مجلس النواب يصادق بالأغلبية على مشروع القانون المتعلق بالخبراء القضائيين    مطالب نقابية بتسوية الوضعيات الإدارية لمستخدمي المكتب الوطني للمطارات    "التلفزيون الإيراني": لم يغادر أي وفد حتى الآن إلى باكستان لحضور محادثات السلام مع أمريكا    جنود يابانيون يفارقون الحياة في تدريب عسكري    طقس الثلاثاء.. تشكل سحب منخفضة وضباب محلي    كيوسك الثلاثاء | الحملات الطبية لوكالة بيت مال القدس تكسر العزلة عن القرى النائية    السفير هلال يلتقي مدراء البنك الدولي    ملتقى الفلاحة بمكناس: مشاركة 70 بلدا و1500 عارض واستقبال مرتقب ل1.1 مليون زائر    وكالة الطاقة الدولية: حرب إيران تتسبب في أكبر أزمة طاقة على الإطلاق    وزير الفلاحة يؤكد بمكناس أهمية الإنتاج الحيواني ضمن السياسة الزراعية للمغرب    حسن مرزوقي: جهة سوس ماسة تراهن من خلال مشاركتها في معرض مكناس على الشراكات والاستثمار وتعزيز الفلاحة المستدامة    الزمان سينصف تطوان    توقيف شخص بطنجة في قضية تتعلق لترويج المخدرات والمؤثرات العقلية    مصرع شابين غرقًا في وادٍ بمدشر أزنات بضواحي إقليم شفشاون    93.3 في المائة من الأسر المغربية صرحت بارتفاع أسعار المواد الغذائية خلال 12 شهرا الأخيرة    توقيف مروج للمخدرات بضواحي طنجة وحجز أزيد من 11 ألف قرص مهلوس    ترامب: سيتم توقيع اتفاق مع إيران "الليلة"    الأمير مولاي رشيد يترأس بمكناس افتتاح الدورة ال 18 للملتقى الدولي للفلاحة بالمغرب    التعاون التكنولوجي العسكري بين المغرب وأمريكا يدخل مرحلة أكثر تقدماً واستدامة    أخبار الساحة    السغروشني: البت في الساعة القانونية تنظمه مقتضيات قانونية وتنظيمية وليس قرارا قطاعيا صرفا    أمسية شعرية بتارودانت احتفاء باليوم العالمي للشعر واليوم العالمي للمرأة    بوصوف والروخ في ضيافة المقاهي الثقافية    «الفلسفة الإفريقية: التحرر والممارسة» معربا: من أجل استعادة الهوية الفلسفية الإفريقية    إلى السيد وزير الشباب والثقافة والتواصل    34 ألف مستفيد من أداء مناسك الحج لموسم 1447ه    دعوات للتحرك المبكر لوضع حد لفوضى الصيف بشواطئ الحسيمة    إحداث أزيد من 1100 مقاولة جديدة بجهة طنجة خلال يناير    العقوبات البديلة.. 926 عقوبة بالغرامة اليومية بنسبة 43,6 في المائة من مجموعة الأحكام    بين خفض التكاليف والرقمنة.. وزير الأوقاف يستعرض حصيلة ومستجدات موسم الحج    أكاديمية المملكة تنظم الدورة ال 51    خمس سنوات سجنا لوزير جزائري سابق    أداء سلبي ينهي تداولات بورصة البيضاء    نشرة إنذارية.. زخات رعدية وطقس حار اليوم الاثنين بعدد من مناطق المملكة    بلاغ جماعة العرائش حول حادث سقوط طفل يثير الجدل ويعيد النقاش حول المسؤولية القانونية في تدبير الفضاءات العمومية    حارس اولمبيك آسفي بوسف المطيع يفجرها: " لابد من مراجعة العلاقات مع الجيران"    الرئيس عون: لن يشارك أحد لبنان أو يحل مكانه في المفاوضات الثنائية مع إسرائيل    نقابة تنادي بوكالة وطنية للمحروقات    المستشارون يناقشون حصيلة الحكومة    مخاوف من ظهور سلالة فرعية من متحور أوميكرون..    الأسبوع العالمي للتلقيح.. وزارة الصحة تجدد التأكيد على مجانية اللقاحات وضمان استدامتها    تطوان وردة وطن    جمعية مختبر الريف للأبحاث الدرامية تتوج بعرض مسرحي متميزفي إقصائيات جهة الشرق لمسابقة محمد الجم لمسرح الشباب    دوري باراغواي يشهد "أعمال شغب"    أسباب اقتحام الجمهور الجزائري أرضية ملعب المسيرة الخضراء في آسفي    بايرن ميونخ يواصل الهيمنة في ألمانيا    موكب الزهور يرسم لوحة نابضة بالحياة في هولندا    إيران: واشنطن غير جدية بشأن المسار الدبلوماسي ولم نتخذ قرارا بشأن استئناف المفاوضات    فوضى قبل البداية وإقصاء في النهاية.. أحداث مباراة أولمبيك آسفي واتحاد العاصمة تعيد ملف الانضباط إلى واجهة الكونفدرالية    الزلزولي يتألق مع بيتيس ويشعل صراع الأندية الأوروبية على خدماته    مدرب مارسيليا يهاجم لاعبيه برسائل قوية ويلوح بالاعتماد على الشباب    شراكة ‬دفاعية ‬لعقد ‬كامل: ‬المغرب ‬والولايات ‬المتحدة ‬يعززان ‬تموقعهما ‬في ‬هندسة ‬الأمن ‬العالمي    النمسا: العثور على سم فئران في عبوة طعام أطفال من شركة هيب    بدء توافد ضيوف الرحمن إلى السعودية لأداء فريضة الحج    معراج الحلاج    السلطات الإسبانية تحذر مستهلكي سبتة من منتوج سلمون ملوث            







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الشيخ رائد حليحل القيادي السلفي في لبنان لـ"التجديد": إنشاء تنظيم سلفي وارد
نشر في التجديد يوم 07 - 09 - 2008


في هذا الحوار، يقدم الشيخ رائد حليحل القيادي السلفي في لبنان، ومؤسس اللجنة الأوروبية لنصرة خير البرية تصوره لطبيعة التيار السلفي وأصوله والمفاهيم التي تأسس عليها، ويقدم انتقاداته لجماعات الغلو، ويعتبر أن مسألة التنظيم ليست بدعة، وأن التيار السلفي من خلال لقاءات رموزه وكوادره قد يفضي إلى إعلان صيغته التنظيمية، كما يقدم في هذا الحوار أولويات التنظيم السلفي الوشيك، ومقاربته المتوقعة للعمل السياسي، وموقفه من الانخراط في المؤسسات السياسية، بحيث لا تفترق أطروحته كثيرا عن أطروحة الحركة الإسلامية المعتدلة. في نظركم ما الموقع الذي يحتله التيار السلفي ضمن الحركة الإسلامية؟ بسم الله الرحمان الرحيم والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد، الحقيقة، إن التوجه السلفي أوالخط السلفي قد وقع بين مطرقة وسندان، من الداخل والخارج، ظلم أهله والمنتسبين إليه لأنهم لم يصدروه إلى العالم الإسلامي، وحتى إلى العالم بصورته الراقية الناصعة الطيبة التي هي عبارة عن الأصالة والعودة بالناس إلى المنبع العذب، البعيد عن الكدر والمنغصات، من الوحي الكريم من كتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، والاهتداء بهدي الجيل الأول المبارك الرباني الذي تربى على يد النبي صلى الله عليه وسلم وتحت عينه، وبين عدم الإنصاف من التيارات الأخرى ومحاولة إبراز الجوانب السيئة وتصويرها على أساس أنها جوهر السلفية وهذا خطأ. طبعا هناك مسؤولية مشتركة، مسؤولية على أبناء هذا التيار أن ينصفوه وينقوه، وأن يعيدوا له النضارة الطيبة حتى يقدموه للعالم الإسلامي والساحة الدعوية بالصورة الراقية، وأيضا من الحركات الإسلامية الأخرى ولو كانت تنظيميا أقدم في الساحة العملية، من باب الإنصاف أن ترفع هذا الظلم الممارس ضد هذا التيار، لأننا في الحقيقة خاصة في هذه المرحلة الحرجة في أمس الحاجة إلى بعضنا البعض، ولا أحد يستطيع أن يستغني عن الآخر، لاسيما في هذه الأزمات المتتالية في عالمنا العربي والإسلامي، فيتعين حتى على الحركات الإسلامية بحكم الأمانة والمسؤولية أن تؤدي دورا في إنصاف هذا التيار، وفي البحث عن القواسم المشتركة التي يمكن لهذه أن يجتمع فيها مع إخوانه من بقية الحركات الإسلامية. التيار السلفي، نستطيع أن نعتبره امتدادا لما كان عليه السلف منذ القرون المباركة، ونستطيع أيضا أن نعتبره حركة إسلامية معاصرة تعود بدايتها إلى دعوة الشيخ محمد عبد الوهاب في الجزيرة العربية، وطبعا دعوة الشيخ محمد عبد الوهاب كانت دعوة هادئة ومتزنة في مجتمع فشا فيه الجهل من جهة، وفشت فيه ممارسات دينية فيها كثير من التشوهات والخرافات والبدع المستنكرة التي فيها تشويه لحقيقة الدين، فجاءت هذه الدعوة لتنقي الشريعة من هذه الشوائب من جهة، وتطالب في نفس الوقت المسلمين بعودة صادقة إلى الدين، والتشبث بتعاليمه، ومحاربة الجهل بالدعوة إلى التفقه في الدين، وألا يجعل الدين حكرا على كهنوت معين على رجال دين . واستمرت هذه الدعوة استمرارا طيبا، ولكن قد يكون انحسار هذه الدعوة عن الامتداد مرتبطا بنشأة الدولة السعودية على أساس هذه الدعوة، وكأنما صارت بذلك دعوة محلية وأغلقت في مكانها، وتعذر عليها الامتداد إلى الخارج، لكن ولكون المملكة العربية السعودية محط أنظار العالم الإسلامي بسبب موسم الحج والعمرة واحتكاك المسلمين بها من كل بقاع العالم، والارتباط بالعلماء والسماع منهم؛ بدأت بعض الأذهان في العالم الإسلامي تتفتح لهذه الدعوة، وهذا ما بدأت ألاحظه عندنا في بلاد الشام وفي مصر، حيث بدأت بواكير التفكير في هذا المنهج، فظهر ت آثار هذا المنهج تظهر في كتابات محمد رشيد رضا صاحب تفسير المنار، وبدأ نوع من التواصل مع الدعوة الوهابية إلى أن توجت مؤخرا ببروز دعاة مرموقين في العربية السعودية أثبتوا جدارتهم، وأثبتوا إلى جانب تمكنهم من التأصيل الشرعي والفقهي جدارتهم في فقه الواقع والوعي بمشاكله وحيثياته، والإلمام بالسياسة ومخططات العدو؛ من خلال القيام بحركات تعيد نوعا ما للأمة توازنها، فبدأ هذا التيار السلفي يطل على العالم، لاسيما في زحمة الأنترنت وثورة المعلومات والاتصالات، وانتشار الفضائيات وغيرها، فبدا يستثمر هذه التقنيات ويثبت وجوده في الشارع الإسلامي، وأنه ليس كما يصوره البعض مجرد دعوة للخروج عن التقاليد الموروثة، والتنصل من المذهب، بل الأمر على العكس تماما، إذ يجد كل من يسمع للمراجع في المدرسة السلفية كل الإنصاف لعلماء هذه الأمة وأئمتها، والنبذ لكل المظاهر التي تخل بالالتزام الصحيح، ولذلك هذا الأمر قد يكون ساعد في الآونة الأخيرة نوعا ما في إبراز هذا التيار بصورة مخالفة لما يصور به، حتى أصبح اليوم حقيقة ظاهرة لا يمكن لأحد أن يتجاهله. وأنا أقول يوجد الآن في المرجعية السلفية الدعوية والعلمية والفكرية كوادر متفتحة ومنفتحة على الآخرين؛ يجدر أن يتم الاستفادة منهم لأن الجميع من مكونات الحركة الإسلامية همهم في نهاية المطاف واحد هو إرضاء الله عز وجل وإقامة دين الله تعالى، والدعوة إلى الله، والعودة بالأمة إلى منابع القوة ومصدر العزة. ولذلك فهذا التيار أثبت وجوده بكل قوة، ومن الجرم أن نتغافل وجوده ونتعامل معه وكأنه غير موجود في الساحة، وأؤكد هنا أن التلاقح الفكري بين الدعوات السلفية وبين الحركات الإسلامية مطلوب اليوم وبإلحاح، لأنه يفضي إلى تلاقي وتعاون، ولن نحصل من ورائه إلا على الثمرة الطيبة من الوئام والمودة، مما يعود على الدعوة بالنفع والقوة والصلابة. وأنا كنت أقول دائما للإخوة إن الخلاف في الاجتهاد والرأي ليس مستنكرا، والمذموم هو الخلاف الذي يفضي إلى الشقاق، ولذلك قد نختلف في الفروع وحتى في الأصول أحيانا؛ لكن ذلك لا ينبغي أن يفسد للود قضية ما دمنا قد وضعنا لأنفسنا هدفا وغاية. تبدو داخل الساعة العربية ثلاث تعبيرات سلفية، تعبير منشغل بالعلوم الشرعية (سلفية علمية)، وتعبير انطلق من التكوين الشرعي وجعل سقفه مواجهة الحركة الإسلامية تحت لافتة محاربة التحزب والتنظيمات، وقسم خرج من رحم السلفية العلمية وتوجه رأسا إلى العنف(السلفية الجهادية)، في نظرك ما هو تقييمك للتعبيرات السلفية الموجودة في الساحة العربية؟ التصنيف دائما يكون حاصلا عن الاستقراء والتتبع، لكن لا يعني ذلك أن هذا التقسيم هو إفراز طبيعي لأصل التفكير السلفي، إذ لو أخذنا هذه الحالة ووضعناها في سياق أعم؛ لخلصنا إلى أن ذلك ليس خاصا بالمدرسة السلفية وحدها، بل إنه عام ينطبق على جميع المدارس الفكرية في الإسلام، فنجد في المسلمين من يجنح إلى الجانب العلمي، ومنهم من يمحض حياته للجانب الدعوي، ومنهم من يجنح إلى التطرف دون أن يكون نزوعه سلفيا، وهذا بالمناسبة لم يحدث فقط في أيامنا، بل وقع زمن النبي صلى الله عليه وسلم. المقصد من هذا، أن هذا الاستقراء الذي نتج عنه هذا التقسيم الذي ذكرت حتى ولو كان أمرا صحيحا وواقعا؛ فإنه لا يعيب أصل الفكرة السلفية التي كما قلت هي عبارة عن عودة إلى المنابع الأصلية وإحياء للدين في النفوس أفرادا وأسرا ومجتمعا ودولة وأمة، وتبقى الأشكال المختلة والمشوهة لهذه الدعوة قابلة للعلاج تحت مظلة الإسلام، وليس ضمن الرؤية التي أنتجت هذه التصنيفات، وأنا أقدر وأعرف جيدا أن الإعلام يقوم دورا سيئ في تشويه الدعوة، فيلصق كل الدعوات العنفية بهذا المنهج ، وهذا في الحقيقة في غاية الخطأ، ومن يستقرئ الساحة الإسلامية يجد أن مسائل العنف إن صحت هذه التسمية أو قضايا الإرهاب على خلاف في مصطلحات هذا الموضوع ودقته؛ يجد أن هذا الأمر لا يرتبط بالدعوة السلفية، وإنما قد يكون مرتبطا بكل التيارات، وهو في الحقيقة إفراز مناطقي، له علاقة بشروط المنطقة السياسية والثقافية والاجتماعية التي جاءت فيها النتائج (الظاهرة العنفية)؛ بسبب مقدمات حصلت داخل المنطقة. والحقيقة أننا إذا دققنا النظر، نجد أن هذه الدعوات التي تقصد إلصاق الإرهاب والعنف بالمنهج السلفي لا يروم تيارا بعينه، ما دام التيار السلفي لم يتحقق في تنظيم ولا في تيار له هياكله التنظيمية، وإنما يستهدف منهج التفكير الذي يقوم على الارتباط بالأصول بما هي القرآن والسنة. تشكل كتابات ابن تيمية مرجعا رئيسا للتيار السلفي، لكن منتوج ابن تيمية نفسه يقرأ قراءات متعددة، إذ داخل التيار السلفي من يبرر الخروج عن الحاكم باسم ابن تيمية، ومنهم من يؤصل لطاعة الأمير وحرمة الخروج عنه باسم ابن تيمية، في نظرك أين تكمن المشكلة؟ هذا في الحقيقة جزء من الخلاف الذي يظهر في الجسم الإسلامي عامة وليس داخل الجسد السلفي خاصة، فالنبي صلى الله عليه وسلم أخبر عن افتراق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة، وبغض النظر عن التيار السلفي، وبغض النظر عن إنتاجات ابن تيمية، فمن المسلمين من يأخذ بنصوص ويفهم منها الخروج على الحاكم، ومنهم من يأخذ بنصوص طاعة الأمير، وهذا في الحقيقة خطأ يعبر عن الأزمة الفكرية والعلمية التي تعاني منها الأمة. ولعله من أكبر الأخطاء التي يرتكبها البعض أنه يعمد إلى بعض جزئيات الدين ويبرزها على أساس أنها كليات يوالي ويعادي على أساسها، فشمول الإسلام يقتضي وضع كل جانب من الجوانب ضمن أطره، وهذا لا يتأتى إلا بفقه الشرع وفقه الواقع؛ لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، أما أن يكون الإنسان عالما نحريرا في علوم الشرع والآلة وغيرها؛ وفي المقابل لا يفقه شيئا من واقعه فهذا حقيقة سيقع في أخطاء كبيرة جدا، ولذلك واجب العلماء وواجب الحركات الإسلامية التي تنوب عن العلماء أحيانا هو أن تجمع بين هذا وذاك، وأن تكون لها الجرأة الأدبية الكافية أن تتحدث عن الواجبات الوقتية للمسلمين، وقد يكون الآن جانب التربية والتزكية والتصفية والإعداد الداخلي هو المهم، لكن بعد أن يكون الانطلاق الدعوي ومخاطبة الناس هو المبدأ، يكون للاجتهاد والتقدير محل إذا حصل على الدعوة عدوان أوأردنا أن نقيم دين الله، وانتصبت ضدنا موانع وعراقيل لا سبيل إلا تجاوزها إلا كسرها، فحينئذ يتعين الجهاد، لكن طبعا بضوابطه وحدوده الشرعية كما أوضحها العلماء. إن كثيرا من الحالات الجهادية المعاصرة ألصقت بالإسلام وبالسلفية، ونحن نجد عليها ملاحظات، لكن في الوقت نفسه، وللإنصافـ نجد أن الإعلام يلعب دورا سيئا في تصوير حتى الحركات الجهادية المتزنة على أساس أنها حركات إرهابية، ولذلك لم تسلم حركات التحرر والمقومة من هذه الأوصاف والتهم. لكن التيار السلفي في الموقف من النظام السياسي ينتج أكثر من تعبير، فإما ينزع إلى إضفاء المشروعية على النظام الحاكم (طاعة الأمير)، وإما ينزع المشروعية عنه ويدعو إلى جهاده، ألا ترى معي أن التيار السلفي عكس الحركة الإسلامية يفتقد إلى مرجعية سياسية ضابطة، ومن ثمة يفتقد إلى مشروع سياسي؟ قد يكون ما ذكرت جزءا من الإشكالية، لكن الجزء الأكبر من المشكلة أننا إلى الآن لا يمكن أن نتحدث عن التيار السلفي بنفس الطريقة التي نتحدث بها عن الحركات الإسلامية المعاصرة، فهذا التيار ليس تنظيما، ولا يمتلك الأطر التنظيمية التي للحركات الإسلامية، ومن ثمة لا يمكن أن نحكم على هذا التيار من خلال أداء بعض رموزه، فهذه تبقى اجتهادات شخصية قد تكون الظروف الآنية والمحلية تضغط في اتجاه إنتاج مثل هذه الاجتهادات، ولذلك لا يمكن أن نحكم على التوجه كاملا من خلال ممارسات بعض الرموز الذين ينتسبون إلى هذا المنهج السلفي. فلو كان تنظيما له أطره ومجلس شوراه وله آلياته في إصدار القرارات وإلزام أعضائه بها؛ يمكن حينها أن يعاب على التيار السلفي، ويقال بأنه أقدم في مجال كان ينبغي أن يحجم فيه أو العكس، ولذلك فمن باب الإنصاف ينبغي ألا نحمل هذا التيار والحالة هذه أكثر مما يحتمل. ومن باب الإنصاف أيضا أن نثني على جهود بعض رموز هذا التيار حين ينتقدون الانغلاق في الكتب التراثية دون الانفتاح على الواقع، وحين يوجه بعضهم النقد إلى بعض المظاهر الغلوائية ويجعل من خطابه الدعوي والعلمي والإرشادي أداة لتحصين الشباب من الغلو والتطرف، ونحن لا نستطيع أن ننكر أن بعض الجماعات العنفية التي كانت تستبيح استخدام السلام ضد الأنظمة وحتى ضد المدنيين قامت بمراجعات، وأعادت النظر في خطها الفكري والسياسي، وتصدرت كتابات توثق لمراجعاتها. ولذلك، إذا أٍردنا أن ننصف، يمكن القول بأن التيار السلفي اليوم من الناحية التنظيمية هو في حالة تأطير نفسه، ومن ثمة ينبغي أن يعفى من هذه المسائل وألا يحاكم من خلال شذوذات بعض أفراده. في الموقف من المؤسسات السياسية والحركات الإسلامية لكن عند تنزيل هذا الهدف على أرض الواقع، وبشكل مدقق عند بحث قضية مسالك العمل تثار قضية الموقف من العمل من داخل المؤسسات، كيف سيتعامل التيار السلفي مع هذه المشكلة؟ هذه مسألة خلافية داخل الحركة الإسلامية، وليست فقط عند التيار السلفي، بل وهذا ليس مخصوصا بهذا العصر، فهذه الإشكالية كانت في السابق، فنجد العالم الذي يقدر أنه من مصلحة الدعوة أن يكون قريبا من السلطان، ونجد العالم الذي يبتعد عن السلطان، ولذلك أنا أقول إذا تبلورت في الساحة الدعوية صورة جامعة قد يكون من أطرها مجلس شوري للجماعة يجمع الكوادر الشرعية والسياسية؛ يوتداولون فيما بينهم حتى يخرجوا بموقف في الموضوع بحسب الحالة والظرفية التي يعرض فيها هذا العمل. وماذا عن تقديرك الشرعي؟ تقديري أني أجد حرجا في الدخول في مؤسسات الأنظمة التي ترفع الشعار الإسلامي، لأن الأمر يصبح كما لو كان تعاونا على الإثم والعدوان، فأنا أخشى على الشخصيات الإسلامية أن يكون دخلوها إلى هذه المؤسسات هو وسيلة لتدعيم أسس النظام غير الإسلامي؛ إلا إن كان التقدير أن يكون في هذه المشاركة تأثير واضح من جانب الإسلاميين في اتجاه الصلاح؛ كما هي تجربة يوسف عليه السلام. يعني الأمر في نهاية المطاف متروك للتقدير المصلحي؟ أنا صراحة لا أوافق بعض الحركات المتشددة التي ترى في الدخول إلى المؤسسات السياسية نوعا من الولاء للطاغوت، فهذا في الحقيقة فيه غلو وتطرف وتسرع، فما دام الإسلامي قد دخل إلى هذه المؤسسات رافعا الشعار الإسلامي، ويريد أن يصلح قدر الإمكان؛ فأصل نيته يصرف عنه هذا التكفير والتبديع والتفسيق. وما عدا هذا الرأي المتشدد؛ يبقى الأمر خلافيا دائرا بحسب التقدير المصلحي. لو أعلن هذا التيار عن تنظيمه؛ ما الموقف الذي تتوقعون أن يكون له من الحركات الإسلامية العاملة في الساحة الحركية؟ أتمنى أن تكون نظرتنا لهم كما نظرتهم لنا تكاملية، وألا غنى لبعضنا عن البعض، على أساس أن كلا منا على ثغر من ثغور الإسلام، فقد جربنا الكثير من الشحناء والمنابذة وغيرها، لكن ذلك لم يوجد إلا الفرقة والشرذمة، ولم يزدنا إلا ضعفا وهونا، وقلبت عندنا موازين المحبة والولاء والبراء، فهناك مآسي تمر على الأمة، وهناك قضايا جمعت كل أطياف الأمة مثل قضية الإساءة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهناك قضايا أخرى جامعة مثل قضية فلسطين، فقد يكون من رحمة الله أحيانا أن الله يجعل ضمن المحن منحا تجمع أطياف الأمة وتدفعهم إلى أن يؤجلوا خلافاتهم إلى ما بعد مرور وقت الشدة، ولذلك فالأولوية عندنا هو التعاون والتناصح ومد جسور التواصل.

انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.