة في القدس    فوضى النقد    "نقابة" تدعو إلى التوظيف العاجل لتقنيي الإسعاف والنقل الصحي وتحذر من خصاص حاد بالمؤسسات الصحية    الجامعة الوطنية للتعليم تقرر الطرد النهائي لحسن أومربيط على خلفية تزوير بطائق الانخراط    صراع "السّوشل ميديا"    الاتحاد الإفريقي لكرة القدم (الكاف) يجري تعديلات على لوائحه لتعزيز الثقة في الحكام ومشغلي تقنية الفيديو والهيئات القضائية (بيان)    المغرب يطالب بموقف عربي موحد لردع التدخلات الإيرانية ووقف استهداف المدنيين    توقعات أحوال الطقس لنهار اليوم الأحد        زيادات قوية جديدة مرتقبة في أسعار المحروقات بالمغرب    مسار نضالي لشابة اتحادية من فاس إلى قيادة «اليوزي» .. انتخاب هند قصيور عضوا في مجلس الرئاسة يعزز الحضور المغربي في الدبلوماسية الشبابية    اللقاء الجهوي للحزب بجهة مراكش – أسفي يصادق على أوراق المؤتمر الجهوي    منح الرخص الاستثنائية لاستيراد التمور يضع الحكومة أمام سؤال العدالة التجارية والمنافسة الشريفة    الإكوادور تكشف حاجة المنتخب الوطني لمزيد من العمل رغم الإشارات الواعدة    احتفاء بيوم الأرض الفلسطيني .. ليلى شهيد.. حياة بين المنفى والنضال وعشق المغرب    رسملة البورصة تتجاوز 964 مليار درهم    فضاء حقوقي يسجل تنامي التضييق على الحريات ويدعو لانفراج سياسي    فتوى الخامنئي المرسلة لإخراج فيلمي حول الإمام الحسين    فيدرالية اليسار تحذر من "أزمة مركبة" وتدعو لكسر ثنائية "الاستبداد والمحافظة"    موهبة ريال مدريد يسير على خطى لامين يامال ويُفضل "لاروخا" على المغرب    تنقيلات داخلية لرجال السلطة المحلية لمواجهة العشوائي بإقليم مديونة    الحسيمة.. زيارة ميدانية لمواكبة إعادة إحياء زراعة الصبار    المعرض الجهوي للكتاب والقراءة بأولاد تايمة في دورته ال18 يحتفي بالثقافة والتراث    كوريا تطلق نظام "تناوب السيارات" وترفع حالة التأهب بعد ارتفاع أسعار النفط عالميا    نادي المحامين يكلف مفوضا قضائيا لتوثيق وقائع ملعب ستاد دو فرانس ويصعد نحو الفيفا    غوغل تطلق رسميا ميزة "البحث الحي" بالصوت والكاميرا    رئيس البرلمان الإيراني يقول إن واشنطن "تخطّط سرا لهجوم بري" رغم بعثها "علنا"رسائل للتفاوض    ارتباك بصري في ودية أمريكا وبلجيكا    حركة "لا ملوك" تٌخرج ملايين المتظاهرين في الولايات المتحدة ضد ترامب وسياساته    بعد انتشار فيديو صادم.. توقيف سائق حافلة اعتدى بوحشية على سائق شاحنة    بريد المغرب يصدر طابعا بريديا تذكاريا بمناسبة الدورة ال 58 للجنة الاقتصادية لإفريقيا    فاجعة في ملعب أزتيكا تسبق مباراة المكسيك والبرتغال الودية    جلسة عمل بالرباط لمناقشة تحضيرات تنظيم البطولة العربية للمواي تاي بطرابلس    أمطار مراكش تكشف اختلالات البنية التحتية وتفجّر مطالب بالتحقيق والمحاسبة وتعويض المتضررين    إيران تقصف مواقع صناعية في الخليج    عمان: لم يعلن أي طرف مسؤوليته عن الهجمات على السلطنة    واشنطن بوست: البنتاغون يستعد لإطلاق عمليات برية داخل إيران    توقيف العقل المدبر لعمليات "الاختراق الجوي" بطنجة في عملية أمنية محكمة    "ناسا" تخطط لتطوير قاعدة دائمة على سطح القمر بكلفة 20 مليار دولار    سوسيولوجيا عائلات مدينة الجديدة .. الرأسمال الرمزي والذاكرة الحية ل"مازغان"            مظاهرة في لندن ضد اليمين المتطرف    إصدار جديد للأستاذ إبراهيم بوغضن في أصول الفقه السياسي عند الغزالي.    وزارة_الأوقاف توضح مآل المساجد المغلقة بإقليم الجديدة وتكشف تفاصيل برنامج التأهيل .        التأق أو الحساسية المفرطة في المغرب.. غياب قلم الأدرينالين مسألة حياة أو موت    الطالبة الباحثة حنان خالدي تناقش أطروحة الدكتوراه في مجال التغذية والبيوكيميا    دراسة: الطعام فائق المعالجة يقلص خصوبة المرأة    هل يستبيح ديننا آلامنا؟    مواقف يتامى إيران في المغرب تثير أكثر من تساؤل    وزارة الأوقاف تكشف عن مضمون خطبة العيد الرسمية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الأغنية الأمازيغية بالريف..الحسيمة نموذجا
نشر في شبكة دليل الريف يوم 05 - 07 - 2024

تجد الثقافة الأمازيغية، ذات التقاليد الشفوية، تعبيرها الأكثر غنى تطورا في الحكايات والأغاني. وإذا كانت الحكايات تنتقل من جيل إلى جيل دون تغييرات جوهرية في الكلمات والمضمون، فإن الأغاني (أي الأشعار) تختلف وتتغير من عصر إلى آخر وفقا للظروف الداخلية للمجتمع الريفي أو وفقا للتأثيرات الأجنبية والخارجية. بمعنى أنه لا نجد في الريف كلمات أغنية ضاربة في القدم مثلما نجده في القصص الشعبي. ويهدف هذا المقال إلى تناول خصائص الغناء والفن الموسيقي في منطقة الريف، وخاصة في الحسيمة ونواحيها، و التحولات الحالية لهذا الشكل من أشكال التعبير الفني.
و يجدر قبل ذلك ان نذكر بأن اللغة المتداولة بإقليم الحسيمة تنقسم إلى ثلاث لهجات: الجزء الغربي (ترجيست، كتامة) حيث نجد اللهجة العربية وأمازيغية صنهاجة، والجزء الشرقي حيث تتداول لهجة الأمازيغية الريفية. وهذه المنطقة الأخيرة هي التي تشكل موضوع هذا المقال.
بداية، يجب التمييز، حسب ذ.محمد أوبنعل، الباحث في علم الاجتماع بالمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، بين الغناء المحلي أو المشترك (communautaire) غير مهني وغير مؤدى عنه، وبين الغناء الاحترافي (professionnel) الذي يتم فيه استدعاء فرق موسيقية مقابل أجرة معينة، بمعنى أن الموسيقي أو المغني يتخذ فنه مهنة يعيش منها.
الغناء المحلي التقليدي ينتمي إلى أشكال الغناء والرقص والموسيقى التي يتم أداؤها بمناسبة حفلات الزفاف، والمواسم مثل العنصرة، وتويزة، حيث يشارك الرجال والنساء من نفس ادشار (الدوار) في الاحتفالات، دون الحاجة إلى استدعاء فرقة أو فرق موسيقية محترفة. إذ يشبه هذا النوع من العروض الجماعية ما كان يجري القيام به أو لايزال في مناطق أخرى من شمال أفريقيا: مثل الأحواش في سوس، أو أحيدوس في الأطلس.
وفي هذه المناسبات يتم ترديد "إزران" مع لازمة "رلا بويا". وهنا نقدم وصفا متواضعا لما كانت تقوم عليه أشكال الفرجة الجماعية القروية التقليدية إلى عهد قريب بالريف (إلى حدود التسعينيات من القرن الماضي، على وجه التقريب).
في حفلات الزفاف، على سبيل المثال، يتم تنظيم احتفالات الفرجة بعد العشاء. من أجل ذلك يختار أهل الحفل أو مساعدوهم مكانا (مَسْرحا) مناسبا للفرجة: إما فناء منزل ريفي كبير، أو ساحة خارج المنزل، أكثر سعة وانبساطا، علما بأن سكان الريف لم يتخذوا دائما مساكنهم على أراض سهلة ومنبسطة. هذه الساحة المعدة لتلقي الفرجة تسمى "لمراح"، أو "رمراح". في الوسط، توقد نار هائلة من الخشب، وستكون لهذه النار المشتعلة العديد من الفوائد والاستخدامات، منها: إضاءة المكان، وتسخين البنادر أو ما شابهها، وغلي الماء لإعداد الشاي. كما أن هذه النار هي مصدر للحرارة وتدفئة الجو وتنشيطه، ومن ثم فهي رمز أساسي وإعلان ببداية الفرجة. فعلامة إقامة الفرجة لدى الحضور أو الزوار هي إيقاد هذه النار الملتهبة، علما بأنه لم تكن هناك بعد إنارة كهربائية في البوادي. (في هذا النوع من الفرجة، يمكن الرجوع إلى لوحات الفنان السكاكي عبد القادر الذي وصف المشهد بفرشاته).
لجلوس الحاضرين حول ساحة الفرجة، توضع حصائر من الأسل (أزراف) أو الحلفاء (أري)، مرتبة على شكل دائري. أحيانا تغطى تلك الحصائر ببطانيات أو زرابي، وقد تضاف وسائد... (حسب الأحوال المادية و الاجتماعية للعائلات) . يتم تخصيص أزيد من نصف الدائرة كمكان لجلوس الرجال الذين توضع أمامهم موائد وأوان لتحضير الشاي. أما النصف الثاني المتبقي من الدائرة، والمقابل لتجمع الرجال، فهو مخصص للنساء. وغالبا ما يكون مكان النساء هذا محاذيا لمنزل صاحب الحفل (العريس)، ملاصقا به، حتى يسهل عليهن الاحتماء داخل المنزل إن حدثت فوضى. إذ كانت تحدث أحيانا فوضى عارمة لسبب أولآخر، وتسمى "ثرز اثمغرا".
تنتظم الفتيات في مجموعات من أربع، وبيدهن بنادر للضرب ، ثم يتقدمن إلى وسط الساحة (لمراح)، لغناء إزران (أبيات شعرية ريفية). هذه الأبيات تتخللها لازمة "رلا بويا" التي لها دور في تثبيت اللحن وضبط الإيقاع، و توفير مهلة التفكير في استظهار أو ارتجال إزران جدد. لذلك ظل الغناء الريفي يسمى "رلا بويا" تبعا لتلك اللازمة المستعملة لضبط الوزن واللحن. يجب التذكير بأن الغناء المحلي أو المشترك في مثل هذه المناسبات يكون من اختصاص الفتيات فقط. يحكى أنه قديما حتى النساء المتزوجات يمكن أن يغنين في الأماكن العامة، ولكن في الحالة التي نصفها هنا، فإن الفتيات العازبات وحدهن من كن ينشطن الحفلة، ويسمح للمتزوجات أن يزغردن.
وإذا ما حدث أن خرجت لساحة الغناء (لمراح) أكثر من فرقة في الوقت نفسه، وفعلا كثيرا ماكانت تخرج أكثر من فرقة، فيؤدي ذلك إلى نوع من اختلاط "إزران". وينتج عن ذلك التداخل في الأصوات والإيقاعات بعض النشاز المثير للضحك، والمثير لصيحات الفرح والزغاريد أيضا. يستمع الجميع ويستمتع بإبداع وشاعرية إزران، ومن حين لآخر يقوم الرجال بإلقاء صيحات للتعبير عن التقدير والإعجاب والفرح. و يسمح بذلك الصياح المعبر عن الإعجاب (والسخرية أحيانا) والمسمى "أعيض" فقط للمحليين من أهالي العريس، ولا يسمح به للزائرين الذين أتوا من بعيد، أي من مداشر أو من قبائل وأماكن أخرى.
وما قلناه عن حفلات الأعراس، هو نفسه من جملة ما كان يحدث في حفلات العنصرة، التي تصادف اليوم السابع من يوليوز، والتي اندثر الاحتفال بها منذ سنوات الثمانينيات.
أما في ثيويزوين ، وهي جمع كلمة "ثويزة" التي تعني العمل التطوعي الجماعي، والتي غالبا ما تنظم أثناء موسم الحصاد لجمع المحاصيل الزراعية، فالغناء المشترك يمكن أن يشارك فيه الرجال أيضا، خصوصا إن كانوا وحدهم، أو في جهة بعيدة شيئا ما عن الفتيات. تجدهم يغنون ويصيحون بصوت عال لتخفيف العبء وللترويح عن النفس.
ذلك إذن هو النوع الأول من الغناء بالريف، وقد تصادفه ولو بدون مناسبة، في الحقول أو جمع الكلإ أو الحطب أو جلب الماء... وهو موجود في كل المناطق وسمته الأساسية أنه عفوي وبسيط ولا يؤدى عنه أجر والمشاركة فيه مفتوحة للجميع، لمن له صوت جميل أو غير جميل، لأنه غناء بعيد عن الحضور والمتفرجين.
أما بالنسبة للغناء الاحترافي (وهو النوع الثاني من الغناء)، فتؤديه تقليديا مجموعات تسمى محليا ب "إمذيازن" . إنهم مغنون وموسيقيون مهنيون، مدربون تدريبا جيدا، مثل مجموعة "الشيخ موحند وأبناؤه"، و"ثاوا نشيخ عيسى" في إمزورن، وغيرهم. إنهم يعملون مقابل أجر نقدي أو عيني لتنشيط حفل زفاف، ومرافقة عروس إلى منزل الزوجية، وتنشيط احتفال بمولود، واستقبال حاج بمناسبة عودته من مكة المكرمة، إلخ. والآلات الموسيقية الأكثر انتشارا لديهم كانت البندير والطبل والناي والغيطة وأحيانا آلة الزمار (آلة للنفخ تنتهي بقرني ثور). وفرق إمذيازن هذه تنتقل طبعا من مكان إلى آخر حسب الطلب، وعملها الأساسي هوالموسيقى والغناء والتنشيط الفرجوي. ويمكن التعاقد مع أفراد الفرقة في الحسيمة وإمزورن وتاركيست، أو أثناء البحث عنهم في عرس أو احتفال ما.
هذه الأشكال من الاحتفالات التقليدية، التي كانت تنظم بالطريقة المذكورة أعلاه (أكانت محلية أم مهنية)، قد انخفضت اليوم شعبيتها، مما فسح المجال لأنماط أخرى من الأغاني و الموسيقى والتنشيط.

ولادة أشكال موسيقية جديدة
وبما أن لكل تغيير أسبابه وحيثياته، فمن أسباب التحول في الغناء الريفي (كما في مناطق أخرى)، نجد في البداية الانتشار الواسع لاستعمال البطاريات، مما مكن من تشغيل مكبرات الصوت. بعد ذلك، مع توسيع شبكة الربط الكهربائي ستستعمل آلات موسيقية جديدة مثل القيثارة الكهربائية والباص والبيانو الكهربائي والميكروفون ومكبر الصوت (البافل) ...
كما أن تقنيات التواصل الجديدة ساهمت بدورها في تطوير الأغنية الريفية، مثل بث الأغاني عبر الراديو والتلفزيون، وانتشار أجهزة التسجيل مثل مشغل الكاسيت والفيديو والتسجيل في الأستوديو، والاتجار في كل تلك المنتجات السمعية-البصرية وبيعها في أماكن خاصة أو في الأسواق... وكذلك ظهور قاعات مخصصة للحفلات والأفراح، وإقامة حفلات موسيقية وغنائية ومهرجانات في الساحات العمومية، كلها عوامل ساعدت على ظهور أشكال موسيقية جديدة ودفعت إلى ميلاد مجموعات غنائية معاصرة.
عند نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات من القرن الماضي، ستظهر إذن أشكال أخرى من الموسيقى والغناء. حيث تم التحول من أبيات شعرية قصيرة، عبارة عن مقطوعات إزران متبوعة بلازمة "رلا بويا"، إلى قصائد أطول على شكل نصوص شعرية لها وحدة الموضوع. فمع بداية التسجيل وتسويق الأغاني ستتسع دائرة المتلقين وسينعكس كل ذلك على نوعية الأغاني واختيار الكلمات والموسيقى... ولكن التحول الأهم سيتضح على مستوى الآلات الموسيقية المستعملة.
ففي بلدة الحسيمة، كان أول فنان يسجل ألبومه هو قاسم الورياشي ( قوسميت). خلق تجديدا باستخدامه لآلات عصرية: الغيتار والباص والباتري ... ومن خلال إبداعه لأغاني على شكل قصائد شعرية معنونه ومحترمة لوحدة الموضوع والمعنى. بدأ قوسميت مسيرته الموسيقية في عام 1977 وسجل ألبومه في عام 1979 في الدار البيضاء. وهو يتعامل مع قضايا الواقع المعيشي مثل البطالة، ووضعية المرأة، والهجرة، وهروب الزمن، وما إلى ذلك. سيساعد قوسميت لاحقا العديد من الفنانين الشباب في مشاريعهم. وافته المنية رحمة الله عليه بطنجة سنة 2023.
بعد ذلك، نجد مجموعة تواتون (معناها المنسيون)، التي تأثرت بموجة ناس الغيوان، على غرار مجموعة إزنزارن في سوس، ومجموعات أخرى عديدة، مما يسمى فنهم بالموجة الغيوانية أو بالنمط الغيواني. يكمن أسلوبهم المشترك في اختيار الأغنية الملتزمة مصحوبة بآلات بسيطة مثل البانجو والطمطم والبندير. إنه أسلوب موسيقي حيث يردد الجوق (الكورال) الأبيات التي يطلقها المغني الرئيسي. وهو نفس الأسلوب الغنائي لدى فرق موسيقية من الناظور مثل إريزام، بنعمان، إسفضاون، إسغوان ، إنومازيغ، الخ. وبسبب أغانيها الملتزمة، كثيرا ما كانت هذه الفرق الموسيقية الجديدة تتعرض لضغوطات ومضايقات، مثلما حدث مع بوجمعة العضو الرئيسي لمجموعة تواتون الذي تم اعتقاله ومحاكمته. بعد ذلك سيهاجر إلى الديار الاسبانية إسوة بالعديد من أصدقائه، وسيستمر في مسيرته الفنية صحبة عبد الحق أقندوش وآخرين. تحمل أغاني تواتون عناوين من قبيل: ادهار أبران، أبريذ إنو اذوا، رحبوساث عمارن، ثزروت ن نكور، عبد الكريم، ثنايي يما، الخ. (ولتفاصيل أكثر دقة حول مجموعة تواتون يمكن الرجوع إلى سلسلة مقالات من إعداد محمد الزياني، والمنشورة بموقع ألتبريس)
ثيدرين (السنابل)، هي مجموعة موسيقية مشهورة في الحسيمة وفي اوروبا (الشتات). تشكلت من قبل الفنان والشاعر الكبير حسن ثيدرين (حسن الفارسي) في الثمانينيات. من بين أعضاء المجموعة امحند أبطوي وجمال باكو، المستقران في هولندا. تصر كلمات مجموعة ثيدرين على الهوية الأمازيغية والذاكرة المحلية لمقاومة الاستعمار الإسباني، ومناهضة الفساد والقمع بشتى أنواعه. كانت أغانيهم تعاني من الرقابة و الضغوطات، إسوة بكل الفنانين الملتزمين الآخرين. يعبر أعضاء المجموعة عن غضبهم وعن مواجهة الظلم والبؤس والكراهية المكرسة للريف من قبل المخزن آنذاك. ثيدرين مجموعة تندد وتطالب وتكافح من أجل الكرامة. تميزت منذ عقود بأسلوبها الأصلي والخاص بها الذي يجمع بين الإيقاعات القديمة والموسيقى العالمية. من بين أغانيها: خاتشي روازنة، فوس ك فوس، أزول، بييا، مين نووي، موحند أمقران، وخا اندناي...
وفي سنة 2009، ستظهر مجموعة أخرى تقوم بتوليف بين الموسيقى التقليدية والموسيقى الحديثة: مجموعة أكراف Agraf ، والتي تعني "خلية نحل". فبحسب رأيهم، ترمز هذا التسمية إلى "أن كل عضو في المجموعة يعمل كنحلة في خليتها. المجموعة تحول رسالتها إلى موسيقى كما تحول النحل قوتها إلى عسل." وهذه المجموعة ما زالت تشتغل وتنتج، وتلقى ترحيبا واسعا بين الجماهير داخل المغرب وخارجه.
الحراك (حركة الاحتجاج) الذي اندلع في مدينة الحسيمة بعد وفاة بائع السمك محسن فكري في أكتوبر 2016، شهد اعتقالات طالت حتى الفنانين مثل سيليا الزياني، أنس الخطابي (مغني الراب)، بدر بولحجل من مجموعة أكراف المذكورة.
أما مجموعة ريفانا Rifana، التي تأسست منذ عام 1992، انتظرت عشرين عامًا لرؤية إصدار ألبومها الأول "إزران" في عام 2012. حصلت المجموعة على الجائزة الأولى للأغنية الأمازيغية الحديثة من قبل المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية في عام 2016 لألبومها الثاني "أراغي". يتناول الألبوم، الذي قام بتأليفه وغنائه فريد الحمديوي، قضايا اجتماعية وإنسانية مثل الهوية، والهجرة، والذاكرة، والتاريخ، والمشاعر الإنسانية، إلخ. فيما يتعلق بالأسلوب، تستمد المجموعة من أنماط متنوعة بحيث تقدم مزيجا جميلا من الإبداعات الموسيقية.
ثغراسث thaghrastهي مجموعة موسيقية تأسست في عام 2006. رأى النور ألبومها الأول في عام 2010. شاركت المجموعة في مهرجانات كبيرة مثل مهرجان موازين، وفي ملتقيات أخرى مثل: أغادير، الرشيدية، مكناس، فاس، الناظور، الرباط... على الرغم من غياب قاعات العزف والتدريب وعدم حصولها على أي تمويل، وصلت ثغراسث إلى المركز الثاني من بين 25 مجموعة مشاركة في الدورة التاسعة من "الموسيقى الإثنية بلا حدود" التي نظمت في إسبانيا عام 2012.
فيما يتعلق بمنطقة الحسيمة وما حولها، لا يمكننا تعداد كل الفنانين المعروفين بالفعل، أو الذين لا يزالون يبحثون عن تحقيق طموحاتهم في الأغنية الريفية. وبعجالة نكتفي بذكر: علال شيلح، حفيظ تيفريجاس، إيمطاون، سوليت، محمد نوميديا، محمد زياني، نبيل ثويزا، فرقة سيفاكس، rif experience، سيليا زياني، لينا شريف، سلوى سكاكي، والقائمة طويلة. لقد قاموا بثورة حقيقية في مجال الغناء بالريف، لحنا وكلمات وآلات موسيقية. بينما ظل البعض الآخر وفيا لتقاليد "رلا بويا" وأغاني الإزران وقاموا بتجديد الآلات فقط، مثل سلام الريفي، ميلودة، فريدة الحسيمية، محمد أمين. هذا، وطبعا لم نتكلم هنا إلا عن الحسيمة كما اقتضاه موضوع المقال، ولم نستحضر مناطق أخرى من الريف.
أخيرًا، لا يجب نسيان مجموعة من الفنانين الذين انتشروا في أوروبا، والذين يشيرون في أغانيهم إلى بلادهم الأصلية، تمازغا. نشير في هذا السياق إلى المجموعة الشهيرة والموهوبة "إمتلاع" المقيمة في هولندا، التي تمزج موسيقاها بتأثيرات عالمية، مساهمة في التواصل وتبادل الثقافات بين المجتمعات. إذ تساهم أغاني المجموعة في إعادة الآلاف من الريفيين إلى تواصلهم مع ثقافتهم الأصلية. وتعتبر إمتلاع واحدة من أفضل فرق الموسيقى الأمازيغية في أوروبا. كما لا ننسى مواكبة الأغنية بالريف عامة وبالحسيمة خاصة، للتطورات المستجدة والتقنيات المعاصرة، مثل دور الديجي في تنشيط الحفلات أو في إنتاج مقطوعات للبيع.
في الختام، نرى أن مجال الموسيقى في الريف قد تطور بشكل كبير. لقد حدث التحول من مقطوعات إزران بسيطة يتم التفكير فيها بعجالة وتؤديها فتيات للاستهلاك المحلي الضيق أثناء الزفاف على إيقاع البندير، إلى أشكال من النصوص الشعرية المعقدة التي أبدعها فنانو الكلمة بعد مجهود طويل، مصحوبة بآلات حديثة في أيدي محترفين موهوبين.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.