أرباب النقل الدولي بالمغرب يخوضون إضرابا مفتوحا، بسبب القيود والعراقيل الأوروبية    تنظيم مجلس فيدرالي موسع بطنجة    البرتغال ضيف شرف الملتقى الدولي للفلاحة بمكناس    ترامب: لا أريد تمديد وقف إطلاق النار    مناهضة العنف ضد الأطفال ضمن أولويات وزيرة التضامن    الدورة الثالثة لمهرجان سينما المرأة والطفل تكرم عهد بنسودة    المشروع التأليفي لعبد الجليل الأزدي: تنوّع الحقول ووحدة الرؤية    بوريطة يشارك في اجتماع الدورة غير العادية لمجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري لبحث الهجمات الإيرانية ضد الدول العربية    شهيد لأخنوش: "إنجازاتكم ارتفاع الأسعار" والحكومة مشغولة بالسباق الانتخابي    السكر العلني والخيانة الزوجية يقودان رجلًا وسيدة إلى سجن الحسيمة    مشرع بلقصيري: العثور على جثة شاب مقتولاً في ظروف غامضة بدوار أمغيطن    أخنوش: ربحنا معركة الثقة في العمل السياسي وهدفنا منذ اليوم الأول هو المساهمة في تقدم ونجاح بلادنا    الموسم الفلاحي.. توقع بلوغ محصول الحبوب نحو 90 مليون قنطار    لبؤات الأطلس يتقدمن في تصنيف فيفا    تقرير: أزيد من 17 ألف جمعية مغربية تستفيد من دعم عمومي فاق 5.6 ملايير درهم    الفنانة فاطمة دويميك تؤطر ورشة "المسرح والتعبير الجسدي" بمشرع بلقصيري    بورصة الدار البيضاء تستهل تداولاتها بأداء إيجابي    وزيرة الانتقال الرقمي: اعتماد الساعة الإضافية مؤطر بمرسوم ملكي ونصوص قانونية واضحة    المحمدية في حاجة إلى "رؤية تنموية".. إغلاق المصانع وتفشي البطالة يعمّقان أزمة مدينة كانت في قلب الصناعة المغربية    وقفة احتجاجية أمام محكمة الاستئناف بتازة دعما للرابور "الحاصل"    خالي عثمان (2/2)    حرب غرب آسيا "الأخيرة".. من هنا يبدأ التحول؟        الدورة ال16 من سباق النصر النسوي..    وزارة الإعلام بدولة الكويت تنعى الممثلة حياة الفهد    حرب الريف.. مئة عام والجرح لم يندمل والذاكرة لم تُهزم    شوكي: نتحمّل مسؤولية الحصيلة كاملة.. والإصلاح مسار سيادي متواصل    مانشستر يونايتد يخطط لضم تشواميني لتعويض كاسيميرو    المغرب الفاسي يعزز حضوره الإفريقي عبر شراكات كروية في ساحل العاج    إسماعيل باعوف مرشح لجائزة "الدرع الذهبي" في دوري الدرجة الثانية الهولندي    أكادير تحتضن "الأسد الإفريقي 2026" بمشاركة أكثر من 400 عسكري من دول مختلفة    رئيس نيكاراغوا: ترامب مصاب ب"اختلال عقلي"    الأمم المتحدة.. هلال يعزز الشراكة الاستراتيجية بين لجنة تعزيز السلام والبنك الدولي    جنود يابانيون يفارقون الحياة في تدريب عسكري    طقس الثلاثاء.. تشكل سحب منخفضة وضباب محلي    كيوسك الثلاثاء | الحملات الطبية لوكالة بيت مال القدس تكسر العزلة عن القرى النائية    "التلفزيون الإيراني": لم يغادر أي وفد حتى الآن إلى باكستان لحضور محادثات السلام مع أمريكا    سوس ماسة: 12 مليار درهم رقم معاملات للسلاسل التصديرية و2.5 مليار للفلاحة التضامنية    ملتقى الفلاحة بمكناس: مشاركة 70 بلدا و1500 عارض واستقبال مرتقب ل1.1 مليون زائر    وكالة الطاقة الدولية: حرب إيران تتسبب في أكبر أزمة طاقة على الإطلاق    حسن مرزوقي: جهة سوس ماسة تراهن من خلال مشاركتها في معرض مكناس على الشراكات والاستثمار وتعزيز الفلاحة المستدامة    توقيف شخص بطنجة في قضية تتعلق لترويج المخدرات والمؤثرات العقلية    أخبار الساحة    34 ألف مستفيد من أداء مناسك الحج لموسم 1447ه    بين خفض التكاليف والرقمنة.. وزير الأوقاف يستعرض حصيلة ومستجدات موسم الحج    أكاديمية المملكة تنظم الدورة ال 51    حارس اولمبيك آسفي بوسف المطيع يفجرها: " لابد من مراجعة العلاقات مع الجيران"    مخاوف من ظهور سلالة فرعية من متحور أوميكرون..    الأسبوع العالمي للتلقيح.. وزارة الصحة تجدد التأكيد على مجانية اللقاحات وضمان استدامتها    موكب الزهور يرسم لوحة نابضة بالحياة في هولندا    تطوان وردة وطن    بايرن ميونخ يواصل الهيمنة في ألمانيا    النمسا: العثور على سم فئران في عبوة طعام أطفال من شركة هيب    بدء توافد ضيوف الرحمن إلى السعودية لأداء فريضة الحج    معراج الحلاج    السلطات الإسبانية تحذر مستهلكي سبتة من منتوج سلمون ملوث            







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



جعل الإمامة من الأصول يقرب المسافة بين السنة والشيعة
التسييس المفرط للإسلام يمهد لالتقاء ضمني بين الاثنى عشرية والمذاهب السنية
نشر في المساء يوم 26 - 08 - 2012

أثار وصول الإسلاميين إلى السلطة في عدة مناطق من العالم العربي، بعد ما سمي الربيع العربي، ويثير أسئلة عدة حول قضايا السلطة والحكم والمسألة الدينية والتعددية داخل الحقل الإسلامي نفسه.
الكتاب الذي تنشره «المساء» على حلقات يفتح ملف الإسلاميين بين الدين والسلطة ويحاول تقديم إجابات عن العديد من الأسئلة التي طرحها الإسلاميون منذ ظهورهم إلى اليوم: كيف تعامل الإسلاميون مع قضية الخلافة؟ وكيف تم الانتقال من التنظير للخلافة إلى التنظير للدولة الوطنية؟ ولماذا تأخر الاعتراف بالديمقراطية كثيرا لصالح الشورى؟ وما علاقة ممارسة الحكم بالنص؟ وهل يشكل وصول الإسلاميين إلى السلطة نهاية الرحلة أم مجرد بداية لتفجير قضايا جديدة؟..
الواقع أن ما حدث كان تحولا جوهريا في التعامل مع الدين الإسلامي في الدائرة السنية، سيكون له تأثير كبير في العقود التي تلت. وقد تمثل ذلك التحول في التسييس المفرط للإسلام، ليس بالمعنى الشائع، الذي يعني إدخال الدين في السياسة، طالما أن السياسة جزء من الإسلام، ولكنْ بمعنى اختزال الدين في مطالب سياسية محددة وتضييقه في نطاق الدولة. وبسبب هذا الاختزال وقع نوع من الالتقاء الضمني بين المذهب الإثنى عشري وبين المذاهب السنية، ذلك أنه إذا كان المذهب الأول يقول بالمهدوية وبانتظار المهدي، الذي سيملأ الأرض عدلا بعدما مُلئت جورا، فإن الحركة الإسلامية في العالم السني حوّلت الدولة إلى «مهدي» جديد سيقضي على جميع الاختلالات والانحرافات التي وقعت في المجتمع الإسلامي، إذ تم اختزال الدين كله في الحكم والسلطة، والأكثر من ذلك أن مفهوم الدعوة لدى الحركة الإسلامية ارتبط بعملية التحشيد الجماهيري لهذه الأفكار أكثر منها للإسلام نفسه، بمعنى أنه تم تحويل الدعوة إلى مجرد وسيلة للوصول إلى بناء الدولة، وليس إلى إعادة بعث الدين كاجتهاد عقلي وحرية فكرية وأخلاقيات اجتماعية.
ونتيجة لهذه المبالغة في تسييس الإسلام وتحويله إلى مجرد سلطة مادية مُجسَّدة في الدولة، وليس إلى سلطة معنوية مبثوثة في المجتمع، صار الحكم لدى الحركة الإسلامية جزءا من العقيدة نفسها، وهذا ما نلحظه مثلا عند حسن البنا، مؤسس جماعة «الإخوان المسلمين»، المصرية، الذي يقول: «الحكم معدود في كتبنا الفقهية من العقائد والأصول، لا من الفقهيات والفروع»، بخلاف ما استتبّ لدى أهل السنة -خلافا للشيعة- من أن الإمامة من الفروع وليس من الأصول، فقد رآى الأمدي، مثلا، أن «أهل السنة لم يلحقوا مبحث الخلافة أولا في أصولهم، إذ الكلام فيها ليس من أصول الديانات». ويرى أحد الباحثين أن مثل هذا القول فتح الباب أمام عدد من مفكري أهل السنة المعاصرين كي يؤسسوا «نظرية أصولية» في السياسة والدولة «لم تفعل -في حقيقة أمرها- سوى أنها جسّرت الفجوة مع النظرية الشيعية في الإمامة، لتعيد إنتاجها بمفردات سياسية جديدة».
والواقع أن الحركة الإسلامية عندما رفعت شعار الدولة الإسلامية في بداياتها كانت تنطلق من قراءة خاطئة للتاريخ، وربما كان الأمر طبيعيا لأنها كانت تبحث عن خطاب سياسي لتبرير سحب الشرعية عن الدولة القائمة وتسويغ وجودها، لا عن تجديد الخطاب الديني. ذلك أن التركيز على الدولة -كوسيلة وحيدة لإعادة بعث الإسلام- لا بد أن يؤدي من الناحية المنطقية إلى القول إن الأمة الإسلامية منذ انهيار الخلافة قد عاشت بعيدة عن الشريعة، لأن الحكم أصبح -كما يقول الجاحظ- «ملكا كسرويا وغصبا قيصريا»، وهذا حكم متطرف في قراءة التاريخ لم يقل به أحد من الإسلاميين ولا من المؤرخين المسلمين عبر العصور.
ولو كانت «الدولة الإسلامية» التي رفعها الإسلاميون شعارا لهم في العصر الحديث جزءا من أصول الدين لكان الحكم الصحيح الذي يمكن إصداره عن القرون الماضية من عمر الأمة هو أنها كانت تعيش في جاهلية، بسبب الانحراف الذي وقع في السلطة وغياب الدولة الإسلامية، أي الدولة التي تحكم بالإسلام. وعندما نادى الإسلاميون بإعادة الخلافة في العصر الحديث، بعد سقوط السلطنة العثمانية، فإنهم بذلك كانوا يؤكدون، بشكل ضمني، أن الإسلام كان قائما رغم كل ما شاب تلك المرحلة والمراحل التي سبقتها من انحرافات.
لم يكن ذلك التحول -من اعتبار الإمامة من الفروع إلى إدراجها ضمن الأصول الاعتقادية- سوى انعكاس لمناخ العصر السياسي، لا نتيجة استنباط من النصوص المؤسسة في الإسلام. فالمتفق عليه بين العلماء والمفكرين أن كلمة «دولة» لم ترد في النصوص القرآنية إلا مرة واحدة في سياق الحديث عن الفيئ في قوله تعالى»كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم» (الحشر 7)، بينما وردت كلمة أمة 49 مرة، أي أن مفهوم الدولة بمعنى الحكم والسلطة لا يرِد في القرآن ألبتّة، بل وردت كلمة «الحكم» في القرآن بمعنى القضاء وليس بمعنى السلطة السياسية ممثلة في الدولة. وإذا كان من المؤكد أن تكرار الكلمات في القرآن ليس اعتباطا، فالجائز القول إن الإلحاح على كلمة الأمة -مقابل غياب كلمة الدولة- يقود إلى استنتاج مُعيَّن هو أن مركز السلطة الدينية في الإسلام موجود في المجتمع وليس في الدولة..
وتطلعنا التجربة التاريخية للأمة الإسلامية أنه رغم الانحرافات الكبرى التي شابت السلطة السياسية، فإن النبض الرئيسي للدين ظل يجري في المجتمع، وبقي هذا الأخير هو الحارس الأمين على الشريعة. وتعتبر تجربة الأوقاف خيرَ دليل على أن المجتمع حافظ على الدين ولم يتأثر بالانحرافات التي مسّت هرم السلطة، وما يظهر صدقية هذا القول أن خمول المجتمع العربي الإسلامي في العصر الحديث بدأ مع الدولة الحديثة، عندما وضعت يدها على الأوقاف والمؤسسات الدينية وقامت بتأميمها وصادرت استقلاليتها. وهذا يعني أمرا واحدا، وهو أن الدولة لو كانت -كما نادى الإسلاميون في العصر الحديث- دولة إسلامية بالمعنى الذي يقصدونه، أي دولة تشرف على قيادة المجتمع والهيمنة على الشأن الديني والسياسي فيه، لكان من الطبيعي أن يؤدي فسادها إلى فساد المجتمع، لكنّ ما تظهره التجربة التاريخية للأمة هو أن المجتمع الإسلامي ظل نابضا بالحياة ومدافعا عن دينه رغم هزيمة الدولة وتحولها إلى نخبة فاشلة.. وهذا ما يؤكد أنه في أوج التضعضع السياسي للسلطة في تاريخ الإسلام كانت هناك نهضة علمية ودعوية كبرى، لأن الإسلام يركز على الاستثمار في الأمة وليس في الدولة، ليس فقط لأن هذه الأخيرة عرضة للانتقال بين شرعيات وعصبيات مختلفة ومتباينة، ولكنْ أيضا لأنها غير مستقرة في القيّم السياسية والأخلاقية التي تدافع عنها. كما أنها مُعرَّضة للفساد، لكونها مركزَ المصالح المادية والمعنوية، أي النزعة الدنيوية. ولم يتأتَّ للمجتمع العربي الإسلامي أن يحافظ على هذه الاستقلالية وأن يطور المعرفة الدينية ويحقق النهضة العلمية والحضارية التي نراها اليوم إلا لأن العلاقة بين الدين والدولة -أو بين المجتمع والدولة بالأصح- كانت علاقة تعايش، لا اندماج. ويرى رضوان السيد أن الصراع الذي قام إبّان الحكم الأموي كان صراعا بين نزعتين، نزعة عربية قرشية ونزعة إسلامية أمية (من الأمة)، الأولى تجر إلى بناء دولة ترتكز على العصبية العربية القرشية، والثانية تدفع إلى إبقاء السلطة في الأمّة، كما كان الأمر أيام الرسول، صلى الله عليه وسلم، ذلك أن المسلمين فهموا، منذ البداية، أن بناء الدولة يتعارض مع الإسلام باعتباره سلطة فوق الدولة لا ينبغي أن يذوب فيها.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.